مدوّنة

الأقباط لم يصفقوا في قداس الميلاد

جاء صوته منكسراً، حين بدأ عظة قداس عيد الميلاد (6 كانون الثاني/يناير 2011)، اقتضب في تهنئة الأقباط، لصالح عزاء مفصل لـ”شهداء” كنيسة القديسين بالإسكندرية، وذكّر بضحايا أحداث نجع حمادي، حيث وجبت ذكرى الاغتيال الأولى.

في الكنيسة يخضع العيد لأجوائه، وتعود الأجواء على ما يتبعها دائماً…

(1)

على أعتاب الكاتدرائية المرقسية في العباسية، أمسك مراسل التلفزيون المصري بـ”الميكروفون”، متغزلاً في الحالة المصرية الجامعة، الحشود التي اطصفت تعاطفًا مع الأقباط على خلفية حادث”القديسين”، معدن الشعب المصري الصامد في وجه المؤامرات، و زعيم-حسب وصفه-ينشغل عقله وقلبه بهموم مصر.

في الخلفية صوت الترانيم لا يعبأ بحديث تلفزيوني، بينما يستطرد المذيع قائلًا: “هذه حالة من السعادة والوفاء لم أشعر بها من قبل.

(2)

“يرأس البابا شنودة الثالث قداس عيد الميلاد، ومن خلفه المسيحيون، والمسلمون”… انتهى التقرير التليفزيوني وصعد البطريرك.

داخل الكنيسة المرقسية كان مرور البابا شنودة الثالث ممهوراً طوال الوقت بالتصفيق، والزغاريد. للراحل سحر خاص يعرفه المقربون. وللأقباط عفوية حاضرة في التعبير عن الحب، ولـ”شهداء القديسين” ألم حال دون ذلك كله، (ملامح البابا تناغمت مع سكون محبيه).

صعد البطريرك إلى كرسيّه، بينما تصدر نجلا مبارك (جمال وعلاء) واجهة الحضور للمرة الأولى… وللمرة الأولى يخفت الصوت، ويحل الصمت.

(3)

“قبل أن أهنئكم، أود أولًا أن أعزي أبناءنا في الإسكندرية، وفي بلاد عديدة من جهة استشهاد عدد كبير أبرياء لا ذنب لهم، كما أعزي أيضا أولادنا في نجع حمادي إذ قد مر عام على استشهاد عدد منهم”… قال البابا.

 “وإن كان المجوس قد قدموا للسيد المسيح في يوم ميلاده (ذهباً ولباناً ومُراً)، فإننا نقدم له هذه الأنفس الغالية علينا، وهنا أذكر قول السيد الرئيس مبارك: إن دماء أبنائنا ليست رخيصة”… لم يصفق أحد.

ثم ذكر الرئيس “وأشكره على تهنئته وتعزيته في المكالمة التي كانت بيننا وبينه في هذا اليوم”… فلم يصفق أحد.

 ثم كرر ذكره “وشكرا له لأنه جعل عيد الميلاد عيداً وطنياً… فلم يصفق أحد.

(4)

وكانت له نظرة ثاقبة، وعينان نافذتان،  يقول بهما، ويقرأ أيضًا..

وصلت رسالة الأقباط للبابا، أو العكس، فآثر السير في اتجاه الصمت المفروض على المكان، رحب بالمهنئين جملة واحدة، دون ذكر لأحد، حتى “جمال وعلاء” صاحبا الزيارة الاستثنائية لم يردا على لسانه في سياق الشكر. ألقى عظته في وقار يتسق مع مشاعر الحزن السائدة، وعيناه مثبتتان على جماهير تسربلت بالحداد، و حددت مشهد الميلاد.

 قبيل انتهاء عظته جدد شكره للرئيس- ولم يصفق أحد.

(5)

والتصفيق، عارضه البابا تواضروس الثاني ابتداءً (في أول قداس عيد ميلاد ترأسه بعد فوزه بالبابوية)  بقرار مجمعي، وكرره الأقباط في ما بعد بعقل جمعي.

كملمح عفوي في تقدير الضيوف، والمهنئين، نقيس به أحياناً شعبية الشخصيات العامة، ونعتبره جزءاً من مهام التغطية الصحفية.

وكنت اسأل صديقي -مايكل فارس- قبيل أن ينهي البابا عظته: هل يصفق الأقباط لـ”جمال مبارك”؟.. لكننا فوجئنا بعدم ذكره أصلًا، حيث كان للراحلين في حادث “القديسين” جلال، أطاح بـ”تسويق جمال”.

(6)

كان البابا شنودة مقربًا من “مبارك”، لكنها القلوب حين يسكنها الرثاء، لا يشغلها الاحتفاء.

والعلاقة بين البابا والرئيس-المخلوع- لخصتها حكاية قصّها عليّ مصدر كنسي وثيق الصلة بـ”البطريرك الراحل”، قال: أثناء ثورة 25 يناير أذاع التلفزيون المصري نبأ اتصال هاتفي جرى بين البابا شنودة ومبارك، فذهبت إليه، مستفسراً. قلت: “قداستك اتصلت فعلاً بالرئيس في الظروف دي؟”. قال: نعم، واستطرد: “يرضيك إنه يسأل عليّ في مرضي ومحنتي، ولا اتصل عليه في محنته، يرضيك أكون مش راجل”، فتأسفت، وجلست استمع لحكمته.

إذن، تعرف الأشياء بمسبباتها، والخبرة الوافرة تعكسها ردود نادرة، آسرة.

(7)

لماذا صفق الأقباط لـ”السيسي” بهذا الشكل رغم ألم حادث البطرسية؟-هذا سؤال يحتاج إلى تدقيق… حيث استسهال التعميم يحيل إلى شيء من التربص يضمره المعنى، ولمن لا يعرف فإن ثمة عاطفة تحكم التصرف داخل كاتدرائية العباسية في الاحتفالات الرسمية، تطغى أحيانًا على ملامح الرافضين للمبالغة.

والرفض حمَلَته تدوينات قبطية، رحبت بالزيارة، وتبرأت من زغاريد الإثارة.

بمعنى عامي كتبوا “شهداء البطرسية لسة ماربعنوش”- أي لم تحن ذكرى الأربعين بعد.

(8)

كحافز معنوي بعد سنوات التهميش، يتسق مع حالة لاشعورية أظهرتها الكاميرات، -هكذا فسر البعض رد فعل الأقباط فور دخول “السيسي” للكاتدرائية، و(للضيف واجب إكرامه، كما أن لحادث البطرسية مقامه).

وفي الخلفية، آخرون ينادون بأن ثمة معنويات أسر مكلومة أولى بالمراعاة.

ومعارضون استشهدوا بنص لـ”البابا تواضروس” قال فيه:  “وقار الكنيسة مهم خالص، أصل التصفيق جاب الزغاريد، والزغاريد جابت الصفافير، واحنا بنقفل الباب ده عشان نحافظ على وقار الكنيسة”.

(9)

وقد علمتنا التجربة، أن  للفرح ثابتان، موعد وزمان، وأحبة في المكان.

عبدالوهاب شعبان (القاهرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق