ثقافة

إيفان بونين صاحب “القرية”…حينما يكون الحب موازياً لحركة الطبيعة

تحتفي الأوساط الفنية والثقافية، بالشاعر والأديب الروسي “إيفان بونين”، والذي يحل ذكرى ميلاده اليوم الأحد، حيث أثارت روايته القصيرة “القرية” ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية، وأصبحت بداية شهرته الواسعة في روسيا وخارجها، كما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1933، ويُعد أول كاتب في روسيا يحصل على هذه الجائزة.

ولد إيفان بونين يوم 23 أكتوبر 1870 بمدينة فورونيج، في أسرة نبلاء ينتمي إليها الشاعر فاسيلي جوكوفسكي والشاعرة آنا بونينا.

وقررت أسرته الرحيل عن المدينة والعيش في قرية “بوتيركي”، وهناك استمع إلى حكايات وأغاني الفلاحين، وتشبع بحب الريف الروسي، هذه الفترة التي عاشها في هذا الريف تركت في نفسه الكثير ليكتب عن تلك الفترة قائلا: “إن ذكريات الطفولة ارتبطت منذ أن كنت في سن السابعة بالحقول وبيوت الفلاحين وساكنيها”.

واصل بونين تعليمه لاحقا بصورة مستقلة تحت إشراف شقيقه “يولي” الاستاذ في الجامعة، ثم بدأ العمل فى صحيفة “اورلوفسكي فيستنيك” ونشر فيها قصصه وأشعاره ومقالاته في النقد الأدبي، حيث كانت الكتابة الأدبية مصدر رزقه، تحدث عن قصة حبه الأولى التي لم تكتمل بالزواج رافضا والدها الزواج منها لأنه كان شاعرا فقيرا، وكتب قصة غرامه الأولى في الكتاب الخامس من رواياته بعنوان “حياة ارسينييف” والتي صدرت تحت عنوان “ليكا”.

اتسمت أعماله  النثرية بعد الجولة الذي خاضها من مصر وسوريا وفلسطين بصبغة جديدة تشيع فيها التلاوين الصارخة وكأنها لوحات زيتية، حيث منحته أكاديمية العلوم الروسية جائزة بوشكين الثانية، وترجمت بعض أعماله إلى الروسية، فيما أثارت روايته “القرية” ضجة كبيرة في الأوسلط الأدبية والتى تُعد السبب الحقيقي وراء شهرته الواسعة في روسيا وخارجها، ورسخت هذه الرواية التقاليد الواقعية في الأدب الكلاسيكى الروسي، حتى أصبح ظاهرة أدبية بروسيا.

————————

ايفان بونين و”غرام ميتيا” . … حينما يكون الحب موازياً لحركة الطبيعة

 

انصبت اهتمامات الكاتب والشاعر الروسي ايفان بونين على رصد الوجه الأكثر عمقاً واتساعاً في الحياة، وهو الحب، بكل ما فيه من خصوصية وأحلام وأوهام ومشاعر متقلبة، متغيرة، تمتد الى انفعالات وعواطف طاغية أو متطرفة أحياناً.

ان بونين هو آخر الكتّاب الكلاسيكيين الروس، وأول من فاز منهم بجائزة نوبل عام 1933، بعد أن توالى ترشيحه لها عشر سنوات، واقترن فوزه بها بكتاب “حياة ارسينيف” الذي يمثل سيرة ذاتية للكاتب الذي عاش حياتين مختلفتين، حيث اضطر الى الهجرة وهو في الخمسين من عمره، ليعيش بقية سنواته في فرنسا، من دون ان يتخلى عن الروح الروسية في كتاباته التي ظلت مستمرة بحيوية على مدى ستين عاماً، انتقل خلالها من الشعر الى الرواية، ولكن القصة القصيرة هي الأوفر والأعمق والأكثر جاذبية وانتشاراً، بما تحمله من خصوصية الحياة الروسية. يقول بونين: “حملنا معنا روسيا، وفطرتنا الروسية، وأينما حللنا لا نملك سوى أن نشعر بها…”.

ومع ان بونين كان ينحدر من طبقة النبلاء، إلا أنـه عـانى كثيـراً العـوز والضيـق في روسيا، ثم في فرنسا التي وصل اليها عام 1920، ليعيش فيها محافظاً على تقاليده الروسية. وبعد الاحتلال النازي رفض أن يتعـاون مـع قـوات الاحتلال، واستمر في نشاطه الابداعي الذي لم ينقطع على مدى ستين عاماً، انجز خلالها مجموعة شعرية وروايتي “القرية” و”الوادي القاحل” وكتاباً من وحي اعجابه بتولستوي ولقائه به بعنوان “تحرير تولستوي”، وكتاب “ظلال الطائر” عن رحلاته الى الشرق الأوسط، الى جانب مجموعات من القصص القصيرة والطويلة، أهمها: كأس الحياة – الأشقاء – سيد من سان فرانسيسكو – أحلام تشانغ – قواعد الحب – الابن – وردة أريحا – الحصادون – موسم الخريف – الى آخر العالم…

أما أهم مجموعاته القصصية فهي “الدروب الظليلة” التي تضم أربعاً وثلاثين قصة قصيرة وطويلة، بدأ بكتابتها منذ عام 1937 وانتهى منها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي أول أعماله التي نقلت الى العربية، حيث صدرت في أواخر أيام الاتحاد السوفياتي عن دار “رادوغا” بترجمة عبدالله حبه.

أما قصته الطويلة “غرام ميتيا” ترجمة شوكت يوسف، منشورات: ابداعات عالمية، الكويت فهي قصة الحب الأول، قصة الشاب الريفي ميتيا، الذي كان يقضي فصل الربيع في موسكو منذ أن بدأ دراسته الثانوية، حيث يقيم في بيت الطلبة، وكانت قصة حبه المسحور مع كاتيا تملأ حياته بالمواعيد الدافئة والمشاوير الطويلة، قبل أن تتــسلل الى نفسه مشاعر الغيرة الريفية وتصطدم بالمزاج المنفتح على الآخرين في شخصية كاتيا التي تخــشى أن يكــون الحب قيداً على حريتها:

“أنت يا ميتيا تفهم النساء بمنطق نظام الأسرة العتيق، وفي ذلك تشبه “عطيل” تماماً، وعلى هذا النحو لا يمكن أبداً أن أغرم بك، أو أقبل الزواج بك”.

ولكن ميتيا لا يستطيع أن يخرج من جلده، ويتجاهل مشاعر الغيرة التي تؤرقه، ثم انه يرى ان الغيرة جزء من الحب.

بعد أن تودع كاتيا في محطة القطار حبيبها ميتيا الذي انتهى فصله الدراسي، عاد الحب الى نقطة الصفر، وحمل ميتيا معه ذكريات الحب الى قريته البعـيدة، وراح ينتظر المزيد مـن الرسـائل الـتي وعدت بها كاتيا، ولكن انتظاره كان طويلاً، ولم يستطع أن يتناسى صورة كاتيا ويستبدلها بمغامرات حب ريفي عابـرة، الى أن جاءته رسالة مدعومة من كاتيا، أخيراً، تعتذر فيها عن امكان الاستمرار في هذا الحب، لأن حياتها أخذت مساراً مختلفاً، ولم يجد ميتيا نفسه قادراً على احتمال هذه الحال، فاتخذ قراراً صعباً.

وفي تنويعة أخرى على قصص الحب الريفي، يصل الشاب فيتالي المنحدر من أسرة نبيلة الى بيت خاله في الريف، في قصة “ناتالي” فيلتقي ابنة خاله سونيا، ثم صديقتها الجميلة ناتالي، ولكنه يفقد القدرة على تحديد اتجاهات هواه، بين الاغراءات اليومية المكتومة التــي تديـرها سـونيـا، وبـين جاذبية ناتالي التي يراودها الشـك في صدق نياته.

وبعد أن تنتهي اجازة فيتالي ويعود الى المدينة لم يستطع ان ينسى ناتالي الجميلة التي أحبطت فوافقت على الزواج من شاب كانت ترفضه دائماً، ولكن “الشك” منعها من الاندفاع في حب فيتالي الذي انسحب من دون ان ينسى ألعاب الحب الأول. في حال مختلفة عن الغيرة والشك، نقرأ في “ضربة شمس” قصة حب خاطف، يهبـط فجـأة مـن نظـرة وابتسـامة وكلمـة في محطة للبواخر النهرية فـي نهـر الفولغا، حب يتدفق بسرعـة، يبـلغ ذروتـه في ساعات، ثم لا تسمح له الظروف إلا بالفراق الطوعي، في حال لا تكرر نفسها، ولكنهــا تـترك آثارهــا واضحـة فـي الذاكـرة الى آخر العمر، كما لو كانت ضربة شمس خطرة.

وفي مذكرات المؤلف ما يشير الى ان لهذه القصة أصلاً واقعياً في حياة المؤلف نفسه، أضاف اليها نوعاً من التشويق، ليجعل منها قصة من أقصر قصصه وأكثرها جاذبية. والجاذبية في قصص بونين تأخذ قوتها من المزاوجة بين حركة المشاعر الانسانية وحركة الطبيعة من حولها بكل ما فيها من جمال ورقة ونشوة وقوة وعواصف.

كتب بونين نوعاً من اليوميات حول حياته وكتاباته في أربعينات القرن العشرين، تشير الى ان الكتابة كانت خبز النهار والليل في حياته في المنفى، وكانت حكايات الحب الروسية حاضرة دائماً في ذاكرته وكتاباته وأحلامه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق