سياسة واقتصاد

“أجنحة فوق سيناء “.. كلمة السر في صراعات الشرق الأوسط

“أجنحة فوق سيناء: القوات الجوية المصرية أثناء حرب سيناء في 1956″، كتاب جديد طُرح في الأسواق في  الثاني من شباط/فبراير الحالي. لايميّز هذا القدام ما قدّمه من وثائق وصور وخرائط تنشر للمرة الأولى عن حرب العام 1956، التي اعتبرها محللون غربيون علامة على سقوط بريطانيا كقوة استعمارية عظمى فحسب، ولكن لأنّ أحد مؤلفيه الثلاثة يقدم رؤية تعتبر سلاح الطيران هو كلمة السر في معرفة كيفية تشكيل النظم العربية في عصر ما بعد الاستعمار والحرب الباردة، وأبرزهم حافظ الأسد في سوريا، الذي تدرّب في مصر على يد محمد حسني مبارك رئيس مصر الأسبق.

يُعرف العدوان الثلاثي على مصر في الغرب باسم “أزمة السويس”، وأطلقت على العملية تسمية “الفارس”، وانقسمت إلى ثلاثة مراحل، هدفها الأخير تدمير القوات الجوية المصرية، واحتلال قناة السويس كاملة، وإسقاط حكومة جمال عبد الناصر. هذا الكتاب يقدّم عرضاً لأحداث الحرب اعتمادا على وثائق وذكريات المشاركين، مجمّعة ومشروحة بلغة مبسّطة، وقد قام على تأليفه ثلاثة من الخبراء والمتخصصين الذين عايشوا تلك السنوات وهم ديفيد نيكول، وتوم كوبر، مارشيل الطيران جابر علي جابر.

ديفيد نيكول، أحد مؤلفي الكتاب، مولود في لندن عام 1944، وعمل في تلفزيون “بي بي سي” الخدمة العربية، وكان يكتب لمجلات تعليمية مواضيع تاريخية، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أدنبرة، وبعدها بدأ يكتب في تاريخ الطيران العسكري، وركّز كثيراً على العالم العربي والإسلامي، وأصبح محاضراً في التاريخ في العام 1983 في جامعة اليرموك في الأردن، وكتب عشرات الأفلام الوثائقية.

والمؤلف الثاني توم كوبر مولود في فيينا، عاصمة النمسا، في العام 1970، وهو مؤخ الطيران العسكري، وقد ركّز في كتبه ودراساته على القوات الجوية لدول الشرق الأوسط في فترة بعد الحرب العالمية الثانية.

الرغم من خدمته العسكرية، سافر كوبر، أثناء  عمله في استثمار النقل، وأسس خلال رحلاته اتصالات، وحدد مصادر سمحت له بتحقيق نظرة فريدة إلى الطيران العسكري الآسيوي والأفريقي، فكتب أكثر من 400 مقال، وألف أو شارك في كتابة أكثر من 26 كتاباً، بالإضافة إلى أنه رسام بارع.

وشارك في التأليف أيضاً مارشيل الطيران  الاسرائيلي جابر علي جابر، وقد خدم طياراً في الطائرة المقاتلة “دي فايلاند فامباير” أثناء حرب السويس العام 1956، وبعدها أنهى تعليمه العسكري في معهد الحرب الجوية في العام 1960، وشغل منصب مدرب تكتيكات في الحرب الجوية بين العامين 1962 و1964، كما كان ضابطا أثناء حرب العام 1967، وبقي مديراً لفرع التدريبات العملية بين العامين 1968 و1973.

مؤلفات سابقة

اشترك توم كوبر وديفيد نيكول سابقا في سلسلة “عرب ميغ”، وهي سلسلة كتب تعالج مواضيع خاصة بسلاح الطيران العربي في الجزائر ومصر والعراق والأردن ولبنان والسودان وسوريا واليمن. ويعالج المجلد الرابع من هذه السلسلة الفترة الممتدة بين ما بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 وحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، بداية بطائرات “فامباير تي إم كي 55 إس”، حتى طائرات حرب أكتوبر، وذلك عبر ستة فصول، تمكن الكاتبان فيها من الوصول إلى ملفات رسمية عن تلك المقاتلات، ليزوّدا كتابتهما بنظرة فريدة للصراع في الشرق الأوسط.

بحسب مجلة “آي بي إم إس/يو إس إيه” الأميركية المتخصصة في الشؤون العسكرية، فقد ركزت الولايات المتحدة على الحفاظ على توازن القوة بين إسرائيل وجيرانها، وأبدت استعداداً للحفاظ على التوازن العسكري، باقتصارها على إمداد إسرائيل بطائرات “دوغلاس إيه-4 سكاي هوك”، ومقاتلات “نورثروب إيه-4″، ولكن ذلك لم يكن مقبولاً لطياري الجيش الإسرائيلي، الذين جربوا الطيران بـ”نورثروب إف 5″، وركزوا على “فانتوم” الجيل الثاني، ليواجهوا السوفيات الذين دعموا العرب بطائرات “ميغ”.

المجلد الأول من هذه السلسلة نشر في 19 تشرين الثاني/وفمبر العام 2009، غطى خلفية القوات الجوية العربية منذ العام 1955، مركزاً على مقاتلات “ميغ-15” و “ميغ- 17”. ويرى كوبر أن تورط العرب في الحرب الباردة جاء بعد شراء طائرات “ميغ” من الاتحاد السوفياتي.

ويحكي الكاتب قصة الأشخاص الذين طاروا بطائرات “ميغ-15″ و”ميغ-17” في الجزائر ومصر والعراق وسوريا، والعديد منهم أصبح شخصيات سياسية رئيسية في التاريخ الحديث لهذه الدول.

تورّط العرب في الحرب الباردة جاء بعد شراء طائرات “ميغ” من الاتحاد السوفياتي

ويرى الكاتبان، كوبر ونيكول، أنه بداية من العام 1955، ولعشرين سنة تالية، شكلت طائرات “ميغ-15″ و”ميغ-17” العمود الفقري للقوات الجوية في العديد من الدول العربية، وقد أدّت هذه الطائرات دوراً بارزاً في أربعة حروب كبرى.

وليضرب مثلاً واحداً من أمثلة عديدة على الأهمية السياسية لسلاح الطيران، أشار توم كوبر، في مقال له، إلى مهنة الطيران ساهمت بشكل مؤثر في صعود حافظ الأسد إلى السلطة، وفي تشكيل سوريا الحديثة، حيث كانت القوات الجوية في بداية الخمسينات تفضل أن ترسل طياريها للتدريب في مصر وبريطانيا العظمى، وأحياناً في إيطاليا. تدّرب حافظ الأسط ستة أشهر على الطيران بطائرة “غلوستر ميتيور” في دورة تدريبية استمرت ستة أشهر في القاعدة الجوية في بلبيس تحت قيادة الكابتن محمد حسني مبارك، الذي تولى رئاسة مصر بعد ذلك.

وكان أول ما فعلته مصر في اتحادها مع سوريا، استدعاءها الطائرات الحربية السورية إلى القاهرة، وعاد حافظ الأسد من التدريب في العام 1958 ليجد سوريا ومصر واليمن متحدة، تحت سيطرة المشير عبد الحكيم عامر، لقد صادرت مصر جميع الطائرات السورية وحوالي 20 جهاز رادار، ولكنه بدلا من أن يؤدّي دوره كطيار منضبط في جيش تحت لواء المشير عامر، انضم إلى صلاح جديد ومحمد عمران من قادة سلاح الطيران السوري، وشكلوا لجنة عسكرية سرية لإنهاء الاتحاد بين مصر وسوريا، وتأسيس دولة سورية موحدة، حتى انفصلت سوريا عن مصر في العام 1961.

مهنة الطيران ساهمت بشكل مؤثر في صعود حافظ الأسد إلى الحكم وتشكيل سوريا الحديثة

يقول موقع “بول” المتخصص في عرض الكتب إنّ فترة حرب العام 1956، كانت مجهولة في القاهرة، حيث تعثرت في الخطوط الحمراء التي أبرزتها إسرائيل والغرب، ما دفع الحرب إلى ذروتها. الكتاب بحسب الموقع يبرز هذه الحرب باعتبارها معركة من أجل بقاء سلاح الطيران المصري، وقد حولت البلاد إلى الاتحاد السوفياتي. وإن كانت مصر تستطيع مواجهة إسرائيل إلا أنها كانت عاجزة عن مواجهة القوة العسكرية لبريطانيا وفرنسا، حيث تسببت الغارات الجوية المستمرة على القواعد الجوية المصرية في أضرار جسيمة، ولكن القوات الجوية المصرية استطاعت البقاء، ليس ذلك فحسب، ولكنها تعافت بسرعة.

وهذه الرواية التي يتبناها الكتاب تقف أمام الرواية الشائعة القائلة إنّ القتال كان على اكتساب مساحة على الأرض والهواء والبحر في سيناء.

الكتاب غني بالصور الفوتوغرافية والخرائط الموضحة التي لم تنشر من قبل.

كتاب “أجنحة فوق سيناء..”، يقع في 112 صفحة، وينتمي إلى سلسلة “ميديل إيست آت وور”، التي اهتمت بالنزاعات العسكرية في الشرق الأوسط. ونرى في صورة الغلاف البني اللون، الشبيه برمال الصحراء، صورة بالأبيض والأسود تحتل بؤرته، وتظهر ثلاث طائرات تحلق في السماء، وتحتها أراضٍ زراعية ومبانٍ، وخلفها على امتداد الأفق الأهرام الثلاثة. ويعكس الغلاف وجهة نظر توم كوبر أن تاريخ الطيران العسكري شكل المناخ السياسي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق