سياسة واقتصاد

الانسحاب الروسي من سوريا: الحيثيات والتداعيات

شكّل اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن انسحاب “جزئي” للقوات الروسية من سوريا مفاجأة صاعقة، ليس في سوريا فحسب، وانما في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، التي بدا واضحاً انها علمت بالخطوة الروسية بعد اعلانها، وهو ما تبدّى في الارباك الذي ساد في واشنطن، والذي سرعان ما بدأ يتلاشى بعد الاتصال الهاتفي الذي اجراه بوتين بالرئيس باراك اوباما.

حتى الآن، ما زالت المعلومات المتوافرة بشأن حيثيات قرار بوتين قليلة، وثمة قناعة راسخة باستحالة تحديد ما يدور في ذهن الرئيس الروسي بدقة، لا سيما في ما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالامن القومي الروسي. ومع ذلك، فإن ثمة معطيات متوافرة، يمكن جمعها وترتيبها، بما يجعل ممكناً تحديد ملامح اولية لأبعاد الخطوة الروسية.

الاعلان الرسمي عن سحب القوات

جاء اعلان بوتين عن سحب “الجزء الرئيسي” للقوات الروسية خلال اجتماع عقده مع وزير الخارجية سيرغي لافروف ووزير الدفاع سيرغي شويغو في الكرملين.

استُهل الاجتماع بتصريح لشويغو تناول نتائج العملية العسكرية في سوريا:

لقد تم طرد الارهابيين من اللاذقية، واعيدت الاتصالات مع حلب، وباتت تدمر تحت الحصار وتستمر العمليات القتالية لتحريرها من الجماعات المسلحة غير الشرعية. لقد تمكنا من تطهير معظم انحاء محافظتي حماه وحمص، ونجحنا في فك حصار دام اكثر من ثلاث سنوات عن قاعدة كويرس الجوية، كما تمكنّا من تأمين السيطرة على حقول النفط والغاز قرب تدمر، بينها ثلاثة حقول عادت لتعمل حالياً بشكل طبيعي.

بعد ذلك، تناول لافروف بعض النقاط المرتبطة بالعملية السياسية:

لقد دعونا بشكل دؤوب الى حوار سوري-سوري انطلاقاً من القرارات التي اتخذت في العام 2012. اقتراحاتنا لم تتوافر لها الارادة اللازمة من قبل الشركاء المنخرطين في هذه العملية. ولكن، منذ بدء عمليات قواتنا الجو-فضائية، بدأت الامور تتغير. تم التوصل بشكل متدرج الى بعض الخطوات الأولية. بدأ ذلك بإجراء محادثات مع الرئيس باراك أوباما، وبادر الجانبان الاميركي والروسي الى التحضير لعملية تفاوضية واسعة بين الاطراف السورية تحظى بدعم خارجي. تم تشكيل مجموعة دعم دولية حول سوريا ضمّت اللاعبين الأساسيين، من دون اي استثناء، بما في ذلك القوى الاقليمية. الاتفاقات المتعلقة بمعايير العملية السياسية، والتي تم التوصل اليها داخل هذه المجموعة الدولية، جرت الموافقة عليها بموجب قرارين صادرين عن مجلس الأمن الدولي، كرسا ثلاث خطوات للمسار السياسي: وقف الاعمال العدائية، ايصال المساعدات الانسانية للمناطق المحاصرة على نطاق واسع، وبدء المفاوضات السورية.

بعدها، كانت مداخلة لبوتين قال فيها:

اشعر ان الاهداف التي تم تحديدها من قبل وزارة الدفاع والقوات المسلحة قد تم انجازها بشكل عام، ولهذا فقد امرت وزارة الدفاع بالشروع في سحب الجزء الاساسي من وحداتنا العسكرية من الجمهورية العربية السورية ابتداءً من يوم غد. وقد طلبت من وزارة الخارجية ان تكثف مشاركة روسيا الاتحادية في العملية السياسية الهادفة الى ايجاد حل للمشاكل السورية. وفي الوقت ذاته، فإن القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس ستواصلان عملهما كما في السابق، وينبغي حمايتهما من البر والبحر والجو. جزء من وحداتنا العسكرية متواجد في سوريا منذ سنوات، واليوم، ينبغي عليها ان تواصل العمل على مراقبة وقف اطلاق النار وايجاد الشروط المناسبة للعملية السياسية.

طبيعة الانسحاب

من الواضح ان الحديث يدور عن انسحاب جزئي وليس انسحاباً كاملاً. وهذا الامر اكده بوتين بشكل لا يحمل تأويلاً من خلال اشارته الى سحب “الجزء الرئيسي” من الوحدات العسكرية الروسية، وتأكيده على استمرار العمل في قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وحمايتهما من البر والبحر والجو.

ويستدعي هذا الامر، بحسب تصريحات مسؤولين عسكريين روسيين، إبقاء ما يقرب من ألف جندي روسي في سوريا، وعدد غير محدد من الطائرات الحربية والطوافات لاغراض التدخل السريع والمراقبة، بالاضافة الى منظومات الدفاع الجوي الضرورية لحماية القاعدتين العسكريتين في حميميم وطرطوس، اذ من المستبعد، بطبيعة الحال، ان تعمد روسيا الى ترك هاتين القاعدتين العسكريتين بالنظر الى اهميتهما الاستراتيجية في الشرق الاوسط ومنطقة شرق البحر الابيض المتوسط.

وبناء عليه، فإن بوتين ترك الخيارات العسكرية مفتوحة، سواء لجهة استمرار تسليح الجيش السوري ومؤازرته في التدريب وتوفير المعلومات الاستخبارية ودعمه بالعمليات الخاصة، او لجهة استخدام القوة المباشرة حين تستدعي الحاجة ذلك.

وفي هذا الاطار، كان ملفتاً ان الاعلان عن بدء الانسحاب لم ينعكس كثيرا على مجريات العمليات الميدانية في مدينة تدمر، حيث شارك سلاح الجو الروسي بغارات على محيط المدينة، وذلك لدعم العمليات القتالية التي يقوم بها الجيش السوري لاستعادة المدينة الاثرية من قبضة تنظيم “داعش”.

وكان نائب وزير الدفاع الروسي نيقولاي بانكوف واضحاً حين قال ان الطائرات الروسية ستواصل ضرب “الاهداف الارهابية”، فيما اوضح المندوب الروسي لدى الامم المتحدة فيتالي تشوركين ان روسيا ستحتفظ بوجودها العسكري في سوريا، ويشمل ذلك الطائرات من دون طيار الضرورية لمراقبة وقف اطلاق النار، بالرغم من ان الجهود الروسية ستركز في الفترة المقبلة على حل سياسي للصراع السوري.

تحقيق اهداف المهمة

يستدعي قول بوتين ان المهمة الروسية “انجزت بشكل عام” تحديد اهداف هذه العملية.

ولكن قبل تحديد الاهداف، لا بد من التوقف عند امرين:

  • استخدم بوتين وصف “بشكل عام”، في معرض حديثه عن اكتمال المهمة العسكرية، وهي عبارة تحمل مدلولاً خاصاً، وتعني ان نتائج المهمة العسكرية كانت “جيدة”، بمعنى انها كانت اكثر من “مُرضية” وأقل من “ممتازة”.
  • كلام بوتين يتناول بشكل حصري المهمة العسكرية التي بدأت في 30 ايلول العام 2015، وليس التدخل الروسي (بجانبيه العسكري والسياسي) في سوريا.

من هنا ينبغي تحديد مستويين من الاهداف المرتبطة بالتدخل العسكري الروسي في سوريا:

المستوى الاول لاهداف التدخل الروسي في سوريا، حدده بوتين في خطابه امام الجمعية العامة للامم المتحدة بأمرين، هما مكافحة الارهاب وتأمين شروط الحل السياسي للازمة السورية.

ومن المؤكد ان هذين الهدفين لا يمكن تحقيقهما بجهود روسية احادية، وانما عبر اطار “الشراكة الدولية”.

وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند مجموعة ملاحظات:

  • خلافاً لما يروّج له في وسائل الاعلام الدولية والعربية، فإن الهدف الاستراتيجي لروسيا – في الوقت الحالي على الاقل – ليس استعادة نظام الثنائية القطبية التي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وانما العمل على تشكيل نظام متعدد المصالح (وليس الاقطاب).
  • تتعامل روسيا مع المشهد الدولي بواقعية شديدة، فهي تدرك انها ما زالت لاعباً دولياً ضعيفاً– برغم تصاعد مكانتها وتأثيرها ونفوذها قياساً لما كانت عليه في التسعينات – وأن موازين القوى العالمية الحالية تختلف بشكل جوهري عما كانت عليه في ظل وجود الاتحاد السوفياتي.
  • انطلاقاً من تلك الواقعية السياسية، تسعى روسيا الى ربط تحرّكاتها بمبدأ “الشراكة الدولية”، الذي تحدث عنه الرئيس فلاديمير بوتين بشكل مستفيض في كلمته الاخيرة امام “منتدى فالداي”. وفي ما عدا الحالة الاوكرانية – باعتبارها مسألة تمس الامن القومي الروسي بشكل مباشر – فإن بوتين كان حريصاً على وضع كل تحركاته الدولية في إطار “الشراكة الدولية”.
  • ينطبق ذلك على القضايا المرتبطة بالملف السوري، اي مكافحة الارهاب ضمن اطار “تحالف دولي” يضم قوى محلية واقليمية ودولية، وضمان الحل السياسي للصراع في سوريا في اطار تفاوضي يراعي المصالح المتقاطعة والمتعارضة للأطراف المؤثرة في الازمة السورية (الولايات المتحدة، تركيا، ايران، السعودية، قطر… الخ).

اما المستوى الثاني لاهداف التدخل الروسي في سوريا، فيتعلق بالعملية العسكرية الروسية نفسها، اي ما بات يعرف اعلامياً بـ”عاصفة السوخوي”، وهي اهداف عسكرية وسياسية في آن واحد، ويمكن تحديد خطوطها العريضة من خلال رصد مسار العملية العسكرية نفسها، على النحو التالي:

1- تأمين التوازن الميداني لصالح الرئيس بشار الاسد

حققت الحملة العسكرية الروسية هدفها المرتبط قلب موازين القوى التي كانت قائمة في سوريا قبل الثلاثين من ايلول العام 2015، وذلك من خلال تعزيز قوة الرئيس بشار الاسد، بفضل الضربات الجوية والاستشارات العسكرية.

ولا بد من التذكير ان التدخل الروسي تضمن نشر 45 طائرة استراتيجية وتكتيكية وقاذفات ومقاتلات وطوافات ومنظومات دفاع جوي، وشمل أكثر من تسعة آلاف آلاف طلعة جوية مكنت الجيش السوري من استعادة السيطرة على 400 نقطة.

ولا شك في ان روسيا كانت تدرك، منذ البداية، ان الحسم في سوريا صعب، ولهذا فإن اهدافها الميدانية كانت تدور في فلك هدف اساسي هو اعادة التوازن الميداني والسياسي.

ولا بد من الاعتراف بأن روسيا حققت ما تريد لجهة تمكين الجيش السوري من استعادة مناطق حيوية خسرها في مراحل سابقة، وبمساحة تقارب اربعة آلاف ميل مربع، لا سيما في ادلب وحلب.

2- استهداف الجماعات الارهابية

كان واضحاً منذ البداية ان التصنيف الروسي للجماعات الارهابية مختلف عن التصنيفات الاخرى، وربما هذا ما دفع كثيرين الى انتقاد العمليات العسكرية الروسية من باب عدم تركيزها على تنظيم “داعش”.

وفي الواقع، فإن روسيا تدرك ان مهمة القضاء على “داعش” مستحيلة في غياب جهد دولي مشترك لتحقيق هذا الهدف، وفي ظل “ازدواجية المعايير” المعتمدة من قبل الغربيين وبعض الاطراف العربية ازاء تصنيف المجموعات الارهابية.

ومع ذلك، فإن العمليات الروسية ساهمت بدرجة كبيرة في الحد من التقدم “الداعشي” على اكثر من جبهة، وايضاً في خسارة التنظيم المتشدد مساحات واسعة من الاراضي.

وعلى سبيل المثال، فإن مؤسسة “اي اتش اس جاينز” أشارت، في احدث تقاريرها، الى ان تنظيم “الدولة الاسلامية” خسر بين الاول من كانون الثاني العام 2015 و14 آذار العام 2016، نحو 22 في المئة من الاراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا العراق.

بالطبع هذه النتيجة لا تتعلق بالعملية الروسية وحدها، فإلى جانبها هناك عمليات تقودها الولايات المتحدة، وحملات عسكرية تشنها مجموعات محلية، كـ”الحشد الشعبي” في العراق و”وحدات حماية الشعب” الكردية في سوريا.

وبحسب “اي اتش اس جاينز”، فإن “داعش” خسر في الفترة الممتدة بين الاول من كانون الثاني و15 كانون الاول العام 2015، نحو 14 في المئة من الارضي، فيما خسر 8 في المئة خلال الاشهر اللاحقة. ويشير تقرير المؤسسة البحثية الى ان الخسائر الاكبر لـ”داعش” كانت في سوريا، وانه منذ بداية العام الحالي، تمددت الخسائر المهمة في الشمال الشرقي نحو الرقة ودير الزور، فيما احرزت الحكومة السورية تقدما في الغرب، وهي تبعد الان خمسة كيلومترات من مدينة تدمر.

وعلاوة على ذلك، فإن “اي اتش اس” لاحظت ان “داعش” بات يواجه “صعوبات مالية” ترجمت “برفع الرسوم على انواعها” و”خفض كبير للرواتب التي تدفع للمقاتلين”، مشيرة الى ان “هذه الصعوبات المالية قد تفاقمت من جراء الغارات الجوية الروسية وغارات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على مصادر العائدات النفطية منذ نهاية العام 2015”.

ولا ينكر احد ان الغارات الروسية ساهمت بشكل كبير في قطع الكثير من الموارد الاقتصادية عن “داعش”، مع استهداف آبار النفط في سوريا، وشاحنات التهريب عبر الحدود السورية -التركية.

كما كان واضحاً، منذ بدء التدخل الروسي، ان العمليات العسكرية كانت تستهدف فئات محددة من مقاتلي “داعش” و”جبهة النصرة”، وهم اولئك “الجهاديين” القادمين من روسيا والقوقاز وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وهي اهداف تندرج بشكل خاص في اطار حماية الامن القومي الروسي. وبحسب الارقام الروسية فقد تم “التخلص” من الفي مقاتل من روسيا، كانوا يحاربون في سوريا، بما في ذلك 17 من القادة الميدانيين.

3- فرض حضور روسيا كقوة فاعلة في المعادلة الميدانية

تنظر روسيا الى سقوط بشار الاسد باعتباره مؤشراً على تراجع نفوذها وقوتها وتأثيرها في الشرق الاوسط، ومن هنا كان من الضروري التدخل مباشرة لمنع انهيار النظام السوري، والتشديد على ان روسيا قادرة على النفاذ الى قلب المعادلة الميدانية، لا بل تقديم نفسها كشريك يمكن الوثوق به من قبل الحكومات المحلية.

من جهة ثانية، تدرك روسيا ان انتصار الاسد بسبب الدعم الايراني يعني ان قوة اخرى في الشرق الاوسط ستستحوذ على حصة كبيرة من التأثير الروسي. ولا شك ان روسيا كانت تدرك ان نفوذها في سوريا يتآكل في ظل الدعم الذي قدمته ايران لنظام الرئيس بشار الاسد. ولا يغيّر في الامر شيئاً وجود تقارب الى درجة من الشراكة الاستراتيجية بين الروس والايرانيين، يبقى فيها التنافس على النفوذ حاضراً في هذه المنطقة او تلك. لا بل ان ثمة تقارير صحافية، منها تقرير لمجلة “در شبيغل” يشير الى ان التدخل الروسي جاء بطلب من الرئيس بشار الاسد نفسه للتخفيف من حدة التدخل الايراني، خصوصاً ان المرحلة التي سبقت بدء الحملة العسكرية الروسية في الثلاثين من ايلول، شهدت محاولات لإجراء ترتيبات ميدانية دراماتيكية، بوساطات ايرانية، ابرزها على الاطلاق هدنة الزبداني.

هكذا فإن الحملة العسكرية الروسية، في الاشهر الست الماضية، اظهرت ان القوات المسلحة الروسية صارت تمثل الرقم الصعب في المعادلة السورية، خصوصاً انها حققت نتائج ميدانية لم يكن ممكناً الوصول اليها لولاها.

علاوة على ذلك، فإن الحملة العسكرية الروسية نجحت، بدرجة كبيرة، في تحييد قوى اقليمية مثل تركيا والسعودية عن التدخل الميداني المباشر. ومن غير المستبعد ان يكون الهدف من خطوة الانسحاب الجزئي احراج السعوديين والاتراك، واحباط مخططاتهم للتدخل المباشر، وذلك لانتفاء الحاجة الى ذلك، في ظل الهدنة المستمرة.

4- فرض حضور روسيا كفوة فاعلة في المعادلة السياسية

خلافاً للاهداف الاقليمية، التركية والسعودية بشكل خاص، فإن التدخل الاجنبي في سوريا، سواء من جانب الولايات المتحدة او روسيا، او حتى ايران، لم يكن يستهدف تحقيق الحسم العسكري، وانما تحسين شروط التفاوض، حيث تدرك هذه القوى ان الحل في سوريا لا يمكن ان يكون سوى عبر المسار التفاوضي. وبالتالي فإن الحملة الروسية كانت تستهدف بشكل اساسي فرض الحضور الروسي على طاولة المفاوضات، وممارسة التأثير السياسي في اتفاق الحل. وهذا الامر تبدّى بوضوح منذ نجاح الروس في اقناع الأطراف المعنية، ولا سيما الامم المتحدة، باعتماد الاجندة الروسية التفاوضية في محادثات جنيف، وإن تطلب الامر تقديم بعض التنازلات الطبيعية في مثل هذه الحالات.

5- تجارب على اسلحة روسية جديدة

اتاحت العملية العسكرية لروسيا عرض قدراتها القتالية المتطورة وبعضاً من اسلحتها الجديدة التي لم يسبق ان جرى استخدامها في السابق. من بين هذه القدرات القتالية صواريخ “كاليبر” الموجهة، التي اطلقت من بحر قزوين وقطعت مسافة تتجاوز الألف ميل، لتصيب اهدافها في مناطق عدة في سوريا، بالاضافة الى الكثير من الاسلحة الصاروخية والمدفعية والجوية التي حققت نتائج ملموسة في العمليات القتالية البرية المباشرة.

وتأتي هذه التجارب على الارض السورية في اطار عملية تحديث عسكرية بدأتها روسيا منذ سنوات، ومن شأنها ان تحقق هدفين فرعيين، الاول هو توجيه رسالة للغربيين بشأن مدى تطور الجيش الروسي، وهو ما تعكسه آراء الكثيرين من جنرالات الحلف الاطلسي الذين ابدوا دهشتهم ازاء القدرات العسكرية الروسية في سوريا، والثاني، هو الترويج لصفقات تسليح، بما في ذلك عقود مع ايران ودول عربية اخرى، ما يفتح اسواقاً جديدة لروسيا، ويجعلها في موضع مرموق في المنافسة الحادة مع الولايات المتحدة.

6- ربط النزاع السوري بملفات دولية اخرى

حين بدأت الحملة العسكرية الروسية في سوريا، كانت احداث اوكرانيا لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين موسكو والغرب. في تلك المرحلة، كانت روسيا تواجه ما يشبه العزلة الدولية، التي بدأت منذ ضم شبه جزيرة القرم.

بعد التدخل الروسي في سوريا، اصبحت الاوضاع مختلفة، فقد فرضت الحملة العسكرية على الغربيين التنسيق مع موسكو، سواء على المستوى العسكري او السياسي، لاحتواء اي تداعيات كارثية للتداخل الكبير الناشئ على ارض سوريا، وفي سمائها.

وطوال الاشهر الماضية، بات واضحا ان خطوط الاتصال بين روسيا والغربيين قد شهدت زخماً، ربما تكون اهم مؤشراته الاتصالات شبه اليومية بين سيرغي لافروف وجون كيري، والتفاهمات الروسية الاميركية النادرة التي قادت الى وقف لاطلاق النار في سوريا… الخ.

ويبدو واضحاً، بعد الحملة العسكرية في سوريا، ان احداً لم يعد راغباً في التصعيد مع روسيا بعد اوكرانيا، وثمة انطباع راسخ بأن الصراع الغربي-الروسي بدأ يتراجع بخسائر طفيفة، ومن المؤكد ان الانسحاب الروسي الجزئي من سوريا سيدفع اكثر في هذا الاتجاه.

ومن غير المعروف بعد ما اذا كانت الخطوة الروسية التكتيكية الاخيرة ستفتح المجال امام مقايضات بين موسكو والغربيين على مسرح السياسة الدولية. ولكن كان ملفتاً ان الاعلان الرسمي عن الاتصال الهاتفي بين بوتين واوباما بعد خطوة الانحساب الجزئي من سوريا تضمن اشارة الى ان الرجلين ناقشا الاوضاع في اوكرانيا.

واذا كانت المرحلة الماضية قد شهدت احاديث عن عودة الحرب الباردة من البوابة السورية، فإن الحديث اليوم صار يدور حول تنسيق روسي-اميركي لحل الازمة السورية.

دفع العملية السياسية

تؤكد التطورات السياسية والعسكرية ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الاجتماع الذي امر فيه بوتين بسحب الوحدات العسكرية الرئيسية من سوريا.

توقيت الخطوة الروسية الاخيرة مثير للاهتمام، فقرار بوتين جاء في اليوم الاول من الجولة التفاوضية الجديدة في جنيف، وسط مؤشرات الى احتمال تحقيق اختراق، ولو ضئيل.

وثمة قناعة راسخة بأن المسار التفاوضي لم يكن ليتحرك لولا التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا.

ولا شك في ان هذا التدخل اسهم في اعادة التوازن على المستوى الميداني، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش السوري، والتي زادت من تصلّب القوى المعارضة له.

ولا شك ايضاً في ان التدخل الروسي، وما حققه في الميدان، قد فرض على الكثير من الفصائل العسكرية المسلحة الاعتراف بالأمر الواقع الجديد، والموافقة على وقف اطلاق النار، الذي ما زال مستمراً، برغم بعض الخروقات التي يمكن احتواؤها هنا او هناك.

في المقابل، كان واضحاً، بعد الانجازات العسكرية الاخيرة للجيش السوري، ان القيادة السياسية في دمشق باتت تبدي تصلباً ازاء مفاوضات جنيف، وهو مؤشر على وجود تناقض بين الموقفين الروسي والسوري ازاء العملية السياسية، لا سيما بعد التصريحات الاخيرة للرئيس بشار الاسد ووزير الخارجية وليد المعلم.

ومن الواضح ان الانسحاب الروسي يضع الاسد تحت ضغط كبير وجدي بهدف التوصل الى حل تفاوضي يضمن عملية انتقالية بالمعايير الروسية التي تضمن بقاء الدولة السورية.

علاوة على ذلك، فإن الانسحاب الروسي يعني من الناحية العملية وقف العمليات القتالية (في ما عدا العمليات المستمرة ضد تنظيمي “داعش” و”النصرة”)، وبالتالي فإنها ترسم خطوط وقف اطلاق النار، التي يمكن ان تكون اساساً في بعض المشاريع المقترحة للحل السياسي، والمقصود هنا خيار الفدرالية الذي بات امراً مُرضياً للكثير من الاطراف.

وعلى هذا الاساس، فإن الخطوة الروسية ربما تستهدف فرض “ستاتيكو” الهدنة السورية كأمر واقع، لتحقيق ثلاثة اهداف، او بعض منها، وهي وضع اسس لبناء مشروع الفدرالية المحتمل، ورسم حدود واضحة للعمليات القتالية ضد “داعش” و”النصرة”، وتحديد خطوط حمراء في الميدان السوري من شأنها ردع القوى الاقليمية (تركيا والسعودية على وجه الخصوص) في حال قررت التدخل عسكرياً في سوريا.

ماذا بعد؟

لا بد بداية من التأكد من ان بوتين سيقوم بالانسحاب فعلاً، ومن ثم رصد حجم هذا الانسحاب، خاصة ان روسيا غالباً ما تعتمد سياسة الغموض في ما يتعلق بالقضايا العسكرية، وهو ما يبرر التشكيك الدولي في النوايا الروسية.

ومع ذلك، فإن مؤشرات كثيرة تشي بأن روسيا ماضية في تنفيذ خطة الانسحاب الجزئي، لأكثر من سبب.

اول هذه الاسباب، ان التدخل العسكري الروسي في سوريا اتخذ اطاراً واضحاً منذ البداية وهو استخدام قوة صغيرة لتحقيق اهداف محدّدة.

وثاني هذه الاسباب، ان ثمة ترابطاً كبيراً بين التدخل العسكري (وهو الاول من نوعه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي) وبين الوضع الاقتصادي في روسيا. وهنا لا بد من الاشارة الى ان كلفة العمليات العسكرية الروسية في سوريا قُدّرت من قبل الكثير من الخبراء بنحو مليار الى ملياري دولار اميركي سنوياً. ومن المنطقي القول ان كلفة كهذه يحسب لها حساب كبير في اقتصاد يواجه تراجعاً في الناتج القومي بنسبة 3.7 في المئة (2015)، وهبوطاً في سعر العملية المحلية (الروبل) امام الدولار بمعدّل 50 في المئة (منذ العام 2014)، وتراجعاً في الانفاق الدفاعي بنسبة 10 في المئة للعام المالي المقبل. ويعني هذا ان اي عملية عسكرية من دون جدول زمني ستكون مكلفة جداً للاقتصاد الروسي، قياساً لما يمكن ان تحققه من مكاسب استراتيجية.

ويبدو بوتين في ذلك اشبه بلاعب “بوكر” ذكي، يدرك كيف يفاجئ الخصم، وكيف يخدعه، ومتى يترك طاولة اللعب، بأرباح قليلة ولكن مُرضية، او بخسائر قليلة ولكنها ليست كارثية.

ولا شك في ان بوتين، وبعد الانسحاب الجزئي من سوريا، سيدرس كل الخيارات الممكنة، بما يعزز المكاسب التي حققتها العملية العسكرية، مع التقليل من الكلفة العسكرية والسياسية، وبطبيعة الحال الاقتصادية.

وفي حال لم يحدث اي خرق لخطوط الهدنة القائمة حالياً، فإنّ العمليات العسكرية الروسية في الفترة المقبلة قد تتخذ شكلاً مختلفاً، بحيث تتركز على مسلحي “داعش” و”جبهة النصرة” الارهابيين، وذلك من خلال تقديم الاسناد الجوي للجيش السوري في عملياته القتالية ضد التنظيمين المتشددين، ولا سيما على جبهة درعا، وتقديم الدعم الاستخباراتي، وربما المشاركة في عمليات جوية مشتركة مع الولايات المتحدة في الجبهات الأخرى، لا سيما في الرقة، وهو امر المح اليه وزير الخارجية الروسي في احد تصريحاته الاخيرة.

اكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان روسيا مستعدة للعمل مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” في الرقة. وقال لافروف “نحن جاهزون لتنسيق عملياتنا مع الاميركيين، لأن الرقة تمثل في الواقع الجزء الشرقي من سوريا، والتحالف الاميركي يعمل هناك بشكل اساسي”. (انترفاكس)

ويبدو ان بوتين قد وضع في حسبانه ان عملية القضاء على “داعش” في الرقة تحتاج الى تدخل قوات برية، وربما يكون، بقراره الانسحاب الجزئي من سوريا، يحاول تحييد القوات المسلحة الروسية عن الدخول في معركة عسكرية قد تكلفه الكثير من الضحايا. ولهذا فإنه لا يمانع ان يترك المهمة البرية للولايات المتحدة. ولعل تحركاً كهذا يحمل سيناريوهات متعددة: اما ان تفشل عملية تحرير الرقة، وبذلك يكون الأميركيون قد غرقوا في مستنقع جديد، وبالتالي تكون روسيا بمنأى عن تلك الخسارة، او ان تنجح العملية، سواء بقوات برية اميركية او من خلال القوات المحلية (جيش سوري، اكراد)، وتكون روسيا شريكة في الانتصار.

وفي اسوأ الحالات، فإن روسيا ضمنت لنفسها، بعد العملية العسكرية، مكاناً في سوريا الجديدة، اياً كان شكلها، سواء انتهى الامر الى التقسيم (حيث ستكون روسيا الطرف المؤثر في المناطق الخاضعة لسيطرة الاسد)، او الى حل وحدوي (سواء في اطار مركزي او فدرالية) عبر عملية انتقالية تضمن لروسيا المجيء بحكومة سورية جديدة موالية لها الى حد كبير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق