مجلة الكترونية عربية مستقلة

إيران تعلن هزيمة “الفتنة”… ماذا بعد؟

اعلن الحرس الثوري الإيراني “هزيمة” ما وصفه بـ”الفتنة”، في إشارة إلى الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران، خلال الايام الماضية، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أن الجمهورية الاسلامية تجاوزت ازمتها.

بعد أقلّ من أسبوع على اندلاع التظاهرات الشعبية في مدن إيران ، أعلن الحرس الثوري، يوم أمس، على لسان قائده اللواء محمد علي جعفري، “هزيمة” ما وُصف بـ”فتنة 2017″.

هذا الإعلان عززته المعطيات على أرض الواقع، مع مرور ليلتين هادئتين على المدن الإيرانية، اخترقت إحداهما بضعة احتجاجات محدودة.

ومع ذلك، فإنّ استمرار حالة الغضب الشعبي إزاء السياسات الاقتصادية لحكومة الرئيس حسن روحاني، تشي، من الناحية النظرية، باحتمال تجدد الاحتجاجات مرّة أخرى، ما لم تقم السلطات باحتواء الموقف عبر إجراءات حاسمة وسريعة، تزاوج بين اعادة الثقة في العلاقة مع الفئات الشعبية الأكثر فقراً من جهة، وبين إحباط محاولات استغلال الحراك الشعبي من قبل أطراف خارجية، من جهة أخرى.

مما لا شك فيه، أن مجريات الحراك الشعبي المعارض، الذي يعدّ الأكبر منذ ما سمي بـ”الثورة الخضراء” في العام 2009، قد خالفت توقعات/آمال الجهات الخارجية، التي راهنت على امكانية تكرار تجارب أخرى في العالم، بما في ذلك الحالة السورية، لإسقاط ما تسمّيه “نظام الملالي”.

ثمة أسباب عدّة، كان من الطبيعي أن تجعل الكثيرين، سواء في الداخل الإيراني أو الخارج، متريّثين في رفع سقف التوقعات إزاء ما يمكن أن تحققه الاحتجاجات الاخيرة.

وفي واقع الأمر، فإنّ الانتكاسة – أو “الهزيمة” بحسب التوصيف الرسمي – لهذا الحراك الشعبي، تنبع قبل أي شيء، من انحراف مسار الاحتجاجات عن المطالب الرئيسية، التي تدور حول العنوان الاقتصادي-الاجتماعي، باتجاه أهداف وشعارات تمس بجوهر النظام السياسي القائم في البلاد، والذي يجمع الحكم الإسلامي والنظام الجمهوري.

علاوة على ذلك، فإنّ أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، والتي اتخذت أشكالاً عدّة، تراوحت بين مهاجمة تجمعات لقوات الأمن والمصارف والمؤسسات العامة، قد جعلت كافة النخب السياسية في إيران تتبرأ منها، برغم إقرارها بأحقية المطالب الاقتصادية – الاجتماعية التي يرفعها المتحجون.

وعلى هذا الأساس، فإنّ هذا الحراك الشعبي فقد إمكانية إيجاد حاضنة سياسية له، ما جعل التوقعات بشأنه، تقل بكثير عن حراك العام 2009، حين كانت للمتظاهرين مرجعيات داخلية معروفة، على غرار مير حسين موسوي، المرشّح الإصلاحي الذي خسر أمام الرئيس محمود أحمد نجاد في الانتخابات الرئاسية التي جرت في ذلك العام.

انطلاقاً من ذلك، فإنّ الطابع العنفي للاحتجاجات جعل حتى بعض الجهات الإصلاحية أو المحافظة المعارضة لسياسات الرئيس حسن روحاني حذرة للغاية في تأمين الغطاء لاستمرار التحرّكات في الشارع، كما أنه حال دون توفير حالة تضامن شعبية، في ظل المحاذير المرتبطة باستقرار الأوضاع الأمنية، علاوة على توفيره ذريعة أكبر لقوات الأمن الإيرانية، لتشديد قبضتها أكثر فأكثر، خصوصاً بعد سقوط قتلى في صفوفها بحسب ما أفادت تقارير إعلامية محلّية.

ومع ذلك، فإنّ الحراك الحالي لن يمر دون أن يترك تداعياته على توازن القوى السياسية داخل إيران، في ظل استمرار الصراع بين الجاحين الكبيرين في النخبة الحاكمة، والذي يتخذ مساراً تصاعدياً، منذ انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي انتهت بفوز حسن روحاني بولاية ثاثية.



ولا يخفى على أحد، أن الحراك الشعبي الأخير كان مرتبطاً بتلك الصراعات الداخلية، التي بلغت ذروتها قبل أسابيع قليلة، حتى أن البعض أنحى باللائمة على شخصيات بارزة في النخبة الحاكمة في إيران، ومن بينها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي اتُهم بصب الزيت على نيران الشارع المشتعلة تحت رماد المشاكل الاقتصادية – الاجتماعية المتفاقمة.

لكنّ تطوّر الأحداث فرض أجندة موحدة على كافة أجنحة النظام في الجمهورية الإسلامية، وهو ما تبدّى في الإرباك والتناقض في المواقف داخل المعسكرين المحافظ والإصلاحي معاً.

تلك الأجندة الموحدة كان لها تأثير  واضح حتى على ما يسمّى بـ”الحركة الخضراء”، وهي الإطار الجامع للشخصيات الأكثر إصلاحية، التي التفت في السابق حول مير حسين موسوي، والتي يبدو أنها استخلصت دروس العام 2009، وباتت خياراتها مقتصرة على التحرك ضمن العملية السياسية، التي ترسم تفاصيلها مؤسسات الدولة الإيرانية، وفق توجيهات المرشد الأعلى علي خامنئي.

تطوّر الأحداث فرض أجندة موحدة على كافة أجنحة النظام

انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم تنديد الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي بالعنف الذي رافق التظاهرات، مع العلم بأن الأخير محظور عليه أن يشارك في أية أنشطة عامة، أو حتى ظهور أعلامي، منذ أحداث العام 2009.

ولعلّ البيان الذي أصدرته مجموعة الإصلاحيين، يوم الثلاثاء الماضي، يحوي في لهجته ومفرداته، الكثير من الرسائل بشأن الخيارات السياسية لتلك النخبة الاصلاحية، التي اعتبرت أن “مثيري الاضطرابات استغلوا التجمعات والاحتجاجات السلمية لتدمير الممتلكات العامة واهانة القيم الدينية والوطنية المقدسة”، مشيرة إلى أن “اعداء الشعب الايراني اللدودين وفي مقدمهم الولايات المتحدة وعملاؤها، يدعمون ويشجعون مثيري الاضطرابات والاعمال العنيفة، ما يثبت الخداع الكبير لأولئك الذين يدعون الدفاع عن الديموقراطية والشعب الايراني”.

كل ما سبق يفسر عدم وجود قيادة موحّدة أو واضحة للاحتجاجات الأخيرة، وهو عامل من عوامل اخماد الحراك الأخير، وإن كان البعض يرى في ذلك تطوّراً مثيراً للقلق، خصوصاً في ظل تنامي حالة الغضب الاجتماعي، على نحو ينذر باحتمال أن يخيم على المشهد الاحتجاجي، في حال تجدّد بشكل أو بآخر، محتجون أكثر تطرفاً، وغير مقيّدين بأجندة سياسية أو انضباطية من قبل شخصيات سياسية  تحسن إدارة المعركة ضد النظام الحالي، وقادرة في الوقت ذاته على عدم الزج بالبلاد في أتون حرب أهلية.

وبالرغم من أن السيناريوهات الأكثر تطرّفاً تتلاشى، مع تشديد القبضة الأمنية في المدن التي شهدت تظاهرات، أو حتى في المدن والبلدات التي ظلت هادئة نسبياً، إلا أن احتمالاتها تبقى قائمة في حال استمرت الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية في التدهور.

وانطلاقاً من ذلك، فإنّ الكرة تبدو اليوم في ملعب الرئيس حسن روحاني، الذي ربما تجعله الأزمة الأخيرة الكاسب الأكبر، بقدر ما يمكنها أن تجعله الخاسر الأكبر، في الصراع الدائر في صفوف النخبة الحاكمة.

ومما لا شك فيه أن اخماد التحركات الشعبية العنفية جعلت روحاني يتجاوز كابوس “أزمة الشرعية” التي كان يمكن أن يواجهها فيما لو تجاوز هذا الحراك المفاجئ الخطوط الحمراء.

وبالرغم من أن الهدوء الذي حل على إيران، خلال اليومين الماضيين، قد جعل روحاني يخرج من الأزمة بصورة المدير الكفؤ للأزمات، إلا أن إعلان “هزيمة الفتنة” من قبل قائد الحرس الثوري بالذات، يعني من الناحية العملية أن الجناح المحافظ لا يريد أن يجعل من تدخله لوأد الاحتجاجات شيكاً على بياض بإسم الرئيس الإصلاحي.

روحاني قد يكون الرابح الأكبر أو الخاسر الأكبر من الاحتجاجات

ومن شأن ذلك أن يفرض على روحاني قواعد اشتباك جديدة في الصراع السياسي الداخلي، تتمحور حول شقين أساسيين:

ويتمثل الشق الأول، في ضرورة الإسراع إلى التعامل بجدية مع المطالب الملحّة على المستوى الاقتصادي – الاجتماعي، على غرار التراجع عن الإجراءات التقشفية المدرجة في الموازنة الأخيرة للدولة، والتي تشمل اقتطاعات للمساعدات الاجتماعية وزيادة اسعار الوقود.

وسيكون روحاني في حاجة إلى إنفاق مزيد من الأموال لخلق فرص عمل، من أجل تهدئة الاستياء الشعبي، في بلد يبلغ المعدّل الرسمي للبطالة فيه نحو 12.5 في المئة (ويتجاوز 23 في المئة في أوساط الشباب)، علاوة على كبح التضخم، الذي يتخطى العشرة في المئة، من خلال دعم سعر صرف الريال.

وعلاوة على ما سبق، فإنّ السياسات الاقتصادية لروحاني لا بد أن تشمل معالجة الفساد المستشري في النظام الاقتصادي، والذي يرى الكثيرون أن محاولات التصدّي له من قبل الرئيس الإصلاحي، هو من بين العناصر الجوهرية للصراع السياسي القائم في ايران منذ مدّة.

هذا العنصر الأخير، يقود إلى الحديث عن الشق الثاني من قواعد الاشتباك، والتي تقوم على مقاربة جديدة للمعركة المفتوحة التي يخوضها روحاني مع مراكز القوى، بما في ذلك الحرس الثوري، والتي تسيطر وفقا لبعض التقديرات على ما يزيد عن 60 في المئة من الأصول في إيران، ولا تدفع ضرائب بشكل عام، ما يضر بالمنافسة في بلد يسعى إلى جذب المستثمرين الأجانب، ويعرقل كل الجهود لخلق الوظائف.

ما سبق سيجعل روحاني مضطراً إلى اتخاذ خطوات سياسية جدّية لتعزيز الثقة مع السيد علي خامنئي، واقناعه بالحاجة إلى ضبط الجهات النافذة غير الخاضعة للمحاسبة، سواء عبر موقف حازم من المرشد الأعلى، أو من خلال تسوية داخلية.

وفي العموم، فإنّ التوقعات بشأن المستقبل تسير في اتجاهات متعددة، بين التشاؤم والتفاؤل. فالمتشائمون يرون أن الازمة الداخلية تواجه معوقات بنيوية، على المستويين الاقتصادي والسياسي، تجعل من الصعب التوصل الى توافق بين النخبة الحاكمة على مقاربة موحّدة للملف الاقتصادي. وأما المتفائلون فيرون أن ما جرى خلال الأيام الماضية قد يكون بمثابة جرس إنذار للإصلاحيين والمحافظين على حدّ سواء، بما يفرض عليهم تقديم تنازلات متبادلة للوصول إلى تسوية داخلية، خصوصاً في ظل التصعيد التدريجي الذي تتخذه إدارة دونالد ترامب، والتي يرجح أن تصوّب على مكامن الضعف في الدولة الإيرانية – الاقتصاد – في ظل فشل الخيارات الأخرى، بما في ذلك التهديد بعدوان عسكري أو العمل على اختراق الجمهورية الاسلامية على طريقة الثورات الملوّنة.


مؤشرات اقتصادية

النمو في الناتج القومي الاجتمالي: 5.7%.
الناتج القومي الفردي: 5879 دولارات.
مستوى التضخم: 13.5 في المئة.
عجز الموازنة: 2 في المئة.
عدد السكان: 82 مليون نسمة.

بعد توليه الحكم في العام 2013، ألغى الرئيس الإيراني حسن روحاني على عجل سياسات سلفه محمود أحمدي نجاد المالية والنقدية التي كانت تتسم بالإسراف ليحد من نظام الإعانات النقدية التي كان يحصل عليها الإيرانيون من أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة.

وخلال الشهر الماضي، تقدم روحاني للبرلمان بمقترح ميزانية منضبطة أخرى للسنة الإيرانية التي تبدأ في 21 آذار/مارس المقبل.
والميزانية التي تبلغ 104 مليارات دولار مرتفعة بنحو ستة في المئة عن خطة ميزانية السنة الحالية.
وأصبح مثل هذا التقشف يثير استياء متزايدا بين الإيرانيين، حيث لا يزال الاقتصاد يواجه صعوبات على الرغم من إنهاء العقوبات. ولا تزال مصارف وشركات أجنبية كثيرة تحجم عن إبرام صفقات مع إيران، لأسباب عدّة، من بينها أن الاتجاه المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال طهران يعرقل التجارة والاستثمار.

ما سبق جعل الازمة الاقتصادية – الاجتماعية تدور حول خمسة عناوين رئيسية هين البطالة وضعف القوة الشرائية والفساد وضعف العملة الريال وعدم المساواة في توزيع الثروة بين المناطق في إيران.

ووفقاً للأرقام الحكومية فنّ مستوى البطالة في البلاد بلغ نحو 12.5 في المئة، وهي تصل إلى اكثر من 23 في المئة للفئة العمرية الشابة، لكن بعض التقديرات غير الرسمية تشير الى ارتفاعها بين الشباب في بعض المناطق إلى 45 في المئة.

كذلك، فقد هبط سعر صرف العملية المحلية من 36000 إلى 42900 ريال مقابل الدولار الأميركي، خلال عام واحد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.