سياسة واقتصاد

تركيا: أسرار الانقلاب الفاشل ما زالت عصية على الكشف

بعد عام على المحاولة الانقلابية الفاشلة على نظام رجب طيب أردوغان، ما زال الكثير من أسرار تلك الأحداث التي هزّت تركيا ليل 15-16 تموز العام 2016، عصية على الكشف، ما يثير الكثير من التكهنات، بشأن الرواية الرسمية لما جرى، والأدوار التي قامت بها جهات عدّة، في تركيا وخارجها، في تلك الحركة الانقلابية التي لم فشلت بسرعة قياسية.

من يقف خلف الانقلاب؟

تقول الحكومة التركية أن المحاولة الانقلابية، التي أسفرت عن مقتل 240 شخصاً، يقف وراءها فتح الله غولين، الداعية الاسلامي، الذي كان في السابق حليفاً لرجب طيب أردوغان، والمقيم في منفى اختياري في الولايات المتحدة.

في الواقع فإن أتباع غولين نجحوا في التغلغل داخل مؤسسات الحكم في تركيا، طوال عقود عدّة. علاوة على ذلك، فإن ثمة أدلة على أن الغولينيين كانوا منخرطين في الحركة الانقلابية الفاشلة. وعلى سبيل المثال، فإن اثنين من اتباع غولين، هما عادل اوسكوز وكمال باتماز، قد ألقي القبض عليهم في القاعدة الجوية التي كانت مركز علميات للانقلابيين. كذلك، فإنّ خلوصي اكار، القائد العسكري الذي اعتقل من قبل الإنقلابيين، أدلى بشهادة بعد الحركة الفاشلة، أكد فيها أن أحد القادة العسكريين عرض عليه الحديث مع غولين، عبر الهاتف. كما أن أحد مساعدي أكار – وقد ساعد على القاء القبض عليه في تلك الليلة العصيبة – أقرّ بأنه غوليني، برغم الشكوك، في أن هذا الإقرار قد جاء تحت ضغوط المحققين.

وإذا ما سلّمنا جدلاً بالرواية الرسمية، المدعّمة ببعض الاعترافات، فإن السؤال الجوهري الذي لم يجب عليه أحد حتى الآن، يكمن في تحديد ما إذا كان الغولينيين قد تحرّكوا من تلقاء أنفسهم، أم أن جهة أخرى كانت تقف وراءهم أو شاركتهم الحركة الانقلابية، خصوصاً أن كثيراً من الضباط الموقوفوين نفوا أية صلة بينهم وبين الحركة الغولينية.

وبحسب وكالة الاستخبارات التابعة للاتحاد الأوروبي، فإنه يعتقد أن المحاولة الانقلابية قد شملت إلى جانب الغولينيين، أطرافاً أخرى، كالعلمانيين أو حتى الانتهازيين. ولا يعتقد مسؤولو الوكالة الاستخباراتية أن فتح الله غولين نفسه منخرط مباشرة في الانقلاب.

من كان على علم بالانقلاب.. ومتى؟

بعد فشل المحاولة الانقلابية، ترددت معلومات تفيد بأن الاستخبارات التركية سبق أن حذرت من تحرّك خطير قبل ست ساعات على الأقل من بدء التحركات العسكرية ليل الجمعة 15 تموز/يوليو. وقد أدلى أحد الضباط – اكتفي بذكر الحرفين الأولين من اسمه “أو.كا” – بإفادة في التحقيقات، أقر فيها بأنه كان مكلفاً من قبل قادة الانقلاب باعتقال رئيس جهاز الاستخبارات حقان فيدان، ولكنه سرعان ما بلّغ مكتب رئيس الاستخبارات مباشرة، الذي أبلغ الأمر، بدوره، إلى خلوصي اكار. وبحسب الإفادة التي أدلى بها الضابط، فإن التحذير بشأن اعتقال فيدان تضمن إشارة إلى أن هذه الخطوة قد تكون جزء من محاولة لقلب نظام الحكم.

ويشير بعض المحللين إلى أن خطوات حقان فيدان وخلوصي اكار اللاحقة كانت بطيئة بشكل غريب.

وبحسب إفادة خطية قدمها إلى البرلمان، فإن فيدان أقرّ بأنه لم يتصل بمكتب الرئيس التركي إلا عند الساعة 7:26 مساءاً. وحتى ذلك الحين لم يتحدث إلى الرئيس ولم يشرح لمرؤوسي أردوغان بالضبط ما يحدث. وفي وقت لاحق من ذلك المساء، التقى فيدان أحد قادة المعارضة السورية، كما لو لم يكن هناك ما يدعو للقلق.

كذلك، فإنّ خلوصي أكار، وبحسب إفادته، لم يأمر سلاح الجو التركي بالتحرك الا عند حوالي الساعة 6:30 مساءً، وقد أمر بإغلاق بعض قواعد الجيش التركي فحسب.

كذلك، أثارت تصريحات أردوغان بشأن تسلسل الأحداث بعض التساؤلات. وقال اردوغان أنه تلقى تم تحذيراً من نشاط عسكري غير اعتيادي عند الساعة 4:30 بعد الظهر، من قبل شقيق زوجته، وإنه حاول الاتصال بحقان فيدان وخلوصي اكار فى حوالي الساعة الخامسة مساء، ولكنه لم يتمكن من الوصول الى اي منهما.

هذا الغموض، بشأن ما حدث في الساعات التي سبقت الانقلاب، أثارت شكوكاً في الأوساط التركية المعارضة، بأن الحكومة التركية ربما سمحت بالانقلاب أو حتى شجعته من أجل تبرير الحملات اللاحقة.

لماذا لم ينفذ الانقلاب بحرفيّة؟

وفى بداية الانقلاب بدأ الجنود المتمردين فى قطع الطرق والجسور فى حوالى الساعة 10:30 من  ليل الجمعة 15 تموز/يوليو، وهو الوقت الذي يكون فيه معظم الأتراك مستيقظين. وثمة من يرى أن ذلك التوقيت غريب جداً لبدء عملية تعتمد على مفاجأة. ولكن بعض المراقبين يقولون إن الحركة الانقلابية كان يفترض أن تبدأ في وقت لاحق من الليل، ولكن تمّ تسريعها، وتقريب الساعة الصفر، بعدما ادرك قادة الانقلاب ان أمرهم انكشف.

واذا التفسير الأخير بشأن تقريب الساعة الصفر منطقياً، إلا أنه يصعب تفسير الكثير من الخطوات والقرارات الأخرى، ومن بينها قيام الانقلابيين باحتلال مقر محطة التلفزيون الرسمية “تي أر تي”، في وقت مبكر من المساء، للإعلان عن البيان رقم واحد، ولكنهم احجموا عن احتلال القنوات التلفزيونية الخاصة، التي كانت تستضيف المسؤولين الحكوميون على الهواء طوال الليل، وهو أمر كاف لكي تواصل الحكومة التركية التأثير في الرأي العام.

كذلك، فإنّ الانقلابيين حاولوا بالفعل توقيف اردوغان، ولكنهم لم يبذلوا سوى محاولات قليلة لاعقتال الشخصيات الحكومية المهمة الأخرى.

علاوة على ذلك، فإنّ الملابسات المرافقة لمحاولة اعتقال اردوغان كانت غريبة، فقد تم إرسال وحدة عسكرية لإلقاء القبض عليه، من أحد المنتجعات البحرية في جنوب غرب البلاد، ولكن أمر التحرك تأخر كثيراً. وفي جلسة استماع، عقدتها المحكمة التركية المكلفة التحقيق في ملابسات الانقلاب، قال أحد الجنرالات، ويدعى غوخان سونميزيتس، إنه تلقى أمراً بالانتظار، وهو قرار غريب جداً. وتساءل “من ضللنا… جعلنا ننتظر أربع ساعات” للتحرك؟

ما الذي كانت تعرفه الدول الكبرى عن الانقلاب؟

ثمة انطباع في تركيا، بأن رد الفعل الدولي على الحركة الانقلابية، كان بطيئاً وخجولاً، وظل مرتبطاً بتسلسل الأحداث، وهو ما دفع بمؤيدي اردوغان إلى الاعتقاد بأن الحركة الانقلابية كانت تحظى بدعم ضمني من قبل حلفاء تركيا، بما في ذلك الولايات المتحدة. وبالرغم من أن لا دليل واضحاً لهذه المزاعم، إلا أن وجود فتح الله غولين في الولايات المتحدة يعزز التكهنات بشأنها.

علاوة على ذلك، فإن الجنرال الأميركي مايكل فلين، الذي تولى في ما بعد، لفترة وجيزة، منصب مستشار الأمن القومي في بداية عهد الرئيس دونالد ترامب، قد صرّح بأنه كان على علم مسبق بالحركة الانقلابية، من قبل أحد أصدقائه الضباط في تركيا، مشيراً إلى أنه أبدى تأييده للانقلاب.

من جهة أخرى، فإن الحكومة الروسية كانت على علم، بدورها، بخطط الانقلاب، وقد حذرت الحكومة التركية بالفعل. وبحسب أحد ممثلي بلدية أنقرة، فإن الكسندر دوجين، الأكاديمي الروسي القريب من الكرملين، قد حذّر المشرّعين الأتراك، ومسؤولين في الاستخبارات التركية، من نشاط عسكري غير معتاد قبل بدء الحركة الانقلابية.

ما مصير عادل اوكسوز؟

كان عادل اوكسوز، وهو أستاذ في العلوم الدينية، احد المدنيين اللذين اعتقلا بالقرب من القاعدة الجوية صباح اليوم التالي للانقلاب، وقد اتهم بقيادة الحركة الانقلابية. ولكن بعد يومين من الاعتقال، أطلق سراح اوسكوز، بناء على أمر أصدره قاض، اعترف لاحقاً بأنه من مناصري غولين.

وبعد الإفراج عنه، اختفى أوكسوز، ولا يزال مكان وجوده هو موضوع تكهنات واسعة.

وتقول وسائل الإعلام الموالية للحكومة أن الولايات المتحدة تختبئ أوكسوز وتشير إلى تقارير تفيد بأن المسؤولين القنصليين الأميركيين حاولوا الاتصال به في 21 تموز/يوليو، أي بعد ستة أيام من بدء الانقلاب. ولكن سفارة الولايات المتحدة في تركيا قالت إنها تحاول ببساطة إخطاره بأن تأشيرته للسفر إلى الولايات المتحدة قد ألغيت بناء على طلب الحكومة التركية!

(عن “واشنطن بوست” – ترجمة “بوسطجي”)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق