مدوّنة

التوتر المكبوت

في طابور الانتخابات الرئاسية 2012 كنت أقف بجانب أحد أساتذتي القدامى. نتحدث عن الأحوال والأقارب.. كل شيء في ما عدا الحديث عن اختيار الرئيس. كل شيء في المكان بدا هادئاً جداً. الطوابير منتظمة. عملية الاقتراع تسير بشكل جيد. الجميع يمد يد المساعدة إن طُلبت. لا شيء يُعكر صفو اليوم.

ولكن في حقيقة الأمر، هناك ما يحدث خلسة بين فئتين. الأولى التي تدعم الرئيس المعزول محمد مرسي وهم أكثر نشاطاً في المكان، فتجدهم يتحركون بسهولة بحكم انتشارهم الخدمي في القرية، ويتقربون بدون صخب ملحوظ ويتحدثون إلى كل ما يأملون فيهم أذاناً صاغية لهم، ويطلبون منهم اختيار مرسي. والثانية الأقباط الذين حضروا بكثافة. عليك أن تفتح حوارا مع كل شخص منهم لتفهم وجهة نظره، وفي نهاية اليوم سيتضح لك الأمر.

بعد وقت من الحديث طرح عليّ السؤال الذي كنت أنتظره منه: هتنتخب مين؟ في حقيقة الأمر كنت في طريقي لانتخاب خالد علي – لأسباب يمكن شرحها في مكان آخر – ولكني رددت عليه بشكل قاطع: حمدين صباحي، في محاولة مني لدفعه إلى ذلك، أو على أقل تقدير  أن يفكر فيه من خلال المناقشة. وفجأة تحولت كل الأعين القبطية الواقفة في الطابور تجاهي، وهي تحمل كل علامات الاستغراب واللوم أيضا. وردّ أستاذي القبطي: حمدين ايه يا سامح؟! عايزين حد عوده ناشف. حمدين مش هيقدر، خصوصاً إن البلد مفكوكة وكله بيضرب فيها.

عرفت في نهاية اليوم اتفاقهم غير المعلن على اختيار عمرو موسى

الأقباط رأوا في السيسي بطلاً، عسكرياً، على رأس الجيش المصري، لم ترتعش يداه وهو يلقي خطاب العزل. بهرتهم البدلة العسكرية وشعروا تجاهها بالأمان – ككل المصريين في هذا التوقيت – بعدما عاشوا سنة كبيسة حكم فيها “الإخوان”، وضربوا كل وعودهم بعرض الحائط، ونكلوا حتى بمن ساعدوهم على الوصول الى الحكم، وأضاعوا حق شهداء الثورة، بل وأضاعوا الثورة نفسها، ودفعوا المصريين الى الخوف على هوية البلد. بدا ذلك واضحا في الاحتفال بأعياد نصر أكتوبر في أستاد القاهرة في العام 2013، وهو المشهد الذي لن يفارق ذاكرة المصريين أبداً، ومنهم الأقباط…

كان متوقعا دعم الأقباط للسيسي في العام 2014، فهم في خانة – شئنا أم أبينا بحكم القوانين والثقافة التي تغلغلت في نهاية القرن الماضي – فصيل يعاني كثيراً للحصول على حقوقه، على كل المستويات. وقد رأوا في السيسي رسولاً بدولة مدنية يحكم فيها القانون، ناهيك عن إطاحته بأهم فصيل يكرهه ويرفضه الأقباط، أي تيار الإسلام السياسي

الأقباط همهم أكبر “شويتين”، يعرفون أن رحيل السيسي عن الحكم معناه احتمالية سيطرة الإسلاميين – وارد – وهو ما يعني مزيداً من التنكيل، ومزيداً من الاضطهاد، لا سيما بعدما دعموا السيسي في كل شيء… حتى كنائسهم وأولادهم.

صحيح أن ضربة كنيسة البطرسية موجهة ضد الدولة وسياحتها واقتصادها وأمنها، ولكنها أيضا موجهة إلى الأقباط كإجراء عقابي على دعمهم غير المشروط- من وجهة نظر التيار الإسلامي – للسيسي ونظامه.

لا يمكن بحال من الأحوال إنكار تكوّن جنين الرفض للسيسي ونظامه في قلوب الأقباط، ولا يمكن إنكار هذا الرفض بدأ يأخذ مساحته على أرض الواقع، ففي حادث البطرسية تعالت الهتافات ضد النظام، وتم طرد إعلامه وإهانته، وجرى فرض كردون أمني مُحكم، يمنع وصول آخرين إلى المتظاهرين. وتوالت زيارات قادة النظام لموقع الحادث، وأعلنت الدولة حالة الحداد، وجنازة عسكرية للشهداء يتقدمها السيسي، وجاء الأخير معلنا عن اسم منفذ التفجير في مشهد سينمائي مُعد سلفاً، في محاولة منه لاجتثاث هذا الغضب، الذي بدأ يتراكم في الصدور قبل أن يتوحش ويبتلعه.

يمكن أن يقول قائل: أن الأمر قد يتحول بين ليلة وضحاها ويأخذ الأقباط موقفا مضادا من النظام بعد كل الخبطات التي تلقاها، وهو ما قد يساعد موازيا الرفض الشعبي لإدارة السيسي للدولة، وقد يلتقي الطرفان قريبا جدا.. وهنا يجب أن نقف ونسأل: لصالح من سيقف الأقباط في مواجهة نظام السيسي؟

الأقباط سيكملون دعمهم للسيسي حتى لو هُدمت الكاتدرائية نفسها… ولو حدث بدل التفجير ألف. خوفهم من التهام الفصيل الإسلامي للدولة – الذي بدأ يصحو بفضل إجراءات النظام الحالي –   والتنكيل بهم، سيدفعهم إلى التمسك بالبطل الذي يعُلن كل صباح ومساء حربه ضد الإرهاب، الذي يراه الأقباط متمثلا في فصيل الإسلام السياسي…

منذ تم حرق واقتحام مبنى الكاتدرائية بعد أزمة الخصوص، وبوجود تواطؤ أمني بالغ، كان الملاحظ أ، الأقباط بدأوا في التراجع خطوة إلى الخلف، فبعد رفضهم مناقشة أي تردي في الأوضاع الاقتصادية، والتمسك بنظرية “نستحمل” و”البلد محتاجة كتير عشان توقف على رجليها” و”الرئيس شغال وأهو أفضل من الي فات”، بدأوا في مناقشة كل هذا الأمور، ولكن ظل تمسكهم بالسيسي ونظامه محل عقيدة راسخة لا خلاف عليها…

ما كُتب عن الخوف من الذهاب إلى الكنائس في هذا العيد من الأقباط، وهو بكثير، يُعد مؤشر على فقدان الثقة في النظام، ولأول مرة أسمع من قريب مسيحي كلمة: “ده راجل فاشل”…

أصوات قبطية خارج مصر تغيرت نبرتها تجاه نظام السيسي محاولة أن تدفع بأقباط الداخل الى إعلان الرفض أيضاً، ولكن ذلك لن يحدث، بل ستظل نظرة أقباط الداخل للذين يقيمون في الخارج أنهم بعيدون كل البعد عن النار التي تحرقهم هنا…

السيسي يُدرك ذلك ولديه معلومات أكيدة عن التوتر القائم والغضب مما يحدث ويتكرر، ومن إصراره على عدم وجود شبهة تقصير أمني، ودخوله قداس عيد الميلاد بجانب البابا تواضروس هذا العام خير شاهد على كل محاولاته للحفاظ على دعم الأقباط.

يبقى أمل في أن تُخلق قيادة مدنية يمكنها صنع خطاب يصل مباشرة إلى قلوب الأقباط ويفكرون فيه في لحظات سجودهم داخل الكنيسة، ورعبهم من تكرار التفجير وتحولهم إلى أشلاء….

الأمر يحتاج إلى مجهود للإقناع، وضمهم للصف ليس الذي يرفض فحسب، فالجميع يفعل ذلك، ولكن العبرة تبقى في من يُعلن، وعلى استعداد لتحمل نتائج هذا الإعلان.

سامح حنين (القاهرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق