مانشيت

إطلالة الحريري لا تبدد التكهنات بشأن وضعه داخل السعودية

مع دخول الأزمة السياسية المستجدة في لبنان أسبوعها الثاني، لا يزال الضباب يحيط بظروف رئيس الحكومة سعد الحريري، برغم حديثه التلفزيوني “المباشر” إلى قناة “المستقبل” من منزله في الرياض، مساء أمس، ومحاولته ربط استقالته بالمخاطر التي تتهدد البلاد، والتي أرجعها الى “التدخلات الإيرانية” في الشؤون العربية، ومحاولة جر لبنان إلى صراعات إقليمية، خلافاً لمبدأ “النأي بالنفس” المعتمد منذ سنوات.

وبرغم ما أحدثته الإطلالة التلفزيونية للحريري من ارتياح في الشارع “المستقبلي”، ولا سيما بعد تأكيده أن عودته إلى لبنان هي “مسألة أيام”، إلا أنها لم تبدد الشكوك بشأن حقيقة وضعه في السعودية، خصوصاً بعد إصرار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على تكرار موقفه القائل بأنّ مواقف رئيس الحكومة لا يمكن الاعتداد في ظل الغموض الذي يكتنف ظروف إقامته – أو احتجازه المفترض – من قبل السلطات السعودية، مضافاً إليها إشارة أكثر وضوحاً بأن وضعه وصل درجة “الحد من حريته” و”فرض شروط على إقامته”.

وفي العموم، فإنّ الإطلالة التلفزيونية للحريري أثارت الكثير من التساؤلات، التي ترافقت مع ملاحظات شكلية، تناول بعضها لغة جسد رئيس الحكومة الذي بدا هادئاً، وإنما مرتبكاً بعض الشيء، شأن الإخراج التلفزيوني للمقابلة نفسها، التي أشاعت بعض مظاهرها تكهنات، قد تكون صحيحة أو خاطئة، بأنّ أجواءها لم تكن طبيعية، برغم محاولة الإعلامية بولا يعقوبيان التقليل من أهميتها، من خلال إرجاع ظهور شخص على الأقل داخل “الكادر” إلى أسباب لوجستية، وتشديدها أكثر من مرّة على الطابع “المباشر” للحوار.

وأما الملاحظات السياسية على مضمون مواقف الحريري، فلم تشذ عن أجواء التشكيك، لا سيما أن سقفها، تجاه إيران أو “حزب الله” بدا منخفضاً عن خطاب الاستقالة الذي تلاه الحريري السبت الماضي، من الرياض، والذي قالت بعض المصادر أن الجهات السعودية أملته عليه، وهو ما سعى الحريري إلى نفيه، بالإشارة إلى أن المواقف التي يمكن أن تصدر في بيان، تختلف كلياً عن تلك التي يمكن أن تصدر في حوار صحافي.
ومن جهة ثانية، فقد أثارت بعض التصريحات التي أدلى بها الحريري، في المقابلة التلفزيونية، تكهنات إضافية، لا سيما بعد حديث عن المخاطر الأمنية التي تتهدد أمنه وعائلته، من جهة، وإشارته إلى أن ثمة “أسراراً” مرتبطة بالاستقالة، لن يفصح عنها إلا لرئيس الجمهورية.

وبشكل عام، فإنّ الحريري سعى، بالأمس، إلى إشاعة أجواء هادئة، في خضم الصدمة السائدة في لبنان منذ أسبوع، لا سيما في تأكيده أكثر من مرّة على أن عودته إلى لبنان قريبة، وفي ربطة الاستقالة بحوار وطني، يعيد الاعتبار لمبدأ “النأي بالنفس”، الذي يشكو المعارضون لـ”حزب الله” خرقه من قبل “حزب الله”، أو حتى رئيس الجمهورية، وأيضاً في تشديده على حماية التسوية التي قادت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية

وبانتظار أن تسهم عودة الحريري، وعائلته، إلى لبنان في قطع الشك باليقين إزاء وضعه داخل السعودية، يتوقع أن تشهد الأيام المقبلة حراكاً متعدد المستويات لإيجاد مخارج سياسية، لا يبد أنها ستكون سهلة، بالنظر إلى تنامي حالة الاستقطاب الإقليمية، والمحاولات السعودية لصب الزيت على النار، ولا سيما بعد الدعوة إلى اجتماع استثنائي لوزراء خارجية الجامعة العربية في القاهرة، لمناقشة الوضع في لبنان، وما يدور حوله.

وفي مقابلته، مع الإعلامية بولا يعقوبيان، قال الحريري إن”استقالتي جاءت بعد أن حاورتُ وتحدثتُ مع الجميع حول المخاطر التي تهدد لبنان، من عقوبات أميركية وعربية”.

وأضاف “أنا فخور بالتسوية التي قمت بها واتمنى لها النجاح”، في اشارة الى مبادرته التي قادت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية قبل عام، ولكنه شدد على أنه “لكي تنجح (هذه التسوية) علينا أن نلتزم النأي بالنفس”، عن الصراعات الاقليمية.

وتساءل “هل من المنطق أن نتحمل كلبنانيين وزر ممارسات “حزب الله “في المنطقة؟”، مؤكداً أنه ليس ضد “حزب الله”، ولكن “ذلك لا يعني أن يخرب هذا الحزب لبنان”.
وأشار الحريري إلى أن “هناك تهديداً أمنياً لي شخصياً وللبلد، ولكن أنا لا أكترث الا للبلد واستمراره”.

وأضاف “لست ممن يتحدثون عن الاستقالة بهدف الابتزاز، وأنا من كتب بيان الاستقالة، وهدفي كان خلق صدمة ايجابية لكي ندرك الخطر الذي وصلنا له”.

وأشار الحريري إلى أن “الكل يعلم طبيعة علاقتي بالملوك (السعوديين) الراحلين، وعلاقتي بالملك سلمان، الذي يعتبرني كإبنه، والأمير محمد بن سلمان الذي يكن لي وأكن له كل الاحترام”.

وتابع “أنا عائد إلى لبنان قريباً جداً، وسأقوم بكل المتطلبات الدستورية لتقديم استقالتي”، مضيفا “لم يزل الخطر الأمني عليٌ قائماً، والأطراف التي تهدد أمني هي النظام السوري، والجماعات المسلحة المتطرفة الأخرى، كداعش والنصرة”.

ورداً على ما يتردد عن احتجاز حريته في السعودية، قال الحريري “أنا حر بتحركاتي في المملكة، ويمكنني أن أسافر إلى أي مكان، ولكن عليكم أن تسمحوا لي أن أضمن أمني وبعد ذلك سأعود إلى لبنان والمسألة مسألة أيام”.

واشار الحريري الى أن “ثمة اسراراً غير معلنة بشأن سبب استقالتي وسأفصح عنها للرئيس عون عند عودتي الى لبنان”.
وأضاف “أشكر كل لبناني طالب بعودة سعد الحريري، ولذلك سأعود قريباً جداً”.

وشدد الحريري على أن “علينا حماية أمن واستقرار لبنان، وهذا أساس للمملكة (السعودية)، والملك سلمان والأمير محمد بن سلمان، بما في ذلك استقراره السياسي والاقتصادي وديموقراطيته”.

واعتبر أن “المشكلة الحقيقة تكمن في التدخلات الايرانية في شؤون الدول العربية”، مشدداً على أنه “لن يسمح لأحد بأن يجر لبنان إلى حرب لحسابات إقليمية أو وضع لبنان في محور ضد الاخوة العرب”.

وتوجه الحريري الى “حزب الله” بالقول “اننا مع دورهم السياسي ونحن مع الشيعي وكل الطوائف الأخرى، ومصلحتنا في لبنان الوحدة الوطنية ولكن ليس لصالح محور معيّن”.

وحول لقائه بمستشار المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في ايران علي ولايتي، عشية ذهابه الى السعودية وإعلانه استقالته، وما تردد عن وجود تهديدات إيرانية مباشرة، قال الحريري “لم أتلق أي تهديد من قبل ولايتي ولكني وجهت كلاماً واضحاً له بعدم قبولنا بتدخل إيران في شؤون الدول العربية”.

ورداً على سؤال بشأن خياراته في المرحلة المقبلة، قال الحريري إن “سأعود إلى لبنان وأسلك الطرق الدستورية في الاستقالة، وبعدها سيكون هناك حوار لإنقاذ البلد”، ملمحاً إلى أنه قد يستمر في تصريف الاعمال الى حين اجراء الانتخابات البرلمانية. وأوضح “سأعود لأثبت استقالتي، ومن ثم نبدأ المشاورات، وإذا تراجعت عن الاستقالة، فيجب أن يكون ذلك مشروطاً بسياسة النأي بالنفس” عن الصراعات الاقليمية.

وحول تزامن استقالته مع الإجراءات التي طالت امراء ورجال اعمال سعوديين متهمين بالفساد في السعودية، قال الحريري إن “هذا شأن داخلي”، لافتاً إلى أن التزامن “مجرد صدفة”، ونافياً أن تكون له أية صلة في ما يجري من تحقيقات.

وربط الحريري بين الموقف التصعيدي من جانب السعودية ضد “حزب الله” بالحرب في اليمن، ذلك بعد “تدخله” في هذه الحرب، لافتاً إلى أن أسباب الخلاف كانت في السابق سياسية ولكن هناك اليوم “عنصراً أمنياً”، معتبراً أن “مصلحة حزب الله هي المحافظة على لبنان والتخلي عن بعض المواقف التي تضر بمصلحة هذا البلد، وهذا حق لنا ولأولادنا”.

في غضون ذلك، برز موقف ملفت للانتباه من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي أصدر أول إشارة صريحة بشأن وضع رئيس الحكومة اللبنانية،إذ أشار بيان صادر عن رئاسة الجمهورية إلى “التأكيد على مضمون البيان الذي صدر أمس عن مكتب الاعلام في الرئاسة حول الظروف الغامضة والملتبسة التي يعيش فيها الرئيس سعد الحريري في الرياض منذ يوم السبت الماضي، والتي اشار اليها ايضاً عدد من رؤساء الدول الذين تناولوا هذا الموضوع خلال الايام الماضية”.

واعتبر عون أن “هذه الظروف وصلت الى درجة الحد من حرية الرئيس الحريري وفرض شروط على اقامته وعلى التواصل معه حتى من افراد عائلته”.

وجدد عون التأكيد على أن “هذه المعطيات تجعل كل ما صدر وسيصدر عن الرئيس الحريري من مواقف او ما سينسب اليه، موضع شكّ وإلتباس ولا يمكن الركون اليه، او اعتبارها مواقف صادرة بملء ارادة رئيس الحكومة”.

وكان الحريري قد سافر، بشكل مفاجئ، إلى السعودية قبل أسبوع، بناء لطلب عاجل من الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان، حيث أعلن من الرياض استقالته، ظهر يوم السبت.

وبرغم ظهوره مرّتين، إلى جانب الملك سلمان، خلال الأسبوع الماضي، وقيامه بزيارة سريعة للإمارات، إلا أن السلطات اللبنانية تشتبه في أن الحريري رهن الإقامة الجبرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق