سياسة واقتصاد

استفتاء بريطانيا… بين نصيحة “سكرتير الوزير” و”أثر الدومينو”

في آذار العام 1980، عرض تلفزيون “هيئة الإذاعة البرطانية” حلقة من المسلسل الكوميدي الشهير في تلك الأيام “Yes, Minister” بعنوان “Writing on the wall”، تضمنت مشهداً يكاد يلخص ما جرى في بريطانيا الأسبوع الماضي.

في هذا المشهد، يدور حوار بين الوزير وسكرتيره السير همفري آبلباي، الذي قدّم، برؤية ساخرة، مقاربة بريطانية مثيرة للاهتمام حول العلاقات بين المملكة المتحدة بأوروبا:

  • السير آبلباي: سيدي الوزير، لقد اعتمدت بريطانيا هدفاً واحداً في السياسة الخارجية خلال خمسمئة عام على الأقل، وهو إبقاء أوروبا غير موحدة. لهذا الغرض، خضنا صراعاً الى جانب الهولنديين ضد الألمان، وإلى جانب الألمان ضد الفرنسيين، وإلى جانب الفرنسيين والإيطاليين ضد الألمان، وإلى جانب الفرنسيين ضد الألمان والإيطاليين. “فرّق تسد”، لماذا علينا تغيير هذه النظرية طالما أنها كانت مقاربة ناجحة؟
  • الوزير: إنه التاريخ…
  • السير آبلباي (مقاطعاً): وهي كذلك السياسات الحالية (…)

في الثالث والعشرين من حزيران 2016، بدا وكأن البريطانيين قد أخذوا بنصيحة آبلباي، بعدما اختاروا، في استفتاء شعبي، الخروج من الإتحاد الأوروبي، موجّهين ضربة قوية للبناء الذي تأسس قبل ستين عاماً، وهو تطوّر سياسي أعاد خلط الأوراق الجيوسياسية، ليس فقط في أوروبا، وانما على مستوى العالم، ودفع أطرافاً عدّة إلى الشروع في وضع الخطط والتصوّرات للعمل على أساسه.

وبموجب النتيجة النهائية لاستفتاء “بريكست”، فقد صوّت 51.9 في المئة من الناخبين البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، في استحقاق مصيري بلغت نسبة المشاركة فيه 72.2 في المئة.

 

كثيرة هي التوصيفات التي أُطلقت على الحدث البريطاني. كثيرون وصفوه بـأنه “زلزال”. الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند رأى فيه “اختباراً خطيراً” للاتحاد الأوروبي، بينما اعتبرته المستشارة الألمانية “نقطة فاصلة” للوحدة الأوروبية.

وبصرف النظر عن كل تلك التوصيفات، لا شك في أنّ استفتاء “بريكست” قد شكّل هزة قوية للمنظومة الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الهزة لا ترتقي حتى اليوم إلى درجة الزلزال الجيوسياسي المدمّر، كما حصل قبل 26 عاماً، حين تفكك الاتحاد السوفياتي، لكن ارتداداتها قد تكون، في المستقبل القريب، أشد وطأة من الزلازل.

ومع أن المؤشرات العامة تشي بأن ثمة تداعيات سياسية واقتصادية كبرى سيفرضها الـ”بريكست” على المشهد الدولي، فإنه لا بد من انتظار بعض الوقت حتى تتبدّى التحوّلات التي ستفرضها اردتدادات الهزة البريطانية، وحجمها ونطاقها، وذلك في ضوء الطريقة التي سيتعامل معها الأوروبيون والبريطانيون انفسهم – وربما أطراف آخرون – مع الأمر الواقع الذي فرضه الاستفتاء البريطاني، الذي يمكن اعتباره الاستحقاق الأكثر خطورة في التاريخ الأوروبي المعاصر بعد تفكك المنظومة الاشتراكية في مطلع التسعينات.

ومنذ اللحظة الأولى لظهور نسب التصويت في استفتاء “بريكست”، كان واضحاً أن ثمة رابحين ومتضررين من الاستفتاء البريطاني، على المستويين المحلي والخارجي، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، حيث عاشت أسواق المال العالمية “يوم جمعة أسوداً”.

وإذا كانت حكومات أوروبا، وقواها السياسية، وأيضاً مؤسساتها الاقتصادية، قد بدأت تتعافى، ولو قليلاً من الارتدادات الأولية للهزّة البريطانية، فإن المخاطر تبقى قائمة، وستظل شبحاً يخيّم فوق رؤوس كثيرين، إلى أن تتضح قدرة الأطراف المعنية على امتصاص الارتدادات المستمرة.

شريك مزعج!

 بالنسبة إلى كثيرين، لم يكن الاستحقاق البريطاني مفاجئاً، خصوصاً أن العلاقات بين المملكة المتحدة وأوروبا اتسمت بتذبذب كبير وغياب للثقة من زمن بعيد. وإذا كان مساعد الوزير، همفري آبلباي، قد عرض لهذا الواقع بأسلوب كوميدي، في المسلسل التلفزيوني السابق الذكر، فإن الواقع يبدو أكثر توتراً، ذلك مسيرة دخول بريطانيا النادي الأوروبي بدت مزروعة بألغام بريطانية واوروبية مشتركة، منذ أن قدّم رئيس حكومة المحافظين هارولد ماكميلان طلب ترشيح بلاده للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي سبقت الاتحاد الأوروبي، في التاسع من آب العام 1961.

وكمؤشر إلى انعدام الثقة بين بريطانيا وفرنسا، القوتين الاستعتماريتين السابقتين، فإن الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول استخدم مرّتين الـ”فيتو” للاعتراض على دخول المملكة المتحدة ضمن المنظومة الأوروبية، الأولى في 14 كانون الثاني العام 1963، والثانية في 27 تشرين الثاني العام 1967.

في ذلك الحين، برّر ديغول اعتراضه بالقول: “إذا دخلت بريطانيا إلى السوق الأوروبية، مع مجموعة من الدول الأخرى، فإن الانسجام بين الدول الأعضاء لن يصمد، وستنشأ في النهاية مجموعة أطلسية ضخمة، تحت إشراف وإدارة أميركية، سرعان ما ستقضي على السوق الأوروبية”.

كان على البريطانيين انتظار وفاة ديغول لكي يسلكوا طريقهم إلى السوق الأوروبية. في الأول من كانون الثاني العام 1973، أصبحت المملكة المتحدة عضواً في المجموعة الأقتصادية الأوروبية إلى جانب إيرلندا والدنمارك، وهو ما أيّده البريطانيون في استفتاء الخامس من حزيران العام 1975، بنسبة تجاوزت 67 في المئة.

29th May 1975: Social Services Minister Barbara Castle (1911 - 2002) and helpers display a variety of goods purchased in London and Brussels with the intention of showing that Britain should leave the Common Market. With her is her great niece Rachel Hinton, aged 7. On the right is Mrs. Neil Marten, wife of the National Referendum Campaigner. (Photo by Keystone/Getty Images)

لكن دخول المملكة المتحدة المجموعة الأوروبية كان بداية أخرى لمشاكل مزمنة بين الطرفين، خصوصاً بعد وصول مارغريت تاتشر إلى الحكم، فرئيسة الوزراء المحافظة، وحاملة لقب “المرأة الحديدية”، مثلت صداعاً في رأس الأوروبيين، لا سيما بعد اطلاقها عبارة “أعيدوا لي أموالي”، غداة قمة دبلن (تشرين الثاني 1979)، وذلك في معرض مطالبتها بحسم مالي كثمن لمشاركة بلادها في الموازنة الأوروبية، وتأكيدها أن لندن لن تدفع أموالاً أكثر مما تتلقى من الموازنة الأوروبية، وهو ما حصلت عليه في قمة فونتينيبلو (1984)، حين وافق الأوروبيون على تسديد ثلثي عجز بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، وهو إجراء ما زال سارياً حتى اليوم.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فـ”المرأة الحديدية” عارضت بشدة مقترحات عدّة، طرحت في النصف الثاني من الثمانيات بشأن فدرالية الهيكلية الأوروبية، وهو ما عبّرت عنه بوضوح في كلمة شهيرة ألقتها في بروج (بلجيكا) في 20 أيلول العام 1988، وجاء فيها: “إذا نجحنا في إبعاد حدود الدولة في بلادنا، فهذا ليس ليُعاد فرضها على المستوى الأوروبي من خلال دولة مهيمنة تمارس سلطة جديدة انطلاقا من بروكسل”.

لم تكن الأمور أفضل حالاً بعد انكفاء تاتشر، فقد انتزعت بريطانيا، وتحت ضغوط حكومة المحافظين بزعامة جون ميجر، استثناءين مهمين في معاهدة ماسترخت (1992)، تمثلا في عدم انضمامها إلى “الشريعة الاجتماعية” و”العملة الموحدة”. وبرغم كل ذلك، فإن ميجر واجه صعوبات كبيرة في تمرير المعاهدة في البرلمان في العام 1993، حتى انه اضطر للتلويح بالاستقالة ووصف ثلاثة من وزرائه بأنهم “جبناء”.

ولطالما مثلت بريطانيا شريكاً مزعجاً للأوروبيين، سواء كان على رأسها حكومة عمالية أو محافظة. ومن بين أكثر المحطات تعبيراً عن ذلك التشكيك البريطاني بالاتحاد الأوروبي، يمكن الحديث عن معارضة جون ميجر لترشيح البلحيكي لو ديهين كرئيس للمفوضية الأوروبية، بحجة أنه “يميل للفدرالية”، وهو ما تكرر مع طوني بلير، حين رفض مرشحاً بلجيكياً آخر هو الليبرالي غي فرهوفشتاد.

وبحلول العام 2011، بدا أن كل الرياح الأوروبية والشرق أوسطية تميل إلى أخذ السفينة البريطانية بعيداً عن القارة العجوز، ولا سيما بعد أزمة اليورو في اواخر العقد الأول من القرن الحالي، ومن ثم ثورات “الربيع العربي” وما تلاها من اعمال عنف في سوريا، افضت الى أزمة لجوء غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن تنامي حضور أحزاب اليمين القومي في العديد من الدول الأوروبية، إلى أن وصل الدور إلى بريطانيا، مع بروز “حزب الاستقلال” المشكك بأوروبا والمعادي للهجرة، والذي تصدّر نتائج الانتخابات الأوروبية، حاصداً أكثر من 26 في المئة من الأصوات ليحصل على 24 مقعداً.

186442-nigel-farage-ukip-leader-holding-up-a-ukip-badge-at-the-launch-of-the-partys-manifesto-in-edinbur

وفي العام 2011، رفض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون معاهدة أوروبية جديدة لتعزيز قواعد الموازنة المطبقة على الدول الأعضاء، ثم تعهد، في ظل تنامي نفوذ الجناح اليميني في حزب المحافظين، بإجراء استفتاء حول عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، في حال فاز حزبه في الانتخابات التشريعية للعام 2015، وهو ما شرع في تنفيذه بالفعل ابتداءً من أواخر العام 2015.

 

“أثر الدومينو”.. ووحدة أوروبا

 أما وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد اصبح أمراً واقعاً – ما لم يتمكن أنصار البقاء ضمن المجموعة الأوروبية من تنظيم استفتاء جديد كما يرغبون – فإنّ التقديرات بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي تبقى متفاوتة.

وما يزيد الأمور تعقيداً، فإن بريطانيا هي أول دولة تخرج من الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن ثمة سابقة في العلاقات داخل المنظومة الأوروبية يفترض بالـ”بريكست” أن يكرّسها، وهو ما يفرض على الأوروبيين التعامل بحذر مع كل القضايا المرتبطة بخروج المملكة المتحدة.

وبالنظر إلى التعقيدات المرافقة لعملية الخروج، والتداعيات المجهولة حتى الآن لتأثير الطلاق البريطاني-الأوروبي، تتفاوت التقديرات بين القادة والمسؤولين الأوروبيين بشأن المستقبل، وما إذا كان ثمة “تأثير دومينو” لـ”بريكست”.

رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك سبق أن صرّح قبل الاستفتاء البريطاني قائلاً “أخشى ان يكون خروج بريطانيا مؤشراً، ليس على بداية انهيار الاتحاد الاوروبي فحسب، وانما الحضارة الغربية”، مشيراً إلى أن خروج بريطانيا “سيشجع كل القوى المتطرفة المناهضة للاتحاد الاوروبي… وكذلك فإن الاعداء الخارجيين الذين سيرحبون بذلك”.

بالفعل فإنّ نتئاج الاستفتاء البريطاني شجعت أطرافاً كثيرة في أوروبا للمطالبة بخطوة مماثلة في بلدانهم:

  • خيرت فيلدرز، زعيم “حزب الحرية” الهولندي المناهض للهجرة، قال إنه سيجعل من استفتاء هولندي على عضوية الاتحاد الأوروبي محوراً لحملته الانتخابية، لكي يصبح رئيس الوزراء في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وشدد على أنه “لم يعد هناك مستقبل (للاتحاد الأوروبي) بعد الآن”.
  • زعيمة “الجبهة الوطنية” في فرنسا مارين لوبن احتفلت بنتيجة “بريكست” بتغيير صورتها على تويتر إلى صورة العلم البريطاني، وقالت لوبان “النصر للحرية! الآن نحن في حاجة إلى إجراء الاستفتاء ذاته في فرنسا وفي دول أخرى”.
  • كريستيان ثولسن، زعيم “حزب الشعب الدنمركي” الشعبوي المناهض للهجرة – والمتحالف مع الحكومة الحالية – أعرب عن اعتقاده بأنه “ينبغي أن يجري الدنمركيون استفتاء بشأن إن كانوا يريدون السير على خطى بريطانيا أو إبقاء الأمور على ما هي عليه الآن”.
  • جيمي اكسون، زعيم “حزب الديموقراطيين السويديين” المناهض للهجرة، طالب بأن “تبدأ السويد على الفور إعادة التفاوض على صفقات الاتحاد الأوروبي التي أبرمناها” وأن “يكون للشعب السويدي كلمة بشأن مستقبل العضوية في الاتحاد الأوروبي ضمن استفتاء”.
  • “حزب الحرية” اليميني المتطرف في النمسا طالب باستقالة رئيسي المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ملوّحاً بإمكانية الدعوة إلى استفتاء ما لم يجر إصلاح الاتحاد الأوروبي.
  • حركة “خمسة نجوم”، ثاني أكثر حزب يتمتع بشعبية في إيطاليا، وصف نتيجة الـ”بريكست” بأنها “درس في الديموقراطية” ووعد بالسعي لطرح مقترحه الخاص لاستفتاء إيطالي على اليورو، فيما كان رئيس “حزب الرابطة الشمالية” مايتو سالفاني (يمين الوسط) أكثر صراحة، حين قال: “شكرا لبريطانيا العظمى… الخطوة المقبلة هي دورنا”.

بعد الاستفتاء بدت عبارات توسك أقل تشاؤماً، لكنها عكست، على نحو كبير، قلقاً بالغا على مصير الاتحاد الأوروبي، حين قال “هي لحظة تاريخية، ولكنها بالطبع ليست لحظة لابداء رد فعل هستيري”، فيما بدا رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز أكثر تفاؤلاً حين أكّد أن “العدوى التي يحتفل بها المشككون في البناء الاوروبي اليوم في كل مكان تقريباً لن تحدث بتاتاً”.

وفي العموم فإنّ مواقف القادة والمسؤولين الأوروبيين بدت متباينة إزاء تداعيات “بريكست” على وحدة أوروبا، وهو ما يعكس حالة الارباك التي تسبب بها البريطانيون من جهة، وغياب الرؤية الأوروبية الموحدة تجاه القضايا المصيرية.

وعلى سبيل المثال، فإن رئيس مجلس الوزراء الفرنسي مانويل فالس رأى في الاستفتاء البريطاني “صدمة مدوية”، وحذر من أن “تفكك الاتحاد بمنتهى البساطة صار على المحك” مشدداً على أنّ “الوقت قد حان لابتكار أوروبا أخرى”. أما نظيره البلجيكي شارل ميشال، فكان أقل حدّة في التعبير عن المخاوف، حين أقرّ بأن أوروبا تلقت “صفعة”، لكنه دعا الى عدم الانصياع “للهلع”، ومشددا على ضرورة أن “نجد سريعا الطريق لكي نعيد احياء المشروع الاوروبي”. رئيس وزراء تشيكيا بويسلاف سوبوتكا طمأن بأن الاتحاد الأوروبي “ليس مهدداً على الاطلاق… ولكن يتوجب عليه ان يتغير بسرعة مع مزيد من المرونة وقدر أقل من البيروقراطية”. وزير خارجية النمسا سيباستيان كورتز اعتبر ان “التصويت بالخروج يمثل زلزالاً سياسياً”، لكنه رأى أن اوروبا “ستتجاوز الامر” من خلال “اصلاحات هيكلية كبيرة”.

كذلك، فإن ثمة سعى لاقتناص فرصة الحدث البريطاني للتأكيد على صوابية طروحاته المثيرة للجدل، كما فعل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي رأى أن تأييد البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي يظهر أن على بروكسل أن تستمع لصوت الشعوب وأن تقدم حلولاً ملائمة للقضايا المهمة مثل قضية الهجرة.

وبرغم التحديات المصيرية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي بعد الهزة البريطانية، فإن ثمة من يرى أن “بريكست” ربما يشكل صدمة مفيدة، فثمة معلومات تخرج تباعاً من مراكز صنع القرار في أوروبا بشأن مبادرة فرنسية- المانية قيد الدرس لمنح الاتحاد الاوروبي آفاق جديدة.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند سبق أن أعلن عن زيارة قريبة إلى ألمانيا للعمل على “استئناف البنية الأوروبية”، ويبدو أن الحدث البريطاني قد أكسب مبادرته زخماً، في ظل حالة الطوارئ التي تشهدها أوروبا. وقد قال هولاند بوضوح بعد الاستفتاء البريطاني إنه “لم يعد بوسع اوروبا الاستمرار كما كانت من قبل”، وأن “عليها في هذه الظروف ان تبدي تضامنها وقوتها” وان “تركز على الاساسيات”، اي الامن والاستثمار والانسجام المالي والاجتماعي.

لكن فرنسا والمانيا، وهما المحركان التاريخيان للاتحاد الاوروبي، عبرتا عن خلافات عميقة حول فكرة اندماج منطقة اليورو، وذلك في موازاة قائمة طويلة من الخلافات الجوهرية مع باقي الدول الأوروبية، وهو ما دفع وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت إلى القول إن “هناك حاجة الى توافق فرنسي الماني”، وأنه “لا يجب ان ينظر الآخرون الى ذلك بعدم الرضى، أو كاننا نفعل كل شيء بمفردنا”.

وبالرغم من أن الصدمة البريطانية ستدفع باتجاه اصلاحات كبرى داخل الاتحاد الأوروبي، يبقى هناك خطر فعلي من الا يتمكن الأوروبيون من وقف الانهيار. ومع ذلك، فإن انهياراً كهذا لن يكون بين ليلة وضحاها، فالمؤسسات السياسية نادراً ما تزول، ولكن فعاليتها تضعف إلى أن تضمحل، كما حصل على سبيل المثال مع عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية.

261 كلمة لتنظيم الخروج!

وأمام شبح تفكك الاتحاد بدأ القادة الاوروبيون العمل لما بعد استفتاء “بريكست”. ويكمن التحدّي الأول في تأمين خروج سلس لبريطانيا من المنظومة الأوروبية، وفي أسرع وقت ممكن.

472db2ab35ae779cb3362fedc553b603ويُفترض ان تبدأ بريطانيا عملية تفاوض قد تستمر سنتين، على الأقل، مع الاتحاد الاوروبي حول شروط الخروج، في خطوة لم يسبق لعضو آخر أن اتخذها.

ويسعى الأوروبيون إلى تجنّب اطالة فترة عدم الاستقرار التي ستنجم عن المفاوضات حول “اتفاق انسحاب” بريطانيا بعد الاشارات المرسلة من لندن، بعد إعلان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون استقالته، تاركاً أمر التفاوض لخليفته، وبالتالي تحديد جدول زمني يبدأ في تشرين الأول المقبل، على أقل تقدير، وهو ما رفضه مسؤولو الاتحاد الأوروبي الذين شددوا على أن المفاوضات يجب أن تجري فوراً.

وأمّا النقطة الأساس في تلك مفاوضات الخروج، فتتمثل في المادة 50 من اتفاقية لشبونة، االتي لم يجر تطبيقها منذ وضعت. ولعلّ التحدّي الكبير أن خروج بريطانيا – أو أية دولة أخرى- من الاتحاد الأوروبي يرتبط بـ 261 كلمة فحسب، هي كل ما تتضمنه المادة 50 المذكورة، وتحدد مبادئ عامة للانسحاب من المنظومة الأوروبية، ما يعني أن ثمة جهداً هائلاً ينبغي أن يبذله الأوروبيون في عملية التفاوض البالغة التعقيد، والتي يتوجب أن تتم في تأنّ وسرعة في آن معاً، وذلك لمعالجة ملفات كبرى، تتناول كافة نواحي العلاقات الثنائية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً… الخ.

أبرز ما تتضمنه المادة 50:

– يجب أن تخطر الدولة العضو التي تقرر الانسحاب المجلس الأوروبي بنيتها.

– يجب أن يتفاوض الاتحاد الأوروبي مع هذه الدولة ويتوصل إلى اتفاق يحدد الترتيبات لانسحابها مع الوضع في الاعتبار إطار العمل لعلاقتها المستقبلية بالاتحاد.

– لا تسري المعاهدات على الدولة المعنية اعتبارا من تاريخ دخول الاتفاق حيز التنفيذ أو في حالة عدم الالتزام بعد عامين من الإخطار، إلا إذا قرر المجلس الأوروبي بالإجماع بالاتفاق مع الدولة العضو المعنية مد هذه الفترة.

– يجب ألا يشارك عضو المجلس الأوروبي أو المجلس الممثل للدولة المنسحبة في المناقشات أو القرارات المتصلة به.

 ولعل أفضل توصيف لمفاوضات الخروج، هو ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي، بقوله إن “المادة 50 هي عملية طلاق: من يحصل على المنزل ومن ستكون له حضانة الأطفال ومن يحصل على حسابات المصارف”، في إشارة إلى أولويات مثل تحديد ميزانية الاتحاد ووضع البريطانيين الذين يعيشون في دول أخرى من دوله ووضع مواطنيه في بريطانيا ويقدر عددهم الإجمالي بالملايين، وتحذيره من ان “عدم الالتزام بالمادة 50 سيؤدي إلى طلاق فوضوي… وسيكون الأمر مثل زوجين يرشقان أحدهما الآخر بالأطباق بدلا من الاتفاق من خلال محامين”.

 

اضطرابات اقتصادية واجتماعية

كان ملفتاً للانتباه، أن البريطانيين، أو على الاقل 51.2 في المئة منهم، قد تجاهلوا كل التحذيرات المحلية والدولية من كارثة اقتصادية واجتماعية، بدأت تطل برأسها منذ صدور النتائج الأولية للاستفتاء، حين تراجع سعر صرف الجنيه الاسترليني إلى أدنى مستوى له أمام الدولار منذ العام 1985، وسادت حالة من الهلع في كافة الأسواق المالية، بدءاً بلندن ونيويورك، مروراً بباريس ونيويورك، ووصولاً إلى طوكيو.

حالة الهلع هذه كانت متوقعة، ويراها كثيرون طبيعية، لا بل أن المراقبين يتوقعون احتواءها سريعاً.

ولكن الكارثة الاقتصادية التي حذر منها أنصار البقاء في الاتحاد الاوروبي لا تقف عند هذا الحد، فتأثيرها الآني لا يساوي شيئاً قياساً إلى تداعياتها البعيدة المدى.

ومن شأن “بريكست” أن يحرم بريطانيا، خامس قوة اقتصادية في العام، من تجارة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، وسيتطلب منها أن تبرم اتفاقات تجارية جديدة مع بلدان العالم، وهو ما يدفع خبراء الاقتصاد إلى القول إنّ احتمال دخول بريطانيا في كساد خلال عام زادت عن ذي قبل، بالنظر إلى تكثف الحواجز التجارية، لا سيما في الفترة الانتقالية، وسط توقعات، من قبل منظمة التجارة العالمية، بأنه سيترتب على المصدّرين البريطانيين دفع 5.6 مليارات جنيه استرليني سنوياً كحقوق جمركية اضافية.

وتشير معظم التوقعات إلى أن معدل البطالة البريطاني الذي يبلغ أدنى مستوياته في عشر سنوات حاليا عند خمسة بالمئة، سيرتفع بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن الأجور ربما تتحمل الوطأة الكبرى لأي تباطؤ ناجم عن الخروج من الاتحاد الأوروبي. وعلى هذا الأساس، فإنّ المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا يتوقع انخفاض أجور المستهلكين الحقيقية بما يتراوح بين 2.2 و 7 في المئة بحلول العام 2030 مقارنة بمستوياتها في حالة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

ويدرس صندوق النقد الدولي سيناريو سلبيا يشهد فيه الاقتصاد البريطاني انكماشا العام المقبل، ما سيؤدي الى ارتفاع البطالة من 5 في المئة حاليا الى 6,5 في المئة في غضون سنتين.

وثمة من يتوقع كذلك انعكاسات لقرار الانسحاب من الاتحاد الاوروبي على قطاعات تصنيعة كثيرة، مثل قطاع صناعة الطائرات والسيارات وغيرها، لا سيما أن انصار الخروج من اوروبا قادوا ايضاً حملة ايضا للحد من الهجرة، ما سيؤدي الى تراجع تدفق اليد العاملة القادمة من اوروبا الشرقية والغربية، وهي التي عززت الاقتصاد في السنوات الاخيرة.

وعلى الجهة المقابلة، فإن الاتحاد الأوروبي سيواجه صعوبات اقتصادية كبرى، من المؤكد أنه في غنى عنها، فور خروج بريطانيا من المنظمة الأوروبية.

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيضر باقي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وسيؤثر على دول أخرى خارجه.

ووفقاً لـ”منظمة التعاون” فإن الـ”بريكست” سيؤدي إلى تقليل إنتاج الاتحاد الأوروبي بنحو واحد في المئة بحلول العام 2020 عما كان سيتحقق لو بقيت بريطانيا فيه، في حين يتوقع خبراء اقتصاديون بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيفقده سدس انتاجه دفعة واحدة.

كذلك، فإن ثمة توقعات بأن يخسر الحي المالي في لندن من جاذبيته، وأن الكثير من المصارف والشركات الكبرى قد تجد نفسها أكثر اطمئناناً في حال نقلت نشاطها إلى أسواق أوروبية أخرى، مثل دبلن او فرانكفورت.

واذا كانت التداعيات الاقتصادية الكبرى مرتبطة بتوقعات متوسطة او بعيدة الأمد، فإن الأثر الأقرب زمنياً سيطال سريعاً مئات آلاف البريطانيين والأوروبيين، لا سيما في ما يتعلق بالحرمان من حرية التنقل، التي كان يستطيع معها البريطاني ان يتحرك بحرية داخل فضاء شنغن، واما بعد الخروج، فسيتعيّن عليه الحصول على تأشيرة دخول في حال قرر زيارة واحدة أو أكثر من الدول السبع والعشرين العضوة في الاتحاد الأوروبي، علاوة على زيادة تكاليف السفر، ذلك أن الاتفاقات الاوروبية تتيح لاية شركة طيران اوروبية العمل في المجال الجوي الاوروبي من دون قيود على مستوى الوتيرة او الاسعار.

وأما المشكلة الأكبر فتتعلق بمئات آلاف البريطانيين المقيمين في اوروبا ابرزها اسبانيا (319 الفا) وايرلندا (249 الفا) وفرنسا (171 الفا) والمانيا (100 الف)، والذين سيواجهون مصاعب كبيرة، تتراوح بين فقدانهم حرية التنقل، وبين وجوب الحصول على ترخيص للعمل في بعض الدول الأوروبية.

مملكة متحدة؟

وفي جانب لا يقل خطورة، فإن نتائج الاستفتاء الأخير اظهرت انقساماً حاداً داخل المملكة المتحدة على أكثر من مستوى.

وعلى نحو أكثر خطورة، كشفت حملة الـ”بريكست” عن وجود تيارات متطرفة داخل المجتمع البريطاني، بدت أسوأ مظاهرها، حين جرى طعن نائبة في مجلس العموم مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي وإطلاق النار عليها، إلى أن لقيت حتفها في الشارع.

Center of Australia Maptitude Map

وعلى المستوى المناطقي، كان ملفتاً ان لندن واسكتلندا وايرلندا الشمالية قد صوّتت مع البقاء في حين صوت شمال انكلترا وويلز مع المغادرة.

هذا الامر، ربما يفتح صندوق باندورا بريطانياً، كانت أول آثاره اعلان رئيسة وزراء اسكتلندا – حيث أيد 62 في المئة الناخبين البقاء في الاتحاد الأوروبي – زعيمة “الحزب القومي” نيكولا ستورجون، أن خطة تنظيم استفتاء ثان للاستقلال باتت “على الطاولة”، وأنه من “غير المقبول ديموقراطيا” أن تخرج اسكتلندا من الاتحاد الأوروبي ضد رغبة سكانها.

ولا بد من التذكير بأن الناخبين في اسكتلندا رفضوا الاستقلال عن المملكة المتحدة بنسبة 55 في المئة في استفتاء العام 2014، ولكن ثمة من يعتقد أن الظروف العامة، بعد الخروج البريطاني، قد تكون مؤاتية لأنصار الاستقلال.

وينطبق ذلك ايضاً على ايرلندا الشمالية، التي ايد سكانها البقاء في الاتحاد الاوروبي بنسبة 55.7 في المئة، وكان ملفتاً ان حزب “شين فين”، الواجهة السياسية لـ”الجيش الجمهوري الايرلندي” قد سارع إلى استقبال نتائج الاستفتاء بالدعوة إلى استفتاء حول إيرلندا موحدة، فيما اعتبر الحزب الجمهوري” ان الخروج من الاتحاد الاوروبي “سيترك تداعيات مهمة على طبيعة الدولة البريطانية”، بينما اعتبر رئيس “الحزب القومي” ديكلان كيرني انه “أصبح لدينا وضع حيث سيتم جر الشمال الى الخارج في اعقاب التصويت في انكلترا”، وأن “شين فين سيشدد الان على مطلبنا، مطلبنا منذ فترة طويلة، من اجل التصويت على الحدود”.

والجدير بالذكر أن الاتحاد الاوروبي ضخ مليارات من اليورو لدعم ايرلندا الشمالية بعد اتفاقات سلام “الجمعة العظيمة” في العام 1998، والتي انهت ثلاثة عقود من الاشتباكات الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت وادت الى مقتل نحو ثلاثة الاف شخص، مع الإشارة إلى أن اتفاقات السلام، التي انهت نزاعاً استمر ثلاثة عقود في ايرلندا الشمالية، يتيح لسكانها تنظيم استفتاء بشأن بقائها في بريطانيا أو انضمامها إلى ايرلندا، وإن كان أمراً كهذا ليس متوقعاً على المدى المنظور، ما لم يحدث تغير جذري في توجهات الرأي العام.

كذلك، فقد صوت جبل طارق الجيب البريطاني في جنوب اسبانيا، باكثر من 95 في المئة تأييداً للاتحاد الاوروبي بسبب خشيته من العزلة عن باقي القارة نظرا لاعتماد اقتصاده بشكل كبير على علاقاته مع الاتحاد الاوروبي، وهذه النسبة العالية شجعت مدريد على اعادة المطالبة باستعادته.

ومن جهة ثانية، أظهرت نتائج الاستفتاء هوة كبيرة بين الريف والمدن. ففي انكلترا صوّت 54.6 في المئة لاصلح الخروج وذلك بفارق كبير عن لندن حيث صوّت 60 في المئة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. أمّا في ويلز، فإنّ نسبة التصويت العمومية بلغت 52.5 في المئة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن العاصمة كارديف صوتّتت لصالح البقاء بنسبة 60 في المئة من الأصوات.

وعلى المستوى العمري، أيّد الناخبون الأكبر سنا الخروج من الاتحاد الأوروبي بينما كان مؤيدو البقاء فيه من الشبان في الأساس، فيما رصدت صحيفة “اندبندنت” بعداً آخر للانقسام والتشظي داخل المجتمع البريطاني، حين أشارت إلى “الهوة بين الفئات المدينية الليبرالية والطبقات العاملة فيما يخص مسالة الهجرة، وبين المستفيدين من العولمة واولئك الذين تركوا على الهامش ولا يلمسون المكاسب، لا من حيث الوظائف او من حيث الاجور”.

 

وسام متّى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق