ثقافة

أيتها التلفزيونات… الجمهور مش عايز كده

 السخافة التي تعرضها غالبية التلفزيونات المحلّية والعربية راهناً – مع احترامنا لبعضها المغاير- ليست ناجمة عن رغبة الجمهور. كلا، “الجمهور مش عايز كده”، بل إنّ الشاشات هذه تفرض على الجمهور ما تعرضه، وتدفعه شيئاً فشيئاً إلى الأسفل. هكذا، بدلاً من مساعدته على النهوض والارتقاء، تجعله أكثر انخفاضاً وانحطاطاً مع مرور الوقت، عبر ترسيخ الرداءة البصرية والسمعية وتكريس الهبوط. هناك موجة تهريجٍ عارمة يُستخفّ فيها بالمُشاهد وميوله ومستواه وتطلّعاته، ويتمّ الجنوح نحو مضمون هزيل عموماً، يَستبعد أو يحذف الثقافة والعمق قدر الإمكان، ويرتكز على التنميط والنمذجة والقولبة، عبر الترفيه السطحي والاستعراض، وبعض المسلسلات التي تتفاوت مستوياتها، والبرامج الاجتماعية التي تغذّي الانتماء إلى القطيع أو العكس تماماً لكن من دون معنى جليّ، وما يُتلاهى به…

من جهةٍ أخرى في السياق عينه، الدعاية تسود وتسيطر وتُسيِّر بشكلٍ خطير. في الغرب عموماً الأمور ليست أفضل على هذا الصعيد. إنّها صناعة ضخمة تمتدّ من خلال الإعلام والعديد من النُّظُم التي يتمّ التواصل عبرها مع الرأي العام، وتهدف إلى السيطرة على العقل الجمعيّ للمجتمع.

لقد أصبح من السهل اكتناه أنّ ما تعرضه تلك القنوات يفضي، بصورةٍ عامّة، إلى البلادة الذهنية.

عن مدى رضا المتابعين ههنا، والعديد من الوجوه النخبويّة والمهتمّين، عمّا يُعرض في الآونة الأخيرة، وعن آرائهم الشيّقة وتقييمهم، سأل “بوسطجي”.

بأسلوبها المتدثّر بالسخرية المرّة تتناول الموضوع الشاعرة اللبنانية إنعام الفقيه: “للبيع شاشة تلفزيون بحالةٍ جيّدة جدّاً، عمرها أكثر من ثلاث سنوات! قد يندرج كلامي في خانة الفكاهة لكنّه معبّرٌ جدّاً ويختصر موقفي من الإعلام المرئي وما يُعرض على شاشات التلفزة. منذ ثلاث سنوات وأكثر، الوقت الذي استغرقتْه متابعتي البرامج على الشاشات لا يتجاوز ثلاث ساعات؛ ثلثها إعلانات تجارية رخيصة تفتقر إلى الابتكار. ينطبق ذلك على البرامج أيضاً ونشرات الأخبار، حيث يتم التسابق لبث السموم الطائفية والمذهبية والحقن السياسي بعيداً عن الموضوعية وبحجّة حرّية الرأي والتعبير! هناك حالة إفلاس إعلامي. بشكلٍ أو بآخر، يعبّر الإعلام عن الواقع المتهرئ والفساد المستشري… ويخضع الإعلام لمبدأ السوق من عرضٍ وطلب، إلى الدوران مع المراوح الهوائية لأمزجة أصحاب الهبات، والجهات، والأحزاب… إنّ كلّ هذا الضجيج الإعلامي و”المطبخي” والتنجيمي والاستعراضي والتجميلي المبتذل يمكن أن يُختصر بمحطّةٍ تلفزيونية محلّية واحدة… إنّها مرحلة سيئة ولا بد أن يعقبها التغيير الذي لا يزال قيد التشكّل، ولا بدّ أن يكون للإعلام ذلك الدور الريادي لأنّه سيبقى دائماً من أدوات التغيير الديمقراطي نحو مستقبل أفضل”.

أمّا فاطمة حجازي، فتقول لـ”بوسطجي” إنّ “الأدبَ والفنّ (المسرح، الرسم، الموسيقى…) انعكاسٌ للذوق والمستوى الفكري في أيّ مجتمع. الإنتاج الأدبي والفنّي لا يمكن فصله عن الإنتاج التلفزيوني بدليل أنّ مستوى البرامج التلفزيونية في القرن الماضي كان يعبّر عن الذوق والمستوى الفكري للمجتمع… وعلى سبيل المثال فإنّ برامج صناعة النجوم في السبعينيّات كانت تركّز على الصوت أكثر من الصورة. بالإضافة إلى التنافس الكبير الذي كان يشهده المجتمع على الأعمال المسرحية والفنّية والتلفزيونية. لذلك كان على محطّات التلفزيون (رغم عددها القليل) أن تتنافس مع المسارح في استقطاب المُشاهد (المتلقّي) وليس في ما بينها، لذلك كان عليها السعي إلى الأفضل في كلّ البرامج. أما الآن، ومع اشتداد التنافس بين القنوات وتراجع حصّتها السوقية بسبب وسائل التواصل الاجتماعي وقدرة المشاهد على متابعة القنوات العالميّة… أصبحت القنوات تعتمد على “الرايتنغ” rating من أجل جذب الاستثمارات والإعلانات، ولا يمكن التوفيق بين المال والمستوى لأن الابتذال يجذب المال في المجتمعات الاستهلاكية. أمّا من ناحية أخرى، فلا يمكن تحييد موضوع اقتصادي هام وهو شكل المجتمعات… فالمجتمعات المنتجة اقتصادياً هي أيضاً مجتمعات منتجة فنّياً و فكريّاً. أمّا المجتمعات الاستهلاكية كما حال مجتمعنا، فالابتذال والتنافس يسودان فيها. في مجتمعنا المرأة قد تمّ تسليعها وأصبحت أداة في البرامج الهابطة التي تهتمّ بالشكل أوّلاً مع مضمون خاوٍ. للأسف في زمن أصبح فيه الإعلام يصل إلى كلّ فرد لم يحدث تغيير إيجابي إنّما قاد ذلك نحو خضوع الإنسان للشكليّات ورأس المال. أمّا عدم اهتمام الدولة بهذا الموضوع، فبديهي القول على هذا الصعيد إنّ الخواء الإعلامي يخدم الطبقة الحاكمة إذ إنّ الخواء لا يُنتج أيّ تغيير في المجتمع. ربما سنشهد هبوطاً أكثر في السنوات المقبلة”.

الناشط سليم يونس يعدّ الهبوط المهني واﻷخلاقي سمة البرامج التلفزيونية. التسطيح المتعمد – يقول-  ينبع من سياسةٍ واحدة هدفها إرضاء المعلن بأيّ طريقة.

“عدم الاستعانة بالخبرات اﻹعلامية المتسلّحة بالموهبة والاحتراف قادنا نحو المستنقع، ولا يحملنا على العجب منها إنْ تقيّأت تلك القنوات التلفزيونية كلّ هذه الترّهات التي تطلَق كقنابل دخانية تعمي اﻷبصار عن بناء فكر ناضج ومتمكّن… هناك استسهالٌ، وسير نحو الهاوية، واعتمادٌ على الشكل بدلاً من المضمون، وأذواق مشوّهة تفرَض على المشاهدين! لا بدّ من صحوةٍ وإعادة نظر في كلّ ما تنتجه تلك المحطّات من برامج، وينبغي أن تتدخّل الوزارت المعنيّة لتصويب تلك المهزلة وإلاّ ستتّجه اﻷمور نحو المزيد من السوداوية…”.

فئات واسعة لا يُستهان بأهمّيّتها وفعاليّتها تتذمّر من الخفّة والأوضاع السيّئة هذه بصوتٍ مدوٍّ له صدى… فمتى يقرّر المعنيّون أن يسمعوا… ومتى يبدأ التغيير؟

 هالة نهرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق