*

“الأحد الدامي”… يوم مفصلي في انهيار عائلة رومانوف!

كان التاسع من كانون الأول عام 1905، يوماً مفصلياً في المسار الانحداري لنهاية عهد عائلة رومانوف. هذا اليوم، قد يكون أكثر أهمية من أيام شباط وتشرين الأول عام 1917، إذ مثّل، في حقيقة الأمر، بداية الشرخ في العلاقة بين الشعب الروسي وقيصره – الباتيوشكا (القيصر الصغير).

حتى ذلك الحين، كان المثل الذي يتردد على لسان الفلاحين الروس: “الله عالٍ جداً – القيصر بعيد جداً”، خير تعبير على حصانة القيصر من المساءلة، وبراءته من تحمّل المسؤوليات: باختصار، إذا كان الشعب يعاني من المآسي، فإنّ تجاهل القيصر لحالهم، مردّه في الواقع إلى البنى الوسيطة في جهاز الدولة الروسية، بجناحيها البيروقراطي والارستقراطي.

ولكن كلّ شيء تبدّل في ذلك “الأحد الدامي”، يوم التاسع من كانون الأول عام 1905، فالمسيرات التي شارك فيها أكثر من 150 ألف عامل، ساروا، بصحبة عائلاتهم، في شوارع سانت بطرسبورغ انتهت بمجزرة، انتهت بصدمة عارمة  في صفوف الروس: كيف يقبل القيصر بأن تُفتح النيران على الحشود، وأن يقتل أكثر من مئتي شخص، ويصاب أكثر من ثمانمئة، على مقربة من قصر الشتاء، وذلك لمجرّد أنّ هؤلاء العمال استجابوا لنداء من قبل الكاهن غاسبون، بغرض تقديم التماس إلى سيّد البلاد لتحسين ظروف حياتهم المزرية؟!

بعد ثلاثة أسابيع على ما بات يُعرف بـ”الأحد الدامي”، اغتيل الدوق سيرج، عم القيصر نيكولاي الثاني، في موسكو. وفي تشرين الأول، شلّ إضراب عام مناطق عدّة في روسيا.

الفرصة الضائعة

بضغط من الكونت ويّتي، الوزير الأول، وابن عمه الدوق نيكولاس، وقّع القيصر نيكولاي الثاني على عريضة تعترف ببعض الحريات الأساسية، إلى جانب إصلاحات سياسية محدودة، ولكن غير مسبوقة، شملت تأسيس مجلس للنواب (الدوما).

لم ينتظر نيكولاي الثاني كثيراً حتى ينقلب على الإصلاحات السياسية، إذ عمد إلى حلّ أوّل مجلسي دوما، في العامين 1906 و1907، فيما بات المجلس الثالث “دوما الأسياد”، الذي كرّس في سياساته عدم المساواة على المستوى الاجتماعي.

هكذا، فوّت نيكولاي الثاني على نفسه فرصة التحوّل إلى قيصر تنويري.

في العام 1914، أتت الحرب العالمية الأولى لتزيد الأمور تعقيداً على حكم عائلة رومانوف. ومع أن تسلسل الأحداث في تلك الحرب، ووقعها القاسي على روسيا، كان من بين العوامل الرئيسية، التي مهّدت لسقوط الحكم القيصري، إلا أن كثيراً من المؤرخين يعتقدون أن الثورة كانت ستأتي، بتلك الحرب الكونية أو من دونها، فالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية كانت قد بلغت في عهد نيكولاي الثاني مستوى غير مسبوق في خطورتها، على النحو الذي ينذر بالانفجار العام.

مرّة جديدة، أحجم القيصر عن الاستفادة من الفرص الإصلاحية، فتشددّ في نزعته المحافظة، من دون أن يتنبه إلى تطوّر المعارضة العمالية، التي صارت أكثر عدداً، وأكثر قدرة على رفع برنامج للتقدّم الاجتماعي، على نقيض النخبة الاقتصادية التي كانت تسعى إلى مجرّد إصلاحات سياسية.

لم يستخلص القيصر نيكولاي الثاني دروس العام 1905، والتي كان يمكن أن تحمي عرشه، ولذلك يمكن القول إن ذلك العام كان عام الفرصة الضائعة.

 

مأزق الأوتوقراطية

 

كان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه نيكولاي الثاني يتمثل في رفض تطوير نظام الحكم. في شباط العام 1913، وخلال الاحتفال بالمئوية الثالثة لعرش عائلة رومانوف، أظهر القيصر ميلاً مفرطاً في التمسك بالصورة التقليدية البيزنطية للحاكم،  فقدّم نفسه سيّداً إقطاعياً لروسيا، وحاكماً بأمر الله، متحرّراً من كل القيود القانونية، أو حتى البيروقراطية، في علاقته المباشرة مع الشعب الارثوذكسي، من دون أن يأخذ في الحسبان، أن هذا النمط من الحكم بات مناقضاً للتطوّر الذي راحت تشهده روسيا منذ بداية القرن العشرين.

في الواقع، يمكن إرجاع تلك النزعة المحافظة إلى تأثير معلّمه بوبيدونوستسيف، الذي تولّى رعايته، ووجد فيه القيصر الشاب أباً ثانياً، بعد الصدمة التي حلّت عليه، غداة اغتيال جدّه القيصر الإصلاحي الكسندر الثاني. وربما يكون مردّ ذلك أيضاً إلى رد الفعل العكسي الذي انتهجه سلفه القيصر الكسندر الثالث، الذي تبنّى فكرة الدكتاتورية الشعبية.

وعلاوة على ذلك، فإن عاصمة القياصرة، سانت بطرسبورغ، والتي استمدت اسمها من مؤسسها القيصر بطرس الأكبر، كانت بالنسبة إلى نيكولاي الثاني، مدينة كبيرة جداً، بطابعها الغربي، وهو ما يفسر إلى حد ما، الارتباك الذي واجهه في إدارة شؤون الحكم.

يضاف إلى ما سبق أن الامبراطورة الكسندرا، كانت تتشارك زوجها، الوجهة ذاتها، تجاه طريقة إدارة الحكم، لا بل فرضت نفسها فوق القيصر نفسه، ما زاد الأمور تعقيداً، علماً بأنّ الأمبراطورة كانت تفتقد إلى الشعبية، وصارت موضع انتقادات حادة، لا سيما بعد الحملات التي شنّت ضدها، على خلفية علاقتها الملتبسة بالكاهن راسبوتين… وأيضاً بسبب أصولها الألمانية.

الخطأ القاتل!

اكتملت فصول مأزق القيصر نيكولاي الثاني باندلاع الحرب العالمية الأولى، إذ قرّر قيادة الجيش الروسي بنفسه. وبعد فترة قصيرة من الحماسة الوطنية، راح التململ والشك يدبّان في صفوف الشعب الروسي، الذي بات على قناعة تامة، بأنّ بلده غير مستعد للحرب، خصوصاً بعد الهزيمة القاسية التي منيت بها الامبراطورية الروسية في حربها مع اليابان في العام 1904، وهو ما تأكد بالفعل، حين خسرت روسيا المناطق الصناعية في البلطيق وبولونيا، ما شكل ضربة قوية للاقتصاد الروسي، في حين أدّى الحصار البحري الذي فرضه الأعداء على الممرات المائية في البلطيق والدردنيل إلى تقلّص المخزون الغذائي، وارتفاع أسعار السلع إلى مستويات تفوق قدرة الروس على التحمّل، علاوة على أن أعداد القتلى من الجنود بدأت تشهد تزايداً هائلاً ابتداءاً من العام 1905.

في بادئ الأمر، حاول الوزراء اقناع نيكولاي الثاني بالتخلي عن قيادة الجيش الروسي، لكنّهم أخفقوا في ذلك، بسبب تلك الصورة التي أردا القيصر أن يحتفظ بها لنفسه – سيّد روسيا – وعلى هذا الأساس، فإن تمسّكه بالسلطتين السياسية والعسكرية معاً، جعله يتحمّل بشكل كامل المسؤولية عن كل ما ترتّب من هزائم في الحرب العالمية.

ومن أصل 13 وزيراً، تقدّم ثمانية وزراء باستقالتهم من حكومة القيصر، الذي سرعان ما استدعاهم، ليبلغهم برفض تلك الاستقالات، وبأنّ ثمة حاجة إلى إجراء تعديلات على الخطط الحربية، لاتخاذ زمام المبادرة، أو تخفيف الخسائر.  ومن بين تلك التعديلات، كان نقل مقر العمليات العسكرية إلى منطقة موغيليف، وهو ما شكّل الخطأ القاتل الذي وقع فيه نيكولاي، إذ ابتعد عشرات الكيلومترات عن سانت بطرسبورغ، ما يعني بعبارة أخرى، النأي بالنفس عن كل التطوّرات التي كانت تجري في العاصمة من جهة، وإفساح المجال للامبراطورة الآمرة الناهية، من الناحية العملية، لكي تتحكم بكل ما يتعلق بشؤون الحكم الداخلية، ما انعكس، بطبيعة الحال، مزيداً من السياسات المحافظة في مجتمع كان يشهد حالة غير مسبوقة من الغليان.

العجز… والإنكار

كان نيكولاي الثاني يظهر ميلاً مفرطاً للأوتوقراطية، إلا أنه كان يفتقد، في الواقع، إلى العوامل الشخصية والانجازات الوطنية، التي تؤهله لذلك، خصوصاً بعدما راحت التطوّرات السياسية والعسكرية تكبّل يديه. في العام 1916، آلمت القيصر حادثة اغتيال راسبوتين، فاعتكف طوال شتاء ذلك العام في تسارسكاي سيلو، منكباً على الخرائط الحربية، دونما قدرة على اتخاذ أي قرار.

وفي ظلّ الأحداث المتسارعة سياسياً في الداخل، وعسكرياً على جبهات الحرب العالمية الثانية، كان الجميع يترقب الكارثة الآتية… إلا شخصان: القيصر وزوجته!

وفيما كانت الثورة تدق الأبواق، حاول بعض أفراد العائلة الحاكمة إنقاذ الموقف، ومن بيهم الدوق بول والدوق الكسندر ميخائيلوفيتش، اللذين اقترحا على القيصر طرح دستور، يرضي الشعب الروسي، ويتضمن إصلاحات سياسية، من قبيل أن تحظى الحكومة بثقة البرلمان، لكن ذلك قوبل بالرفض، حتى أن نيكولاي الثاني تجاهل مجرّد طلب بسيط من رادزيانكو، رئيس آخر مجلس دوما في العهد القيصري، بتسمية رئيس للوزراء أهل بالثقة، حين تنبيهه إلى خطورة الموقف بعبارته الشهيرة: “سيدي، لم يعد حولك أي شخص موثوق شريف، لقد أبعد أفضل الرجال، أو ابتعدوا بمحض إرادتهم، ولم يبقَ إلا ذوي السمعة السيئة”.

كانت تلك آخر محاولات انقاذ العرش القيصري… قبل أن تتالى الأحداث، وتشتعل شرارة الثورة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق