دنيا

التواصل الاجتماعي في مستقبل العلاقات بين البشر

مع بداية ظهور الانترنت لم يكن للتواصل الاجتماعي دور فعلي يذكر، و اقتصر استخدام الانترنت على البحث و القراءة و الترويج الإعلامي.

ومع بداية الألفية الثانية استحدث ما تسمى بغرف المحادثة (Chat Rooms)، التي ذاع صيتها و استخدامها بشكل سريع، خاصة بين أوساط الجيل الفتي.

السبب وراء شعبية هذا الاختراع يكمن الخصوصية المطلقة، فلا يعرف أحد الأطراف الهوية الحقيقية لمن يحادثه على الطرف الآخر.

هنالك سبب آخر و هو سرعة المحادثة المكتوبة بالمقارنة مع الرسائل النصية أو البريد الالكتروني التقليدي.

واستخدم هذا النوع من الغرف بشكل كثيف للتعارف بين الجنسين، حتى أن بعض العلاقات تحوّلت من افتراضية عبر الشبكة العنكبوتية، إلى علاقات صداقة حقيقية، بل حتى إلى علاقات زواج حقيقي.

مع ذلك كله، بقي استخدام غرف المحادثة المباشرة محدوداً على شريحة من الناس، و ذلك بسبب بطء سرعة الانترنت آنذاك في كثير من أنحاء العالم. كما أن الانترنت لم يكن بالانتشار و الكفاءة كما هي الحال اليوم، أضف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الاشتراك و اقتصار الاستخدام على عمر الشباب. وحتى ضمن الشريحة الأخيرة، كان يراود العبض الشك و الريبة أثناء الاستخدام, و ذلك بسبب الخصوصية و عدم العلم الحقيقي بهوية الطرف الآخر في المحادثة.

العديد من غرف المحادثة لم تكن مجانية و تتطلب دفع رسوم اشتراك ببطاقة الائتمان، التي لم تكن ميسرة و متاحة للكثير من الأشخاص.

مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي، تطوّرت شبكات الاتصال حول العالم بشكل سريع، وزادت سرعة نقل البيانات، حتى أن الانترنت غزا معظم بيوت ومكاتب سكان الأرض.

واستبدل الفاكس و البريد التقليدي بالبريد الالكتروني، و أنشأت معظم الشركات مواقع الكترونية لعرض خدماتها،  لا بل  أصبحت هنالك وظائف ومهن حقيقية تمارس من خلال شبكة الانترنت، من دون الحاجة للتواجد الفيزيائي للشركة.

الثورة الحقيقية التي أعطت زخماً حقيقياً لوسائل الاتصال الاجتماعي تمثلت في ظهور الهواتف الذكية و الحواسيب المحمولة واللوحية. وبذلك أصبحت للناس القدرة على المحادثة من خلال الهواتف النقالة لا بل و إمكانية إنشاء و تفقد حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل دون الحاجة للعودة إلى الحاسوب المكتبي. بالتأكيد فإن ذلك تزامن مع استحداث و تطور الانترنت على خطوط الهواتف النقالة و انخفاض تكاليف الاشتراك و المحادثة.

 

التطورات السابقة أدت إلى انتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي (Social Media Applications)  بشكل واسع، عبر كافة الأعمار، البلدان، المهن و الأجناس.

لم يعد الموضوع يقتصر على فئة الشباب كما كان سابقاً، بل أصبحنا نرى الكثير من الأجداد يحملون الهواتف الذكية و يحادثون أحفادهم من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي.

لم تتوقف التطبيقات عند الغرض الاجتماعي و حسب بل تعدته إلى الاستخدام المهني و ذلك لسرعتها و سهولة وصولها إلى العملاء المطلوبين في سبيل الترويج الفعال للمنتجات و الخدمات التجارية المختلفة.

من ناحية أخرى، بدأ أفراد المؤسسة الواحدة باستخدام التواصل الاجتماعي كوسيلة بديلة يستعيضون بها عن البريد الالكتروني إلى حد كبير. يتصدر هذه التطبيقات الاجتماعية كل من العملاقيين فيسبوك (Facebook) وواتساب (Whatsapp).

 

لا شك أن هناك إيجابيات لوسائل التواصل الاجتماعي و قد تفوق السلبيات عموماً، فقد أصبحت إمكانية بناء صداقات جديدة أسهل، و كذلك إمكانية الحفاظ على تواصل منتظم مع كافة الأقارب و الأصدقاء، و أضحى من الممكن التعرف على ثقافات وعلوم و أخبار العالم من أي نقطة من العالم.

من ناحية أخرى أصبح العمل التجاري و الإعلامي أسهل و أكثر ربحاً، حتى أن العديد من الشركات تعطي اليوم أولوية قصوى للترويج عبر الانترنت على حساب تقنبات الترويج التقليدي، و بالتالي فإن العديد من الشركات أصبحت مهددة بالإفلاس في حال عدم قدرتها على التأقلم مع الواقع الجديد.

مما لا شك فيه أن ظهور التواصل الاجتماعي هو بمثابة ثورة غيرت كل ما يتعلق بمفاهيم و تقاليد التواصل المعتاد بين البشر لكن هذه الثورة حملت معها العديد من المتغيرات السلبية التي يتوجب علينا تعداد بعضها.

أثرت التطبيقات سلباً على نشاط الناس الفيزيائي، بحيث نرى أن العديد من شباب اليوم بات يميل إلى المكوث في البيت وتصفح الانترنت عوضاً عن الخروج للمشي أو ممارسة الأنشطة الرياضية، ما قد يزيد من نسبة الأمراض و الأضرار الصحية على المدى البعيد.

المخطط البياني التالي هو نتيجة إحصاء شامل أجري في الولايات المتحدة (2010)، يوضح نسب أعمار مستخدمي الانترنت. كان لأعمار الشباب أعلى نسبة في المخطط و خاصة بين 35-40 عاماً.

المحصلة أن هذا الإحصاء هو ليس بالمؤشر الجيد. من جهة ثانية، فإن هذه التقنية لا يتوافق اسمها مع واقعها الحقيقي، فالبرغم من اشتمالها على كلمة “الاجتماعي” إلا أنها تعطي المفعول المعاكس تماماً. بمعنى آخر، لا تصح تسمية التواصل الذي يجري من خلف شاشة هاتف أو حاسوب بـ”الاجتماعي”، فهو نوع من التواصل الذي يثبط رغبة الناس في الالتقاء الحقيقي وبناء الصداقات الواقعية، لا بل و يدفع البعض للانعزال و قضاء حاجاتهم الاجتماعية من دون الحاجة للاختلاط الجماعي حتى.

بالإضافة إلى كل ما سبق، الوقت الضائع و المهدور في استخدام التطبيقات، فالعديد من المستخدمين يتفقدون حساباتهم كل خمس دقائق و يمضون ساعات في تصفح و قراءة المعلومات و الأخبار غير المفيدة عوضاً عن استغلال الوقت في قراءة كتب و مراجع في تنمية المهارات و زيادة الكفاءات.

ما يثير القلق أكثر هو نتائج الإحصائيات العالمية الشهرية التي تجرى حول مستخدمي التواصل الاجتماعي و التي تدل على تزايد كبير في عدد المتابعين، بالتالي فإن المستفيد الأكبر هو الشركات المالكة للتطبيقات و كذلك الشركات المروجة على هذه الشبكات، أما الخاسر فهو من دون شك المستخدم البسيط و المتابع اليومي الغير مهني، ناهيك طبعاً عن المخاطر الناجمة عن اختراق خصوصية المستخدمين ولو حتى من قبل ملاك و ممولي هذه التطبيقات، فهم على اطلاع كامل على كافة المحادثات و الخصوصيات والرسائل، و الصور المنتشرة عبر الشبكة العالمية.

ثمة جدل دائم يدور بين الخبراء و المختصين، حول مستقبل التواصل الاجتماعي و دوره في حياة البشر الاجتماعية و المهنية. البعض يؤيد زيادة دوره و البعض الآخر يحذر من مخاطره على المدى البعيد. الرأي المرجح هو أن هذه الثورة في عالم الاتصال بدأت و من الصعب جداً السيطرة على نموها أو سرعة انتشارها. لكن السؤال الأهم ليس عن كمية المستخدمين بل عن كيفية الاستخدام و مجالات الاستخدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق