آراء وترجماتثقافة

التعبير والتغيير

الكتابة فعل ارتقاء وتجلٍّ. إذا أردتم تغيير أي شيء في الحياة، حياتكم، عبِّروا فالكون يستجيب للذين يطلبون! أمّا الصامت، فلا يصل لأن أفكاره واحتجاجاته وتطلّعاته وآماله لا تصل.

الكتابة ليست تعبيراً فحسب، بل هي فعل انوجاد وفعل وجود.

مَن لا يكتب بإمكانه التعبير شفهياً، على الأقل.

نحن شعوب اعتادت قمع تعبيرها بنفسها قبل أن يقمعها الرقيب وقبل أن تقمعها السلطة غير المتمثلة فحسب بالحكم بمعناه المتعارف عليه، بدءاً من سلطة البيت والأهل والمدرسة والمجتمع… وصولاً إلى السلطة العُليا، إضافةً في الجوهر إلى سلطة المفاهيم البالية والمهترئة وسلطان المعتقدات الشائعة “البدائية” (مع احترامي للبداءة لأنها أنقى من الكذب والتكاذب اللذين يغلّفان الأقوال والأفعال الراهنة).

لا بدّ من التحرّر من الرقابة الذاتية حين تصبح من الكوابح النفسية التي تشكّل اضطراباً… ولنعترف نحن شعوب مضطربة، اضطرابٌ ينجم عن تناقضٍ فظيع بين الباطن والظاهر.

المتخلّف والمتزمّت يفهمان الحرية بطريقة مغلوطة خاطئة، ونواياهما سيئة غالباً.

عبِّروا لتصحّوا وتصحّحوا هذا الاعوجاج الذي يخنقكم لكن ليكن تعبيركم نقياً زاخراً بالرقيّ. تذكّروا أن هناك فرقاً بين الصراحة والوقاحة.

من جهةٍ أخرى أساسية، لا تنسوا الأسلوب. على الأسلوب أن يجري سلساً من دون أن يجرح. على الأسلوب أن يشف عن سموٍّ ما وإن لم يكن بلاغة. البلاغة لا تشفي دائماً والكلمات العادية المؤثرة في ملعب الجميع. لتكن اللغة أداةً للوصول، للتغيير، لجعل هذا العالم وهذه الحياة أخف وطأة، أجمل، أرحب.

 ○

حين يجتمع الدين – كذريعة وغطاء وكسلطة إلهية مطلقة على الأرض- مع الجهل والادعاء والتزمت والتخلف ونبذ الآخر والانتقاص من حق المرأة وتسيير البشر كالقطعان لأهداف سياسية تتعلق بالسيطرة الفئوية، تقابلها سيطرة فئوية مضادة، في كذبة “التوافقية” أو غيرها… يكون علينا أن نرفع الصوت لفصل الدين عن السياسة (مع احترامي للأديان ولمعتقدات الناس، أكانوا مؤمنين أم ملحدين)، من أجل مجتمعات مدنية ديمقراطية حديثة تحترم الإنسان بوصفه إنساناً قبل كل شيء، وإلا غرقنا في المستنقع.

  ○

لنحدد الآن: أيّ تغيير نريد؟ نريد تغييراً نحو الأفضل، تغييراً تقدّمياً… ولكن كيف؟ هذا هو السؤال الأهم اليوم في ظلّ تعقيدات المشهد وتناقضاته وتلبّده على أكثر من صعيد ومستوى. طرح الأسئلة الأوّلية يسهم في بلورة خطواتنا حتى لا نكون في عشواء من أمرنا.

  ○

الثقافة والفن، في جانبٍ ليس بقليل، حركة احتجاجية وتوعوية تُحدث صدى هاماً وتأثيراً بالغاً كبيراً جداً، يسهمان في مشروع التغيير. لذلك تحديداً ضربوا مستوى الفن وبعضاً من معناه العميق، وعمدوا إلى تمييع الثقافة وتطويع معظم “مفاتيحها” وأعلامها بالترغيب والمغريات ضمن اصطفافات ومحاور (وما يدور في فلكها نسبياً)… وقد استحوذوا على معظم وسائل الإعلام ومنابر التأثير على الرأي العام لقولبة الوعي وتشويهه، هكذا صارت تعيش الغالبية حياة استلاب!

لكن مع تطوّر مفهوم الإعلام وتخطّيه لمفهومه التقليدي عبر ظهور الإعلام الجديد New Media لم يعد بالإمكان احتكار هوامش ومنابر وواحات ومساحات التعبير والتأثير.

لذلك فالأمل كبير رغم كل شيء ولا بد للشمس أن تشرق رغم انتشار الغيم.

الأمل بزوغٌ حتميّ وأوكسيجين ينسم.

*للكلام تكملته وتتماته

هالة نهرا

(ناقدة موسيقية وفنية، وكاتبة، وشاعرة من لبنان)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق