ثقافات

آغنار عواضة لـ”بوسطجي”: فليصنّفني النقّاد في خانة التمرّد

كاتبةٌ لبنانيةٌ جريئةٌ هي، عميقةٌ، صلبة ومرهفة، لا تشغل بالها بالتصنيف بقدر ما يساكنها ويعتريها التعبير. يتأرجح ما تدوّنه بين الشعر والنثر، إضافةً إلى المشاهد المكتوبة على طريقة الرواية أو القصّة. ربّما يمثّل “فيسبوك” والعالم الافتراضيّ حاجةً لأن نولد من جديد وفقاً لذوقنا هذه المرّة، كما تقول. في هذا الفضاء الإعلامي الجديد “الشطارة تكمن في تأمين التوازن بين جودة النص وإرضاء الجمهور من دون الانحدار بالمستوى”. ديوانها المنسلّ من هذا الإطار الرحب التفاعليّ “بماء عينيك كتبت”، الصادر حديثاً عن “دار الفارابي”، ستوقّعه في “معرض بيروت العربي الدولي للكتاب”، الأربعاء 6 كانون الأول 2017 (7-10 مساءً).

حول تجربتها وآرائها ومنابتها وتطلّعاتها ومشاريعها القادمة كان لموقع “بوسطجي” مع آغنار عواضة هذا الحوار.

 

 تقولين إن ديوانك، الذي سيصدر عن “دار الفارابي” قريباً، تأتّى فكرةً في البداية عن فضاء “فيسبوك” على اعتباره وسيلةً إعلامية في يومنا هذا. ما عنوانه؟ أيّ نوع أو أيّ فئة من الجمهور اجتذبتِ إلى الآن؟ كيف ترين العلاقة التفاعلية بين نصك والجمهور عبر “فيسبوك”؟ كيف يمكن تطويرها أكثر؟

عنوان الديوان هو “بماء عينيك كتبت”، الغلاف الفنّي لرامي كمال البقاعي، إبني، وهو مهندسٌ معماري ورسّام.

كما تعلمين الجمهور في “فيسبوك” عبارة عن مجموعة من الأصدقاء الذين تقبلين صداقتهم أو يمكنني فتح الـ  Public status في بعض الأحيان، ونادراً ما فعلتُ ذلك. ليسوا فئة متجانسة أو عبارة عن جمهور من لونٍ واحد، هم من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والأعمار، بينهم المثقّف والفنّان والأقارب والأصدقاء منذ أيام الطفولة وخليط عجيب غريب من الناس. “فيسبوك” أشبه بالمسرح حيث رد الفعل يكون مباشراً وتفاعلياً إلى أقصى الحدود، فكما يأخذ الممثّل نصيبه من لذّة وجود الجمهور القريب، يحصل المرسل في “فيسبوك” على رد فعل اللحظة نفسها التي يضع فيها نصّه. طبعاً لذلك إيجابيات وسلبيات كثيرة. هذه العلاقة لا تزال تتطوّر وتتبدّل وهي ليست ثابتة لأن التحديثات والتطوير الهائل اللاحق بشكل متسارع بعالم السوشال ميديا لم يبلغ حدّ الثبات والاستقرار، وعالم “فيسبوك” لم يرسِ بعد أخلاقيات وأصولاً للتعاطي والتفاعل، هو مجتمع جديد إفتراضي يتكوّن وله قوانينه التي تتبلور يوماً بعد يوم. إنه فرصة ليقدّم الفرد إلى الآخرين بالطريقة التي يريد لهم أن يعرفوه من خلالها، ربما حاجة لأن نولد من جديد وفقاً لذوقنا هذه المرّة.

لا تريدين أن يُصنَّف ما تكتبينه في خانة الشعر لأنه عبارة عن بوح بما في عقلك ووجدانك. التصنيف النقدي وغير النقدي ماذا يمكنه أن يضيف أو يؤخّر برأيك، وهل يأسر الكاتب في زمنٍ يختلط فيه النص النثري بقصيدة النثر بالسرد والتدوين…

بحسب التعريفات الأدبية الموضوعية يتداخل الشعر والنثر في نصوصي  المكتوبة، إضافةً إلى بعض المشاهد المكتوبة على طريقة الرواية أو القصة. لا أشغل بالي كثيراً بهذه المسألة… فليصنّفني النقّاد في خانة التمرّد على كل هذه القوالب الأدبية، لا مشكلة في ذلك، أنا أضع تجربتي المتواضعة التي لا تدّعي شيئاً على الإطلاق في متناول الناس بكلّ حرية وبدون أيّ نوع من أنواع الرقابة، وفي ذلك متعة غريبة، وقد بحتُ بما يجول في خاطري ووجداني وعقلي، في كلمات سكبتُها ونثرتُها في الأثير والفضاء… ووصلتُ إلى جمهورٍ أو فئة معيّنة من الناس، تفاعلوا معها بطريقة جيّدة ومُرضية بالنسبة لي. هذه التجربة نجمت عن ألمٍ شخصيٍّ وعشقٍ أبديٍّ، أرجو أن تقيَّم في حدودها. فررتُ إلى عالم الكلمة هرباً من السواد والحزن والألم، هربتُ لكي أشفى من جرح القدر فعثرتُ على القمر…

كقارئة ومشاهدة ومتابعة وكاتبة، كيف تقيّمين المشهد الشعري والأدبي اليوم في لبنان والعالم العربي؟ والجوائز؟

عموماً كل مناحي الحياة الثقافية تعرّضت للإهتزاز، وتميل نحو السطحية والضحالة والركاكة، وإنما يظلّ هناك عددٌ من التجارب المضيئة فأنا معجبة بتجارب السوريين الشعراء. يكتبون بطريقةٍ مختلفة، لديهم أصوات جميلة، من مختلف المشارب، معارضين وموالين. هم في خضم الحرب ويكتبون عن الحياة والحب والزهرة، ويحلمون بغدٍ أفضل، وفي هذا الشرق العفن لا نملك إلا أحلامنا.

في لبنان الكل يخوض التجربة ويحاول أن يصل إلى مكانٍ ما، نوعاً ما تسود الشللية والتكتّلات التي تدعم عملاً أدبيّاً و/أو فنّياً على حساب عمل آخر ربما أفضل منه، وهذا بداعي الانقسامات السياسية والطائفية التي تنعكس رداءةً على المستويات كافة. مع هذا أنا مع أن يجرّب الجميع وذلك ليس خطأ. أفضل من أن نحمل السلاح ونقتل بعضنا بعضاً…  لننشر ونكتب نصّاً أو قصيدة، لنرسم لوحةً، لنعزف الموسيقى… وهذا ما يميّزنا كبشر عن باقي الكائنات، لدينا إنتاج ثقافي لا بأس به. مَن أنا لأقيّم المشهد الثقافي، مثلي مثل غيري، أنا أجرّب والناس تقيّم بحسب الذائقة الشخصية.

ما هي منابتك الشعرية إن لناحية المناخ أو المزاج أو التأثر التفاعليّ…

إذا عُدْنا إلى الجينات فجدّي يوسف عواضة كان شاعراً زجليّاً وقد نشرنا  ديوانه منذ حوالي ثلاث سنوات، وذلك بعد وفاته بسنين… وكذلك الأمر  بالنسبة للوالد ولعمّي، لديهما محاولات شعرية لم تُنشر.

أما وأنّ قراءاتي الأولى كانت في ميدان الرواية والفلسفة أكثر منها في فضاء الشعر، فإن ذلك ينعكس صوراً مشهدية في غالبية نصوصي. الطبيعة بكلّ عناصرها مصدر إلهام قويّ بالنسبة لي: القمر، الشمس، البحر، التراب، الهواء، النار، الماء، والزهرة…

الغوصُ والتشتُّت والضياع سمةٌ عامة لهذا العصر وللإرباك السياسي والتفتُّت صدى في المجال الفكري والإبداعي بشكل عام… فالأمّة ومفاهيمها التي سادت في مدى الـ100 سنة الماضية، تهاوت، والأحلام القومية تدهورت، وكل ذلك وجد صداه لدى الأقليّات الثقافية العرقية التي استنفرت للدفاع عن هويّتها، وتجدين اليوم القصيدة الكردية والأشورية والفينيقية، واستنهضت العصبيات الضيّقة والصغيرة. شيءٌ ما يولد من رحم هذه الأزمات، بالطبع هذا بشكل عام “الماكرو”، أمّا إذا أردنا الدخول على صعيد المواهب الفردية، والتي لا تحتاج إلى رعاية الدولة وهي غائبة كمفهوم عام يحيط ويرعى عالم الإبداع، وهي لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة ودعم وإنّما إلى موهبةٍ ومناخٍ غير متوفّر.

ستوقعين ديوانك في 6 ديسمبر/ كانون الأول 2017 في معرض الكتاب في بيروت. مخاطبتك لأصدقائك وقرائك وجهاً لوجه وملاقاتك هذه، كيف يمكن أن تؤثر تباعاً على مستويي القراءة والكتابة؟ ما هي الخطوة الثانية؟

أنا على معرفة شخصية بغالبية الأصدقاء، قلّة بينهم من الأصدقاء الافتراضيين في “فيسبوك”.

أنا متحمّسة جدّاً لهذا التواصل المباشر، لأنّ “فيسبوك” شكّل لي في مرحلةٍ معيّنة دعماً حقيقياً، كنتُ بحاجةٍ إليه في فترة حرجة ودقيقة في حياتي، ولا ينبغي لي أن أكون جاحدة له. “اللايكات” والقلوب (في التعليقات) تثير فينا الحماسة، مخطئ مَن يقول عكس ذلك.

النص في “فيسبوك” موجزٌ وسريعٌ ومن الطبيعي أن يتأثّر الكاتب أو المُرسِل بمزاج الجمهور وبرَدّ فعله السريع وبالتالي تطغى علينا الرغبة في المزيد من “اللايكات” وعبارات الإعجاب والمديح. لا يمكن الادعاء عكس وخلاف ذلك. الشطارة في إيجاد التوازن بين جودة النص وإرضاء الجمهور من دون الانحدار بالمستوى… على الرغم من أنني، على المستوى الشخصي، كنتُ “ألعب” معظم الأحيان…              .

خطوتي التالية بعد إنجاز رسالة الماجيستير في الإعلام هي في الرواية التي في ذهني وهي حلمي في الكتابة.

الخيال تعويض عن الواقع؟

الخيال هو منقذنا من الواقع السوداويّ المحيط. كيفما تلفّتنا: خيبات وحروب وإمعان في تخريب الطبيعة حتى انقلبت علينا! وهو أيضاً فرصتنا لإعادة تشكيل هذا الواقع على صورة مشتهاة. الخيال فسحةٌ للإنسان، يفلت بها من ضوابط هو خلقها بنفسه.

 

كلمة أخيرة

هذا الكتاب حلمٌ تأخّر وتحقّق من ألمٍ لا أرجوه لأحد، ومن حبٍّ أبديٍّ لا ينتهي بالموت. موت الأوراق الصفراء وسقوطها على تراب الخريف يُحيي التراب… وتتنفّس الأشجار.

حاورتها هالة نهرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق