مجلة الكترونية عربية مستقلة

التصعيد السعودي يصطدم بالعقلانية المصرية

“لن نهاجم إيران في الوقت الراهن”. ستّ كلمات تختزل نكسة سعودية في معركة دبلوماسية، الهدف منها جر الموقف العربي إلى تصعيد جديد، يرى كثيرون أن الشرق الأوسط في غنىً عنه، وذلك في ظل ما يعانيه من صراعات عابرة للحدود، وسيل من الدماء في أكثر من بلد عربي.
البيان الصادر عن الاجتماع الوزاري العربي، الذي انعقد يوم أمس في القاهرة، بناء على طلب السعودية، في خضم التصعيد المستجد، والمتعدد المستويات والجبهات، مع إيران، والذي تركّزت عقدته الأساسية، خلال الأسبوع الماضي، في الساحة اللبنانية، لم يتجاوز في سقفه البيانات الشديدة اللهجة التي أصدرتها الجامعة العربية، منذ عامين على الأقل، والتي لا تعدو أكثر من تسجيل موقف في سلسلة بيانات، سرعان ما ستجد طريقها إلى أرشيف الأمانة العامة.
وكانت السعودية طلبت الاسبوع الماضي عقد الاجتماع بعد “ما تعرضت له الرياض ليلة السبت الموافق الرابع من تشرين الثاني من عمل عدواني من قبل ميليشيات الحوثي التابعة لإيران في اليمن”.
واشارت السعودية، بحسب نص الدعوة الذي وزعته الأمانة العامة للجامعة العربية في وقت سابق، الى “اطلاق صاروخ بالستي ايراني الصنع من داخل الأراضي اليمنية، وكذلك ما تعرضت له مملكة البحرين من عمل تخريبي ارهابي بتفجير أنابيب النفط” بعد ذلك بأيام، فضلاً عمّا “تقوم به إيران في المنطقة العربية من أعمال تقوّض الأمن والسلم ليس في المنطقة العربية فحسب بل في العالم بأسره”.
مخرجات الاجتماع الوزاري العربي، وبرغم ما تضمنته من تصعيد في الموقف ضد إيران، و”حزب الله”، الذي وُصف مجدداً، بأنه “منظمة إرهابية”، لم تشذ، لا في الشكل ولا في المضمون، عن مخرجات الاجتماعات السابقة، ولا سيما الاجتماع الذي أعقب بدايات التصعيد السعودي – الإيراني، بعد إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في مطلع العام 2016.
البيان الختامي لاجتماع القاهرة حذر من أنّ “صواريخ إيران باتت تهدّد عواصم عربية”، لافتاً إلى “قيام إيران بنشر مجموعات إرهابية في دول عربية مختلفة”، فيما أشار إلى “حزب الله” مشدداً كـ”منظمة إرهابية”.
وأضاف البيان أنّ “الدول العربية لن تعلن الحرب على إيران في المرحلة الراهنة”، لكنه شدّد على تحديد آلية للتوجه لمجلس الأمن لوقف تدخلات إيران.
وكلف الوزراء العرب المجموعة العربية في نيويورك بمخاطبة رئيس مجلس الأمن لتوضيح ما أسماه الخروقات الإيرانية لقرار مجلس الأمن رقم 2231 في ما يتعلق بتطوير برنامج الصواريخ الباليستية، وما ينطوي عليه من “طبيعة هجومية تقوّض الادعاءات الإيرانية حول طبيعته الدفاعية وما يمثله من تهديد داهم للأمن القومي العربي”؛ ومخاطبة رئيس مجلس الأمن لتوضيح ما قامت به إيران من انتهاكات لقرار مجلس الأمن 2216 بتزويد ما وصفها بـ”الميليشيات الإرهابية” في اليمن بالأسلحة واعتبار إطلاق صاروخ باليستي إيراني الصنع من الأراضي اليمنية باتجاه مدينة الرياض بمثابة “عدوان من قبل إيران وتهديد للأمن والسلم القومي العربي والدولي”.
وأكد الوزراء العرب على حق السعودية في “الدفاع الشرعي” عن أراضيها وفق ما نصت عليه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ومساندتها في الإجراءات التي تقرر اتخاذها ضد تلك الانتهاكات الإيرانية في إطار الشرعية الدولية وإدانة جميع الأعمال الإرهابية التي تقوم بها إيران في مملكة البحرين”.
كما حمّل البيان الختامي “حزب الله”مسؤولية “دعم الإرهاب والجماعات الإرهابية” في الدول العربية بالأسلحة المتطورة والصواريخ الباليستية، والتأكيد على ضرورة “توقفه عن نشر التطرف والطائفية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم تقديم أي دعم للإرهاب والإرهابيين في محيطه الإقليمي”، مجدداً التأكيد على “حظر القنوات الفضائية الممولة من إيران والتي تبث على الأقمار الصناعية العربية باعتبارها تشكل تهديداً للأمن القومي العربي من خلال إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية”.
وأبدى كل من لبنان والعراق تحفظهما على البيان الختامي.
وأعرب المندوب اللبناني عن رفضه وصف “حزب الله” بأنه “إرهابي”، باعتبار ذلك يقع خارج تصنيف الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية، وغير متوافق مع المعاهدة العربية لمكافحة الإرهاب خاصة من حيث التمييز بين المقاومة والإرهاب، مشدداً عل أن “حزب الله” يمثل مكونا أساسيا في لبنان وشريحة واسعة من اللبنانيين ولديه كتلة نيابية ووزارية وازنة في المؤسسات الدستورية اللبناني”.
وكان لبنان وفد خفض سقف تمثيله في الاجتماع الوزاري العربي، بعد تأكيد وزير الخارجية عدم الحضور، وتكليفه المندوب اللبناني الدائم انطوان عزام بتمثيله.
وأتى قرار باسيل عدم المشاركة شخصياً في اجتماع القاهرة في ظل أزمة سياسية يعيشها لبنان منذ تقديم رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته بشكل مفاجئ من الرياض في الرابع من الشهر الحالي، بعد توجيهه انتقادات لاذعة الى “حزب الله” وإيران لتدخلهما في صراعات المنطقة، ولا سيما في اليمن وسوريا.

أبدى لبنان والعراق تحفظهما على تصنيف “حزب الله” كمنظمة “إرهابية”

ويضع محللون استقالة الحريري في إطار التوتر المتصاعد بين إيران والسعودية في الشرق الأوسط.
وعشية اجتماع الوزراء العرب، اعلن البيت الابيض ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب اجرى محادثة مع نظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون عقب استقبال الأخير للحريري السبت في باريس، مضيفا أنهما “اتفقا على ضرورة العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة حزب الله وإيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة”.
ومن جانبها، قالت الرئاسة الفرنسية مساء السبت أن ماكرون أجرى محادثات هاتفية مع نظرائه اللبناني ميشال عون الأميركي دونالد ترامب والمصري عبد الفتاح السيسي وكذلك مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، مشيرة إلى ان الرئيس الفرنسي “سيواصل هذه الاتصالات مع قادة دوليين اخرين في الأيام المقبلة”.
وبالعودة إلى الاجتماع العربي، فإنّ مصادر متقاطعة أشارت إلى أن المناقشات التي جرت خلاله اتسمت بالتشنج، خصوصاً بعدما فشلت السعودية، عبر وزير خارجيتها عادل الجبير، في تمرير قرار بتعليق عضوية لبنان، كشكل من أشكال الضغط على الحكومة اللبنانية، لإجبار “حزب الله” على التراجع، والانسحاب من الصراعات الإقليمية.
وبدا أن الضغوط السعودية أخفقت في حشد التأييد لهذه الخطوة، لا سيما في ظل معارضة مصر لأية خطوة تصعيدية ضد لبنان، في ضوء مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، المعارضة لأي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط.
وبرغم موافقة مصر على البيان الختامي، إلا أن الأوساط الدبلوماسية أشارت إلى أن تلك الموافقة ارتبطت بتخفيف حدّته وسقف إجراءاته.
من جهته، قال الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إنّ “إيران تسعى لتكون خنجراً في خاصرة المملكة العربية السعودية ودول الخليج”.
وأضاف أنّ “الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون واستهدف السعودية، هو الحلقة الأخطر في سلسلة من التجاوزات والتخريب ونشر الفتنة التي تقوم بها إيران في المنطقة، وليس أمامنا إزاء ذلك سوى أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونقول إنّ الصاروخ هو رسالة واضحة من إيران على أنها تسعى لنشر التخريب والفتنة والكراهية ورسالة عدائية للمملكة والدول العربية بأسرها، وحان الوقت لتخليص المنطقة من العنف والطائفية التي تقوم إيران بنشرها في المنطقة”.
ولفت إلى إنّ “الصواريخ الباليستية التي أطلقت على السعودية بلغ عددها 76 صاروخاً، وكلّها صناعة إيرانية، ولذلك فإنّنا نؤكّد على تضامننا الكامل مع السعودية في كل ما تتخذه لحماية أمنها القومي”.
وطالب أبو الغيط مجلس الأمن بوقف إيران عن دفع المنطقة إلى الهاوية، مشيراً إلى أنّ “طهران انتهجت سياسة طائفية واستقوت بالاتفاق النووي”.
وحذّر أبو الغيط إيران من مغبة استمرارها في التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، مؤكّداً أنّه “ستتم مخاطبة المجتمع الدولي وعرض التهديدات الإيرانية عليه”.
وخلال الاجتماع الوزاري شنّ وزيرا خارجية السعودية والبحرين هجوماً عنيفاً على إيران.
وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنّ بلاده “لن تقف مكتوفة الايدي امام العدوان الإيراني السافر، ولن تتوانى في الدفاع عن نفسها والحفاظ على أمن وسلامة شعبها”.
واضاف ان “الصاروخ الغادر الذي أطلقه الحوثيون على عاصمة السعودية يعكس الاعتداءات الإيرانية المتكررة ضد المملكة التي شهدت إطلاق 80 صاروخا تحمل الهوية الإيرانية عبر عميلها الحوثي في اليمن تعرضت لها مختلف مدن المملكة”.
بدوره، اعتبر وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أنّ لبنان بات “تحت السيطرة التامة” لـ”حزب الله”، وان هذا الحزب يعبر “دولنا جميعا وهذا تحد للأمن القومي العربي”.
وأضاف الوزير البحريني إن “الجمهورية اللبنانية، برغم علاقتنا معها كبلد عربي شقيق ومحبتنا وتقديرنا للشعب اللبناني إلا أنها تتعرض لسيطرة تامة من هذا الحزب الارهابي”.
واشار إلى أن “ايران لا تحاربنا فقط مباشرة، نعم هي تحارب وتقوم بامور كثيرة، لكن لها ايضا اذرع في المنطقة، واكبر ذراع لها موجود الان هو ذراع حزب الله الارهابي”.
وتابع “هذا الحزب موجود في لبنان والعراق وسوريا وفي اماكن كثيرة، ومتمثل في شخصية الحوثيين (في اليمن) وهذا هو التحدي الكبير اليوم للامن العربي”.
أما وزير الخارجية المصري سامح شكري، فقال إن “بلاده ترفض لأي تدخلات، من أي طرف غير عربي، في شؤون الدول العربية”.
وشدد شكري على أن “مصر ملتزمة بدعم أمن واستقرار دول الخليج”، لافتاً إلى أنه “سبق لهذا المجلس الموقر، أن أصدر، في عدد من دوراته السابقة، قرارات واضحة ولا لبس فيها بشأن التدخلات الإيرانية، وشروط إقامة علاقة جوار صحية بين العرب وإيران”.
من جهته، شدد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، خلال مشاركته في الاجتماع العربي، على أن تهديد أمن أيّ دولة عربية هو تهديد للأمن المشترك.
وأضاف “هذا هو درس التاريخ بدا مبكرا وواضحاً منذ انتهك أمن الشعب الفلسطيني الشقيق، فغرقت المنطقة في دوامة من عدم الاستقرار، ما تزال تحرمنا حق العيش بسلام”.
وأشار الوزير الأردني إلى أن بلاده مستعدة للتعاون مع جامعة الدول العربية لاستضافة، أو إطلاق، حوار عربي، ينتج تعريفاً واضحاً لكل مصادر التهديد التي تواجه الأمن العربي المشترك.
وأدان الصفدي استهداف السعودية بصاروخ باليستي، معتبرا أنه “اعتداء غاشم”.
وشدد الوزير الأردني في المقابل، على أن المنطقة العربية “لا تحتاج المزيد من الأزمات”، مشيرا إلى أن “العرب طلبة سلام لا دعاةُ صراعات”.
من جهته، جدد المندوب اللبناني التعبير عن تمسك بلاده بـ”المعادلة المتوازنة” القاضية بتحصين ساحته الداخلية “من خلال اطلاق مسار حكومي هادف كضمانة لتماسك الكيان، ضمن مؤسسات الدولة وبما يحفظ السلم الأهلي”، توازيا “مع القيام بكل ما يمكن لتقوية علاقات لبنان مع أشقائه العرب واتخاذ الموقف الواضح من كافة القضايا التي تحظى بالاجماع العربي دون المس بوحدتنا الداخلية”.
وتوجه المندوب اللبناني إلى “الأشقاء العرب” بالقول “إننا نعرب عن ادانتنا لكل ما طاولهم من اعتداء على صفو أمنهم، وعن تضامننا الكامل معهم بكل ما يمس أمن واستقرار بلادهم، اذ ما يمسهم يمسنا قبلهم”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.