آراء وترجمات

الأكثر هشاشة

“علّمتُهم الحساب وبعضهم مثل أطفالي. لكنهم لم يكونوا الأقوى شخصيّة، بل الأكثر هشاشة”، هذا ما قالته نوريا بوربينا التي كانت تعمل في إطار برنامج إقليمي لمكافحة التهميش الاجتماعي، عندما رأت الهيكل التنظيمي لخليّة كاتالونيا وعرفت أنّ الإرهابيين كانوا تلامذتها.
“كانوا الأكثر هشاشة”، قالت، فتمكّن منهم الإمام المتطرِّف عبد الباقي السعدي المتّهم بتلقينهم أصول التطرّف، ممّا دفع أحدهم إلى الكتابة على صفحته في الإنترنت: “لو كنتُ سيّد العالم لقتلتُ جميع الكُفَّار”…
الأكثر هشاشة يصبح الأكثر عنفاً.
المقهورُ يَقهَر.

العالم كان ظالماً معهم، ولا أحد يشكّ في ذلك!
لكنّ ردّهم على العالم جاء بأدوات قديمة متخلّفة وبأسلحة تنتمي إلى زمن غير هذا الزمن.
الحرب غير متكافئة على الإطلاق مع أولئك الذين وجدوا مستقبلهم في ماضيهم، بل في أسوأ ما أنتجه ذاك الماضي.

أمضيتُ وقتاً طويلاً لأتخلّص من الحُكم الذي أطلقه مارسيل بروست على فيكتور هوغو…

كاتب “البحث عن الزمن المفقود”، اعتبرَ، في إحدى قراءاته النقديّة، أنّ نتاج هوغو “الشاسع” يبدو “رخواً، فَضفاضاً وبدون عَصَب” بالمقارنة مع كتاب واحد عنوانه “أزهار الشرّ”.

ليل أمس، وقع نظري بالصُّدفة على عبارة من نصّ مسرحي لِ هوغو:

“تفتح الرسالة وتقرأ:

“سيّدتي، هناك، تحت قدميكِ، في الظلّ، رجلٌ يُحبّكِ.
“تائهٌ في الليل الذي يَحجُبه. ويُعاني معاناةَ دودةِ أرضٍ تَعشَقُ نجمة
“لكِ تمنح روحها إذا لزم الأمر،
“وتموتُ في الأسفل فيما أنتِ، في الأعالي، تَلمَعين وتتألّقين”…

نعم، ثمّة نصوص في العِشْق تجعلك تشعر، وأنت تقرأها، أنك أنت نفسك عاشق.

آخر مرّة رأيتُ فيها شفيق عبُّود كانت في “غاليري كلود لومان” بمناسبة افتتاح معرضه الأخير. لمحتُه من بعيد، وهمَمتُ بالهرب. طلبتُ من أسادور وإيتيل أن نخرج على الفور ونشرب كأساً في المقهى المجاور.
بعد دقائق معدودة، سمعتُ صوتاً جارحاً قوياً يناديني باسمي. التفتُّ إلى باب المقهى ووجدته واقفاً هناك، جامداً في مكانه. ثمّ رأيته يتقدّم نحوي بعَتَب كبير. لم أقبّله كما كانت العادة. وحين صافحتُه، شعرتُ بيده المتلاشية تُثقل يدي، وهي غير اليد الصلبة التي أعرفها. اليد التي لعبَت وتلاعبت باللون والضوء طوال أكثر من نصف قرن…
في غضون أيّام قليلة، تغيَّرت ملامح وجهه، وكانت عيناه غائرتين في محجريهما وقد نضح منهما الخوف الذي لا يعرفه إلاّ من دنا، وهو في كامل وعيه، من تلك الحافة…
أعود إلى شفيق عبّود اليوم بعد أن مررتُ أمام محترفه، بالقرب من حديقة “مونسوري”، وسمعتُ رنّة صوته الأليفة في داخلي، وأحسستُ أنّني حين هربتُ منه، آخر مرة رأيته فيها، فلأنني كنتُ رافضاً لفكرة موته، وكنتُ كالقطّة التي تجد أحد صغارها بلا حراك. تقترب منه وسُرعان ما ترتدّ إلى الوراء…

أرفع بصري عن الصحيفة التي بين يديّ. أجد امرأة تجلس على طاولة إلى جانبي في أحد مقاهي سوهو. المرأة حامل. تقرِّب من شفتيها كوباً من عصير البرتقال. تأخذ جرعة منه وتنظر نحو الشارع. تضع الكوب أمامها على الطاولة. بِحَرَكَة من يدها تُبعد خصلة من شعرها عن جبهتها، ويظلّ نظرها عالقاً في الخارج. ألتفت إلى الصحيفة لا لكي أتابع قراءة المقال الذي كنتُ أقرأه، وإنما لأشيح بنظري عنها فلا تتنبّه إلى حضوري.

تمرّ لحظات طويلة ونظري ثابت في مكانه. لا أعاود النظر إليها ولا ألتفت إلى شيء. أفكّر في الدهشة التي يحدثها فيَّ دائماً مشهد امرأة حامل. وأفكّر في الكائنات التي لا تحتاج إلى شريك لكي تتكاثر، كالمَرجان، والبَرزَويّات، الحيوانات الأحادية الخليّة، ودود الأرض. تنشطر كلّها إلى قسمَين أو أكثر وتتعدّد. ثمّ ينقسم كلّ جزء منها ويتكاثر بدوره. نجوم السماء تتناسخ هي أيضاً وتولد من نفسها.
فجأة، أجدني أرفع نظري نحوها من جديد، وهي لا تزال جالسة في مكانها ونظراتها شاخصة في الخارج كأنّها في حالة انخطاف. تنفرج شفتاها قليلاً ثمّ لا تلبث الواحدة منهما أن تلامس الأخرى. تؤجّلان ابتسامة أو تحاولان إخفاءها. أشعر أنّ عينيها الواسعتَين، الملتمعتَين بضوء غريب، لا تَريان من العالم غيره. الكائن الذي يتحرّك في بطنها الآن. تتحسّسه وتتحدّث إليه.

أسمع صوتها فيَّ وهي تقول له:
حين تأتي الريح من الشمال أدور بك نحو الجنوب. أتأنّى في رسم كلّ حركة أقوم بها. براحَتَيّ الاثنتَين أحميك من البرد. أمدّدهما فوق بطني، ومعهما أمدّد نوازعي المأخوذة بك. كرةٌ أرضيّة صغيرة هذا البطن بين يدَيّ. ببطء أحرّك فوقه أصابعي. أتلمّسه كأنني أداعب خفايا العالم. أخالكَ تنبت في كلّ عضلة وفي كلّ خليّة. أسمع طَرقاً على البطن، تَلاطُمَ أمواجٍ تحاكيها بيديك وقدميك. هل تنبّهني بذلك إلى وجودك أم أنك تقول: سئمتُ البقاء هنا وأريد أن أخرج؟ ألهذا تتحرّك كلّ هذا الحراك، تتمطّى وتنقبض؟ لكنك لا تزال في نهاية شهرك الثامن. تمهَّل ولا تغضب، لم يبقَ إلاّ القليل. كأنني أسمعك تقول: ولماذا لم يكن الحمل تسعة أسابيع أو تسعة أيام فقط؟ يتضاعف لطمكَ للداخل. داخلي هو أو داخلك أنت؟ كفى. إهدأ قليلاً. سأنهض الآن وآخذكَ إلى المكان الأرحب. إلى حيث ينمو النبات ويتدفّق الماء. بخطوات متثاقلة نتقدّم في شمس الظهيرة. ومعاً نقترب من الأشجار، نتلمّسها، ونختار الظلال الأجمل لنستظلّ بها.
أجراس معلّقة فوق قوس قزح. أمواج من نور تأخذ الأرض إلى مقلبها الآخر. أفكّر أحياناً كيف بالإمكان أن تخرج منّي وتظلّ ساكناً قرب دقّات قلبي. ستقول: غريبة والدتي وأنانيّة. تريدني فقط عضواً من أعضائها، نفَساً من أنفاسها. وتريدني لها.

أنتَ لي!
ما الذي يحدث لجسدَينا الآن وما الذي سيحدث؟ هل سنفترق فعلاً في الغد الآتي؟ أشتاق إليك وأنتظر رؤيتك، ولا أريد أن أفرغ منك! هل يرغب النهر في أن يفرغ من مائه؟ أنتَ نهري ومائي، وأنتَ الأزرق الذي يَرفَعُ السماء الأجمل من كلّ سماء.

منتصف الليل. في الجسد الواحد نحن، وفي سرير واحد. أتسلّل إليك وأبحث فيَّ عنك. أخاف وتزداد دقّات قلبي. هل هو قلبك أم أنّه قلبي الذي يرتعش ويفيض! قلبان ينبضان في جسد واحد، يستويان فوق النشيد. نَبضُ مَن هذا النبض المزدوج، أم أنّه المدّ والجَزر؟ إبحارٌ، لكن إلى أين؟

أصواتٌ ترتفع قربي في المقهى تضع حداً لشرودي. ألتفت إلى حيث المرأة الحامل فأراها لا تزال تنظر نحو النافذة. تطالعني عيناها الواسعتان وقد ازدادتا اتساعاً. تبرق في وجهي نظراتها التي تشبه طيران الفراشات المنتشية بالضوء، المترنّحة كالدُّمى تحرّكها خيوط الشمس.

(من كتاب “مدينة في السماء”، دار التنوير، ٢٠١٢)

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في فيسبوك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق