مانشيت

الثورة الروسية… دروس من الماضي

لسنا في حاجة إلى ذكر أهمية الثورة البلشفية ودورها في التاريخ البشري، فهي الثورة الأكبر من حيث التأثير والنتائج، وتنافس في ذلك الثورة الفرنسية. تلك الثورة انتجت نهضة سياسية فكرية، وحركة تحرر وطني شاملة، ووفرت فرصة لانتشار الفكر الشيوعي، وطرحت نظاماً عالمياً جديداً، بعد الحرب العالمية الأولى، علاوة على كونها مرشدة لكل التجارب الثورية التي اندلعت في مناطق متعددة في العالم.

هو حدث ضخم في مسار التاريخ لم يكن له شبيه، ولكن ينتابه قدر كبير من الغموض، حول أحداثه وطبيعته، فليس غريباً أن تندلع ثورة بهذا الحجم والتأثير في دولة شهدت وجوداً للحركة الاشتراكية منذ  العام ١٨٠٥، من خلال الحلقات الثقافية اليسارية، والتي ساهمت في إعداد أجيال من المثقفين أصحاب الميول اليسارية، ومع توافر هذه القاعدة الثقافية كانت هناك عوامل مادية مهدت لقيام مثل هذا الحراك الجذري في المجتمع الروسي.

لينين و تطور الرأسمالية في روسيا

استنتج لينين في كتابه: “الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، أن الثورة ستندلع في الحلقات الأضعف من النظام الرأسمالي، ولم يكن يعني ذلك أنه ينفي عن المجتمع الروسي ذلك القدر من التطور الرأسمالي، الذي يؤهله لوجود طبقة بروليتارية قابلة للقيام بمهامها الثورية.

العام 1899،  كان مفصلياً في النتاج النظري للينين، حين نشر كتابه الذي أسس لسمعته كمنظر ماركسي: “تطور الرأسمالية الصناعية الكبيرة في روسيا “. في ذلك الوقت، كانت روسيا تشهد تطوراً سريعاً جداً للإقتصاد الإجتماعي، فالرأسمالية الروسية كانت مدعوة إلى “رسالة تاريخية ، يختصرها لينين في مقولتين: “زيادة القوى الإنتاجية للعمل الاجتماعي، وتجميع هذا العمل بذاك، فإن رسالتها تقدمية مع الإعتراف الكامل بالجوانب السلبية والمظلمة من النظام الراسمالي”.

هذا الحكم الذي أصدره لينين في بلد كان يعاني من تداخل شديد بين أنماط إنتاج مختلفة ومتضافرة. وحتى بعد استقرار الرسمالية كنمط، بقيت واستمرت هذه الانماط في إطار التطور اللامتكافئ، ولكن بنسب اقل .

الكلمة المفتاحية في هذه الثورة هي “السوفيتات”، أي مجالس العمال والجنود والفلاحين، التي تمكن من خلالها البلاشفة من الإطاحة بسلطة البورجوازية المتمثلة في حكومة “كيرنسكي” .

وعندما نبحث في وقائع الثورة في كتاب جون ريد “عشرة أيام هزت العالم”، نجد ان الأحداث الرئيسية تدور في تلك المجالس، حيث الحوارات و الخطب والمنشورات التي عملت على إقناع الجالسين من ممثلي للعمال والفلاحين وأحيانا الجنود، الذين تمكن البلاشفة من فصلهم عن الضباط… وهو ما يعبر عن مدى أهمية وتطور هذه المجالس الديمقراطية، ووعي الطبقة العاملة بدورها، كطبقة قائدة، فلا يمكن تصور قيام الثورة من دون مثل هذه المجالس النقابية المتطورة.

لا شك في أن العامل الرئيسي في انتصار البلاشفة هو الطبيعية شبة العسكرية لتنظيمهم، ونفاذ كوادر البلاشفة داخل الأوساط العمالية والفلاحية، من خلال أطروحات عملية وفكرية وبأدوات دعائية منتشرة. فبعد سقوط القيصر وإختلال هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية وإشتعال الجبهة مع ألمانيا أثناء الحرب العالمية الاولى – التي شاركت فيها روسيا القيصرية بخسائر فادحة – كان الطريق ممهدا نحو السلطة.

وبذلك نستنتج أن ثورة أكتوبر كانت لها ممهدات موضوعية كثيرة، أهمها النضج النسبي للبروليتاريا الروسية، مع  إنتشار للفكر اليساري في أوساطها، بجانب اشتعال الحرب بين قوي الامبريالية، والتي جعلتها تغفل خطر التحركات الثورية، فيما يبقى العامل الأهم هو الإرادة الثورية المتمثلة في تنظيم البلاشفة المنضبط تنظيميا و أيدولوجيا، والذي استطاع أن يقود البروليتاريا في مواجهة كل من النزعات الشعبوية والإصلاحية، داخل قوي اليسار وهجمات الثورة المضادة المتتالية.

الثورة والستالينية

بعد ١٠٠ عام على الثورة البلشفية وسقوط التجربة السوفيتية لا تزال مجمل التحليلات الراهنة وخصوصا الغربية منها، تحمل مسؤولية سقوط التجربة الاشتراكية الأولى، إلى الستالينية، حيث يعتبر كثيرون أن سقوط التجربة الثورية، ظهرت مقدماتها، مع أسلوب ستالين في الحكم، والمتمثل في تقويض سلطة السوفيتات لصالح الحزب، و تعميق سيطرة الدولة على وسائل الانتاج.

وينطلق بعض المدافعين عن تلك النظرية، من فكرة مفادها ان غياب رقابة المنتجين المباشرين على وسائل الانتاج وإضعاف دور السوفيتات في “الرقابة من أسفل”، يؤدي بالضرورة إلى طغيان البيروقراطية، وتحويل ديكتاتورية البروليتاريا الى ديكتاتورية البيروقراطية الحزبية.

ولكن لينين نفسه كان يرى أن البيروقراطية “سلاح ذو حدين “، وتبين لاحقا أن ما استطاعت تقديمه من طفرة صناعية وتعاونية خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح معرقلاً للتقدم نحو الاشتراكية.

وعندما أعلن ستالين أن بناء الاشتراكية أصبح ممكنا من أعلى، نتج عن ذلك توسع لصالح جهاز بيروقراطي ضخم على حساب ديمقراطية الطبقة العاملة. وبالتالي، توقفت رقابة المنتجين المباشرة على الإنتاج، وتحولت الإشتراكية العلمية، من علم إلي أيدولوجيا جامدة، فأصبحت الدولة السوفياتية جهازاً بيروقراطياً صرفاً، وكان من الطبيعي إذن أن تنتهي هذه التجربة بعد وفاة ستالين ب ٤٠ سنة .

 

أزمة النظام الاشتراكي

برغم وجود جانب كبير من الصحة في الطرح الذي يعتبر الستالينية مشكلة، إلا أنه طرح متحامل ويهدف إلى تصويب كل السهام نحو ستالين، فالتجربة الصينية والكوبية والفيتنامية اتبعت نفس الاسلوب والمسألة خاضعة لوجود ظروف موضوعية عالمية، ساهمت في تشكيل التجارب الثورية الاشتراكية.

وتلك الظروف المتمثلة في خطر إمبريالي متربص دائما، ما يتطلب دولة متماسكة ومركزية، للإمساك بزمام الأمور، وتحقيق قدر كاف من المقاومة الاقتصادية والعسكرية والايدولوجية، مع الاخذ في الاعتبار أن التجارب الإشتراكية انبثقت في معظمها عن تكوينات اجتماعية متأخرة كانت تحكم بأشكال استبدادية متنوعة .

تبدو الأزمة الرئيسية هي إنعدام التحديث و التمسك بنفس الأسلوب القديم في الحكم، فبرغم رفع الاتحاد السوفياتي لشعارات السلام والتعايش،  بقيت منظومة الحرب قائمة بداخله ولم يشهد أية محاولات للتحديث إلا تحت شعار التحريفية التي تبناها نيكيتا خروتشوف.

و مع بقاء السوفيتات كمنظمات ديمقراطية جامدة تماماً وإنعدام الرقابة من أسفل، استمر الجمود سيد للموقف حتى حدث ما حدث وسقطت التجربة في يد عملاء الغرب المتحالفين مع البيروقراطية، التي تحولت إلى فئة طبقية عليا من مصلحتها إنهاء المنظومة الاشتراكية.

سقط الاتحاد السوفياتي وسقطت معه منظمات حزبية وعالمية متنوعة، وسيطرت الولايات المتحدة  على الموقف العالمي، بصفتها القطب الأوحد، وانخفضت أصوات التحرر الوطني وحق الشعوب في تقرير المصير، فيما اتجه مفكرو الليبرالية الجديدة إلى نظريات مثل”نهاية التاريخ”، و ظهر “اليسار الجديد” الخاضع للغرب والذي يفكك القضايا التحررية، ويفصلها عن بعضها بينما ينقد الرأسمالية نقدا يساهم في تعزيزها.

ولكن كل هذا لا يعني أن الثورة كفت عن أن تكون قاطرة التاريخ، أو أنها أصبحت حلماً طوباوياً. وبالرغم من المتغيرات القائمة لكن لاتزال القضايا المطروحة على الإنسانية، لا يمكن معالجتها إلا بالفكر الثوري الطامح نحو التغيير الراديكالي.

فإذا كانت الثورة البلشفية قد هزمت في موضع انفجارها إلا أنها قد أسست لفكر وتراث ثوريين على المستوى العالمي، يحتاج كي يتحقق الى التحلي بالروح النقدية والتخلي عن عن هالات التقديس والتفكير الماضوي المتمثل في إعادة اسقاط الماضي علي الحاضر!

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق