غير مصنف

إلتون جون وإضاءات

ثقافة وأدب وفن Up to date

كيف أَسْدَلْتُم الغيم على ضفّتَيْ يدي (؟) تكاثف حتّى حمل يمامُ العالَم النهرَ…

مهرجانات جبيل (بيبلوس) الدولية” تتيح للمشاهدين اللبنانيين والعرب الاطّلاع عن قرب على العروض الموسيقية والفنّية اللبنانية والعالمية، والاستمتاع بالرحلة في زمانها وفضائها الأخّاذ…

بعد وجوه لامعة وهامات وقامات اعتلت خشبة المسرح الأصيل هذا، تُقدّم للجمهور لجنة المهرجانات هذه النجم العالمي إلتون جون في أمسية تاريخية فنية استثنائية، في 10 كانون الأول 2017، في مسرح “فوروم دو بيروت” Forum De Beyrouth .

إلتون جون مغنٍّ، مؤدٍّ، مؤلّف، وعازف بيانو إنكليزي شهير، محبّب إلى النفوس، مخضرم، راقٍ، جريء، يميل غالباً إلى البوب كما الروك، يجترح ألحاناً تنحفر في الذاكرة…

حضوره حَسُنَ وجَمُلَ وظرُف، لا سيما مع اتّساع هالته واكتنازها، مع كاريزما بيّنة وسطوة برّاقة. حفلة من العمر يحييها، وجبيل بمهرجاناتها قد تلألأت وأضاءت وجادت هذا العام عموماً.

ثروة:

هناك ضرورة وحاجة ملحّة للالتفات الآن إلى الكنز الفنّي الذي جهله كثيرون محلّياً وعربياً: التراث!

الجمالية في التراث الموسيقي المشرقي- العربي الفنّي تتراءى لنا عموماً في دينامية هذا التراث، وطواعيّته، وتعارُضاته وتالياً جدليّته، وفي ذلك الخلوّ المذهل (الفسحة/الكوّة) الذي لا يُسَدُّ كلّياً ولا يُشبَع أو يُتمَّم مهما حاولنا أن نملأه. لذلك يوفّر التراث شروط تطوّره من داخله عبر هذا المنفذ المشرَّع على جماليّات لا تنضب وغير مكتشفة بعد، علماً بأنّ إعادة إحياء التراث اليوم، التي تمثّل مهمّةً ملحّة وسامية، يستحيل أن تقود وحدها، في القرن الحادي والعشرين، نحو نهضةٍ موسيقيةٍ عربية.

في مقالاتي ونصوصي وكتابي “إضاءات موسيقية وفنية” الصادر عن “دار الفارابي” أشرتُ إلى ذلك مثلما حدّثتُ عن الحاضر في انعطافاته.

وجوباً، حتماً:

التثقيف الموسيقي والفنّي والأدبي في غاية الأهمّية، لا سيما في مجتمعاتنا في هذه المرحلة تحديداً، “المزدانة” بالهبوط الضمنيّ والجمال الشكليّ، حيث الظاهر والمظهر في روعةٍ تنتشر من المحيط إلى الخليج، وأما الجوهر عموماً، ففارغ في غالبية الأحوال، وينمّ عن تخلُّف حقيقي… وعلى رأي المثل الشعبي: “من بَرّا هالله هالله ومن جُوَّا يعلم الله”!

للفن والثقافة قدرة على الترقية والرفع إلى القمّة بعد الحضيض.

عن الشعر والموسيقى:

الشعر أسمى مراتب الأدب وبالتالي اللغة. للّغة بنية دماغية عند الإنسان كما يقول نعوم تشومسكي. الموسيقى هي اللغة الأكثر تجريداً، تُجسّد روح الأشياء الحميمة، روح العالم. أقول إنّ الموسيقى نبض الوجود. أرتور شوبنهاور يعدّ الموسيقى جوهر الإرادة. يتميّز النغم أي الصوت الموسيقي عن أيّ صوت ضاجّ أو عبثيّ طافٍ أو تائه بانتظامه. خصائص الأصوات الموسيقية هي المدّة، والارتفاع، والشِّدّة (مدى القوّة)، والجَرْس أي لون الصوت. الموسيقى فنّ يجري في الزمن وفي فضاء ومدى. معاني اللغة الموسيقية كامنة في ثنايا النسق والمسار النظامي لهذه الموسيقى أو تلك إذا تناولناها في حالها الصرفة لفهمها من زاوية السيمياء الذاتية. تُحرّر الموسيقى اللغة الكلامية من ثقلها، كما توضح الإستطيقا. أمّا الشعر، فهو فنّ المجاز والمجاز يبدّل ويحوّل ويبتدع. الشعر حاجة وضرورة للاستمرار طبيعيّاً، للبقاء وجوديّاً. لأنّ نظامنا التصوّري اليومي من طبيعة استعارية، لا في اللغة والفكر فحسب بل أيضاً في التصرّف، كما اكتشف جورج لاكوف ومارك جونسون، فإنّ الشعر سيبقى بخير. الذين أعلنوا نقدياً وكتابةً نهاية زمن القصيدة في العالم العربي وانتقلوا إلى الرواية هم بلا وعي، كلامهم أجوف ضمن الدارج الفارغ والمنحطّ برهة، مع احترامي للرواية في ذاتها وبعض الروائيين.

متاهة واكتناه:

كأنّ الحزن بوّابة من بوّابات هذا الشرق. كأنّ بعضنا بات يحترف الحزن رغم ميلنا العارم ضمناً إلى الفرح وحب الحياة. هل الحزن “من سمات العبقرية” أم أنّه مراصد الثمرات المتبقّعة؟ لا أعرف لكن من المؤكّد أنّ الإنسان الحقيقي والطبيعي يحزن بين حين وآخر، برهة. الكتابة والفن محاولة للانتصار على الألم والحزن، محاولة لإعادة صوغ الواقع والعالم، للانتصار للذات الإنسانية.

سيكون علينا أن نبتدع واحة رغم وجود المستنقع، ونلتمس شموساً وأقماراً موغلة في دمع الرؤى، أن نرتدي أجنحة الفكر والكلام.

يا إله الغواية أنا أجمل منك

وكلّي خَفَرٌ

تأتيني بلمح اللهفة الغامقة

تتأجّج على حين غرّة

أعتى الهمزات أنت

والرغبة الغامضة مقدّسةٌ، تتكشّف لخشوع المتعبّد

سرابك مؤقّت ريثما ألتفت إليك فيتغيّر كلّ شيء فيك

هكذا تصير معنًى لوضوحٍ آخر

به تتبعني حتى النهاية

(من قصائد هالة نهرا)

 

هالة نهرا

ناقدة موسيقية وفنية وكاتبة وشاعرة من لبنان

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق