*العرب والعالم

استفتاء كاتالونيا: “الديموقراطية الأوروبية” على المحك!

أسبانيا أمام مفترق طرق، ومعها “الديموقراطية الأوروبية”، التي باتت على المحك، فالاستفتاء المثير للجدل الذي أجرته السلطات المحلية في إقليم كاتالونيا، يوم الأحد، وما رافقه من أعمال عنف، يعدّ أحدث فصول الاندفاعة الخطيرة في العلاقة المعقّدة مع الحكومة المركزية في مدريد، على النحو الذي ينذر بأزمات متعددة الأوجه، لاحت بوادرها الخطيرة، حتى قبل يوم التصويت الصاخب، في ظل ارتفاع منسوب التحدّي بين الطرفين، في حين تبقى أبواب المستقبل القريب والبعيد مشرّعة على الكثير من السيناريوهات المتطرفة.

جوهر القلق المرافق للاستفتاء الكاتالوني تمثل في أن السلطات المحلية، وعلى رأسها الرئيس كارليس بويغديمونت، قد تعهدت ببذل قصارى جهدها لإجراء التصويت، لا بل الذهاب نحو إعلان الاستقلال، في فترة لا تتجاوز الثمانية والأربعين ساعة، في حال التصويت الإيجابي، في حين لم تألُ الحكومة المركزية جهداً لإحباط هذا المسعى بوسائل شتّى،  يمكن وضعها، بخلاف شكلها القعمعي ، في سياق أكثر خطورة، يتمثل في رفض التفاوض مع الكاتالونيين تحت ضغط الاستفتاء، وعلى نحو أكثر خطورة تجاهل مبادئ حق تقرير المصير، الذي طالما دافعت عنه “الديموقراطيات الأوروبية”، بشكل قاطع.

وانطلاقاً مما حدث، يمكن القول إن مدريد وبرشلونة قد وضعتا نفسهما على سكة الصدام، في ما يشكل مقدمة لسيناريوهات خطيرة، تتجاوز الجدل حول الاستفتاء نفسه – الذي لم يعد مجرّد تحرّك رمزي أو أداة ضغط للتفاوض بين برشلونة ومدريد – لتصل إلى خيارات أكثر تطرفاً.

ولتوضيح المسألة على نحو أفضل، لا بد من التذكير بأن الاستفتاءات الانفصالية، غالباً ما كانت سيناريوهاتها تتراوح بين التصويت الرمزي، الذي يهدف إلى ما يشبه “حفظ الحقوق المستقبلية” في النزاعات المجمّدة (ترانسنيستريا في مولدوفا، أبخازيا في جورجيا، أرض الصومال في الصومال… الخ)، أو  تحقيق الاستقلال في إطار تفاوضي يمنح الشرعية للصناديق (كما هي الحال مع استفتاء اسكتلندا، والتصويت على “بريكست” في بريطانيا)، أو حتى استخدام التصويت كورقة ضغط للتفاوض سواء للانفصال أو للحصول على حكم ذاتي (كما يحدث اليوم في كردستان العراق).

على هذا الأساس، يمثل استفتاء كاتالونيا حالة خاصة مقارنة بالكثير من الاستفتاءات ذات الطابع الانفصالي، التي شهدتها دول عدّة في أوروبا، أو أماكن اخرى حول العالم، فمنسوب التحدّي بين الكاتالونيين والحكومة المركزية، بات يتجاوز الإطار  الرمزي، إذ يتحوّل بالفعل إلى “معركة كسر عظام” بين متناقضين قد يكون الوقت قد فات لمحاولات التوفيق بينهما.

ولعلّ لبّ المشكلة يكمن في أن الاستفتاء الكاتالوني يجري في سياق غير تفاوضي، وهو ما ينذر بالكثير من العواقب الوخيمة، إذ يبدو الكاتالونيين مصرّين على إضفاء طابع أحادي على  هذا الاستحقاق، متجاهلين تجارب سابقة مماثلة انتهت بكوارث، كما جرى في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، حين نظّمت استفتاءات انفرادية انتهت بنزاعات دامية كتلك التي اندلعت في البلقان بعد تفكك يوغوسلافيا السابقة.

على هذا الاساس، فإنّ الاستفتاء يطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل العلاقة بين مدريد وبرشلونة، بصرف النظر عن الخطوات التالية، فما جرى يعكس خطورة الاستقطاب بين مجتمعات منقسمة، على نحو قد يقود إلى خيارات متطرفة.

ولكنّ المسؤولية في هذا الإطار لا يتحمّلها الكاتالونيون وحدهم، فالسلطة المركزية تبدي تشدداً غير مبرر، قوبل بتشدد مقابل من الطرف الآخر، وهو ما تبدى عبر مستويين: الأول، تمثل في تفضيل المبادئ القانونية والدستورية الجامدة على البراغماتية السياسية، وهو ما عكسه التمسّك بقرار المحكمة الدستورية العليا، التي أفتت بأنّ الاستفتاء غير قانوني، لمجرّد أن ثمة مواداً في الدستور، تتضمن مبادئ عامة، بأن اسبانيا دولة موحّدة وغير قابلة للتقسيم.

وامّا المستوى الثاني، فهو اللجوء إلى إجراءات استثنائية – قمعية من إلقاء القبض على المسؤولين المحليين، وتهديد رؤساء البلديات، وضبط الأصوات والمواد الانتخابية، وصولاً إلى منع الناخبين من الذهاب إلى مراكز التصويت، وصولاً إلى استخدام القوة المفرطة في تفريق التظاهرات الاحتجاجية.

وثمة من يعتقد أن رد الفعل الحكومي على الاستفتاء كان يمكن أن يتّسم بحكمة أكبر، خصوصاً ان هذا ليس الاستفتاء الأول، فحركة الاستقلال في كاتالونيا كانت تستخدم الاستفتاءات لتحريك جدول أعمالها إلى الأمام منذ سنوات عدّة، لكن تلك التحرّكات كانت عاجزة في حقيقة الأمر  عن تحقيق أي تغيير في الواقع، بالنظر إلى اعتبارات عدّة، بينها المرونة التي أبدتها بعض الحكومات الاسبانية السابقة تجاه التطلّعات الاستقلالية ضمن إطار الحكم الذاتي.

ولا يمكن تجاهل أن الأزمة الحالية مردّها إلى الصلابة التي أبدتها السلطات المركزية – مستندة إلى القرارات الجامدة نفسها للمحكمة الدستورية – بشأن وضع إقليم كاتالونيا.

ومن المعروف أنه منذ استعادة الديمقراطية في أسبانيا في العام 1976، تمتّع إقليم كاتالونيا باستقلال ذاتي متجدد، وربما يكون ذلك هو ما جعل الكاتالونيين يصوّتون بغالبية ساحقة لصالح الاستفتاء على دستور العام 1978، الذي يؤكد على دولة موحدة في إسبانيا، وقانون الاستقلال الذاتي للعام 1979.

لكنّ ثمة من أراد التصعيد، فبعدما أقرّ مواطنو كاتالونيا في استفتاء العام 2006، قانوناً جديداً يوسّع صلاحيات الحكم الذاتي، وذلك بعد مفاوضات مع رئيس الحكومة السابق خوسيه لويس ثاباتيرو، تقدم الحزب الشعبي (المعارض في ذلك الحين) بزعامة رئيس الوزراء ماريانو راخوي بطعن ضد القانون أمام المحكمة الدستورية، التي قامت بإلغائه، ما فجرّ موجة غضب عارمة، هتف خلالها الكاتالونيون بشعار معبّر “نحن أمّة… ونحن من يقرر”.

وتحت ضغط التيار القومي، أجري استفتاء رمزي في 9 تشرين الثاني العام 2014، شارك فيه نحو 37% من مواطني الإقليم (غالبيتهم من القوميين)، وصوَّتت الأغلبية الساحقة منهم لصالح خيار الاستقلال عن إسبانيا.

وبعد سلسلة من الصراعات السياسية والقضائية بين سلطات كاتالونيا والسلطات في مدريد، تمسك الإقليم بإجراء استفتاء الانفصال الأخير، باعتباره خطوة مشروعة.

ويبقى السؤال اليوم: كيف يمكن للدولة الإسبانية أن تتعامل مع مطالب الانفصاليين الكاتالونيين؟

ليس مفاجئاً أن ترد الحكومة اليمينية الشعبوية على التصويت بقمع، وربما تجد لنفسها الذريعة لذلك، فالدول التي تواجه أكثر من حركة انفصالية يمكنها نظرياً أن تستخدم القوة ردا على الحركات الانفصالية من أجل تجنب خيار “البلقنة”.

ومع ذلك، فإن الرسالة التي يمكن أن تبعث بها هذه السياسات تجاه كاتالونيا إلى منطقة الباسك الانفصالية قد تكون خطيرة، فهي تظهر أن حكومة مدريد شريك غير جديرة بالثقة في مناطقها المستقلة، ما يفتح الباب أمام صراعات متجددة، في دولة انكشفت هشاشتها حين أخفقت في التعامل مع التعددية.

ولكن ما حدث، لا يكفي لأن يرقى إلى مرتبة الحجة الشرعية لمضي الكاتالونيين نحو الانفصال الأحادي، على النحو الذي يتوعّدون به، فاندفاعة كهذه ربما تقود إلى كارثة مؤكدة، فالنزاعات الدامية التي شهدتها بعض دول أوروبا، وغيرها من دول العالم، لم تكن في الواقع سوى جرائم ارتكبت باسم “تقرير المصير”… ربما هذا ما يجعل الكاتالونيين يخفضون سقف التحدّي، ولو قليلاً، كتكتيك قد يكون فعالاً لإحراج حكومة مدريد، على النحو الذي عبّر عنه كارليس بيغديمونت، حين قال بالامس إنه لا يخطط لانفصال “صادم” مع إسبانيا، بل يرغب في تفاهم جديد مع الحكومة المركزية.

محطات تاريخية

سعى إقليم كاتالونيا للانفصال عن سلطة الحكومة المركزية الإسبانية منذ عقود طويلة، ونظم سلسلة استفتاءات أكدت مطالب الأغلبية بالانفصال.

– 20 كانون الثاني 1479: كان زواج الملكين الكاثوليكيين إيزابيل ملكة قشتالة، وفرديناند ملك أراغون، النواة الأولى لتكوين مملكة إسبانيا، وكانت كاتالونيا تابعة لتاج أراغون وأصبحت بذلك جزءًا من المملكة الإسبانية.

– 14 نيسان 1931: بعد إعلان قيام الجمهورية الثانية في إسبانيا (1931-1939) استعادت كاتالونيا مؤسسات الحكم الذاتي فيها، وأصبحت اللغة الكاتالونية لغة رسمية إلى جانب اللغة الإسبانية.

– 24 كانون الثاني 1939: استولت قوات الجنرال فرانكو على برشلونة بعد ثلاث سنوات من الحرب الأهلية، ونتيجة لذلك ألغيت المؤسسات الكاتالونية، وحظر استخدام اللغة الكاتالونية في المعاملات الرسمية، واستمر الأمر على هذا النحو حتى رحيل فرانكو في العام 1975.

– 6 كانون الأول 1978: نظم استفتاء شعبي لإعادة الحياة الديمقراطية إلى إسبانيا، صوت خلاله 90 في المئة من الكاتالونيين لصالح الدستور الإسباني الجديد الذي ينص على “وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصم، ويعترف بحق الحكم الذاتي للقوميات والأقاليم التي تتكون منها إسبانيا.

– 25 تشرين الأول 1979: وافق الكاتالونيون في استفتاء شعبي على قانون الحكم الذاتي الجديد لإقليمهم.

– 18 حزيران 2006: أقر الكاتالونيون في استفتاء شعبي قانونا جديدا للحكم الذاتي يوسع من صلاحيات الحكم الذاتي في الإقليم، بعد مفاوضات مع رئيس الحكومة الإسبانية السابق خوسيه لويس ثاباتيرو، ومصادقة البرلمان الإسباني عليه.ولكن “الحزب الشعبي” بزعامة ماريانو راخوي طعن في القانون أمام المحكمة الدستورية.

– 28 حزيران 2010: ألغت المحكمة الدستورية جزءا من قانون الحكم الذاتي الجديد.

– 25 تشرين الثاني 2012: اخفق رئيس حكومة كاتالونيا أرتور ماس في الحصول على الغالبية في الانتخابت المحلية، فاضطر للتحالف مع الحزب الجمهوري الكاتالوني والاعتماد على أحزاب قومية تنادي بإجراء استفتاء لتقرير المصير والانفصال عن إسبانيا.

– 9 تشرين الثاني 2014: تحت ضغط التيار القومي، أجري استفتاء رمزي شارك فيه نحو 37 في من الكاتالونيين، وصوَّتت الأغلبية الساحقة منهم لصالح خيار الاستقلال عن إسبانيا.

– 14 كانون الثاني 2015: أعلن رئيس الحكومة في كاتالونيا أرتور ماس عن إجراء انتخابات مبكرة يوم 27 أيلول، تكتسي طابع الاستفتاء لتقرير مصير الإقليم.

 – 11 حزيران 2015: قررت المحكمة الدستورية الإسبانية تقرر إلغاء “الاستفتاء الرمزي” على استقلال إقليم كاتالونيا.

– 27 أيلول 2015: بعد إجراء الانتخابات المبكرة، فازت أحزاب التيار القومي بغالبية 72مقعداً من مقاعد البرلمان  المحلي، في مقابل 63 مقعدا للأحزاب الرافضة للاستقلال.

– 9 تشرين الثاني 2015: تمكنت أحزاب التيار القومي من إصدار قرار برلماني يعلن بدء “عملية تأسيس الدولة الكاتالونية المستقلة” على شكل جمهورية.

– 11 تشرين الثاني 2015: قبلت المحكمة الدستورية الطعن الذي تقدمت به الحكومة الإسبانية للبت في دستورية قرار “عملية تأسيس الدولة الكاتالونية المستقلة”.

– 31 كانون الأول 2016: رفض رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي بشكل قاطع إمكانية إجراء أي استفتاء في كاتالونيا.

– 10 حزيران 2017: أعلنت الحكومة الإسبانية تؤكد أنها ستعرقل أي محاولة لاستقلال كاتالونيا.

– 6 أيلول 2017: أقرّ برلمان كاتالونيا قانونا يحدد أسس الاستفتاء على استقلال الإقليم.

8 أيلول 2017: أصدرت المحكمة الدستورية الإسبانية تصدر قرارا بوقف قانون الاستفتاء على تقرير مصير كاتالونيا.

1 تشرين الأول 2017:  نظمت حكومة الإقليم استفتاء الانفصال عن إسبانيا، بمشاركة نحو 2.26 مليون شخص، وأعلنت تأييد 90 في المئة من الناخبين للاستقلال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق