سياسة واقتصاد

الجنرال ماكماستر : من حرب الخليج إلى البيت الابيض

سريعاً طويت صفحة مايكل فلين. مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض استقال – أو بعبارة أدق – أُجبر على الاستقالة – على خلفية فضيحة اتصالات “غير قانونية” مع روسيا. بالأمس، عَيّن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصية عسكرية جديدة لهذا المنصب، هو الفتنانت جنرال أتش آر ماكماستر.

من منزله في مارا لاغوا، في ولاية فلوريدا، أعلن دونالد ترامب عن تعيين ماكماستر مستشاراً لشؤون الأمن القومي، واصفاً الجنرال الخمسيني، بأنه “رجل يتمتع بميزات وخبرات رائعة”.

أما ماكماستر، فقال خلال تعريف مقتضب عن نفسه الى الصحافة، وهو يقف الى جانب الرئيس الأميركي: “اتطلع إلى الانضمام الى فريق الأمن القومي، وبذل كل ما في وسعي لتعزيز وحماية مصالح الشعب الاميركي”.

اللفتنانت جنرال هيربرت ريمواند ماكماستر هو خريج الأكاديمية العسكرية في الولايات المتحدة في العام 1984، ثم أصبح باحثاً في التاريخ العسكري، وحصل على درجة الماجيستير في التاريخ من جامعة نورث كارولينا في العام 1994، وقد درس التاريخ في الأكاديمية العسكرية لمدة عامين، قبل أن يحصل على الدكتوراه في التاريخ في العام 1996.

وترتبط السيرة العسكرية للفتنانت جنرال ماكماستر بحرب الخليج، على وجه الخصوص، وذلك من خلال مشاركته في عملية “عاصفة الصحراء” في العام 1991، وفي عزو العراق خلال العام 2003، وما تلاه من أحداث، لمع فيها نجمه، وخصوصاً بعد قيادته العمليات العسكرية الصعبة في مدينة تلعفر في العام 2005، والتي جرت تحت تسمية “مكافحة التمرد”.

وللتذكير فإنّ القوات الأميركية، وبالتعاون مع وحدات في الجيش العراقي، قصفت، خلال تلك العملية الشهيرة، أحياء مدينة تلعفر بشكل عنيف، حيث أفادت تقارير عدّة، في ذلك الحين، باستخدام الجيش الأميركي أسلحة محرّمة دولياً، بما في ذلك صواريخ تحوي غازات سامة، ما تسبب بمقتل مئات المدنيين، وتدمير تسعة مساجد وخمس مدارس، وهدم العشرات من المنازل السكنية.

وإلى جانب مشاركته في عملية “عاصفة الصحراء”، حين قادَ وحدة عسكرية اشتبكت مع الحرس الجمهوري العراقي فى واحدة من أكبر معارك الدبابات منذ الحرب العالمية الثانية، وحصل بسببها على وسام النجمة الفضية؛ ومن ثم في الحرب على العراق في العام 2003، حيث تمّ الاستشهاد به كمثال نموذجي في دليل “مكافحة التمرد” الذي أعده كل من الجنرال متياس والجنرال ديفيد بتراوس؛ تولى ماكماستر إدارة “قوات الشفافية ومكافحة الفساد” في أفغانستان.

لمع نجم الجنرال ماكماستر خلال العملية التي قادها، على رأس قوات الاحتلال الأميركي في مدينة تلعفر العراقية في العام 2005.

بعد ذلك، عاد ماكماستر إلى بغداد في العام 2007، ليكون جزءً مما عرف – بطريقة غير رسمية – باسم “مركزعقول بغداد”، إلى جانب بعض الأكاديميين العسكريين الآخرين، الذين كانت مهمتهم التوصّل إلى منهج جديد في الحرب، ثمّ راح يطبّق منهجه في التفكير العميق في عمله ضمن “مركز الجيش لتكامل القدرات”، الذي أطلقه في 2008. وعمل أيضا قائدا لمركز التميز لمناورات الجيش.

ماكماستر خلال حرب الخليج الاولى
ماكماستر خلال حرب الخليج الاولى

ويُنظر إلى ماكماستر باعتباره أحد مفكري المؤسسة الأمنية الأميركية، وواحداً ممن شنوا انتقادات لاذعة للإدارات الأميركية، منذ أيام حرب فيتنام، التي سبق ان ألّف كتاباً حولها بعنوان “التقصير في الواجب”، وصولاً إلى انتقاده استراتيجية الرئيس جورج بوش الابن في الحرب على العراق، بالإضافة إلى حرب أفغانستان.

وأثنت مراجعة صحيفة “نيويورك تايمز” لكتاب “التقصير في الواجب” على ماكماستر  بسبب “خوضه غمار سجلات جميع اجتماعات قيادة الأركان”، منتهياً إلى أن حرب فيتنام “خسرتها واشنطن … حتى قبل نشر أولى وحدات الجيش”.

وبرغم معارضته الدائمة للإدارات الأميركية، فقد حصل ماكماستر على إشادات دائمة من قبل رؤسائه، ومن بينهم جورج بوش الابن، ووزيرة خارجيته كوندليسا رايس.

وبحسب مجلة “تايم” الأميركية،  التي وضعته ضمن قائمة من مئة شخصية مؤثرة في العالم، فإنّ ماكماستر “قد يكون مفكر الجيش المحارب البارز في القرن الحادي والعشرين”.

برغم معارضته الدائمة للإدارات الاميركية، حصل ماكماستر على إشادات دائمة من قبل رؤسائه.

وقوبل اختيار المستشار الجديد للأمن القومي بالترحاب من جانب السياسيين والمحللين، حيث دعمه الجهوريون الذين يكنّون له الاعجاب، من خلال حملة من وراء الكواليس، لإقناع الرئيس دونالد ترامب بتعينه مستشارا للأمن القومي. وكان وراء تعينه السيناتور طوم كوتون عن ولاية اركنساس، وهو من قدامى المحاربين الذين عملوا تحت امرة ماكماستر. كما دعمه السيناتور جون ماكين عن ولاية اريزونا، الذي أنثى على خيار دونالد ترامب، في استثناء مثير للانتباه لمواقفه المعارضة دوماً لسياسات الرئيس الأميركي.

ماكماستر خلال العمليات العسكرية في تلعفر
ماكماستر خلال العمليات العسكرية في تلعفر

ويتصف مستشار الأمن القومى الجديد بالذكاء الممزوج بروح الدعابة، فضلاً عن خبرة واسعة في الحرب، وعمليات مكافحة الإرهاب، إلا أن لديه خبرة سياسية محدودة.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن ماكماستر لن يتقاعد من الجيش، بل سيظلّ جنرال بثلاث نجوم، مثلما فعل كولي باول، عندما كان مستشاراً للأمن القومي في عهد رونالد ريغن، لكن موقع “بوليتيكو” أشار إلى أنّ احتفاظه برتبته العسكرية يتطلب موافقة الكونغرس، بعكس قرار تعيينه، الذي يبقى من صلاحيات الرئيس الأميركي وحده.

ويرى محللون أن اختيار ماكماستر يمكن أن يُفهم باعتباره خياراً حيادياً، لا يثير كثيراً من المشاكل مع المعارضين. وقد يُفسَّر هذا الاتجاه، نتيجة الضغوط التي تتعرض لها إدارة ترامب، خاصة أن الجنرال الذي عُيّن في هذا المنصب، جاء بديلا لمايكل فلين، المُقال بعد شكوك بعلاقته مع روسيا، بالإضافة إلى أن مرشحاً آخر لهذا المنصب، وهو روبرت هاروارد، قد رفض التولية.

ومع ذلك، فإن هذا الاختيار، يتساير مع التوجه الذي يوطّد ترامب به علاقته مع المؤسسة العسكرية، من خلال إصراره على تعيين أفراد سابقين وحاليين فيها، في مناصب حساسة داخل الإدارة، مع العلم أن العادة جرت على تولية الرؤساء الأميركيين مدنيين لمنصب مستشار الأمن القومي تحديداً.

وعلى عكس مستشار الأمن القومي السابق المستقيل مايكل فلين، فإن ماكماستر لا تربطه أي علاقات مع الرئيس ترامب قبل تعيينه مستشارا له، كما أنه لا يمتلك أيديولوجيا معينة مثل سلفه.

وقالت صحيفة “واشنطن بوست” إن ترامب باختياره ماكماستر، توجه إلى مخطط استراتيجي عسكرى يحظى باحترام كبير ويتمتع بالصراحة الشديدة.

على عكس فلين، لا يرتبط ماكماستر بعلاقات سابقة مع الرئيس ترامب.

ويتولى ماكماستر مهام منصبه فى وقت تشهد فيه واشنطن العديد من التحدّيات، منها مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، واختبارات الصواريخ التي قامت بها كل من إيران وكوريا الشمالية خلال الشهر الحالي، فضلاً عن ملفات أخرى ملتهبة، من بينها محاربة “داعش” في العراق وسوريا، والتطورات الجارية في اليمن.

وقال بيتر فيفير، العالم في العلاقات المدنية العسكرية في جامعة “ديوك”، إنّه يتوقع أن يتبنّى ماكماستر نظرة متشككة إزاء روسيا، خصوصاً أنه ينظر إليها كشريك مشكوك فيه، وتهديداً محتملا بدرجة كبيرة للولايات المتحدة. ويتوقع أيضا أن يتعامل المستشار الجديد بشك مماثل تجاه إيران التي يرى كثير من كبار الضباط العسكريين الأميركيين إن دعمها لوكلائها عبر الشرق الأوسط لم يكن له رادع، برغم الاتفاق النووي.

أما الجنرال المتقاعد ديفيد بارنو، الذي يعرف ماكماستر جيداً، فرأى أن الأخير سيحقق تفاهماً شخصياً عميقاً لما يعنيه الذهاب إلى الحرب، لا بل خوض الحرب لوقت طويل للغاية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق