غير مصنف

الرقابة اللبنانية تشوّه “مولانا” !

لا يسعك، حين تشاهد فيلم “مولانا” ، في صالات السينما اللبنانية، سوى أن تشعر بخيبة أمل، بعدما تدخّل مقص الرقيب لاقتطاع بعض مشاهد العمل السينمائي.

12 دقيقة، أو أكثر بقليل، محيت من الفيلم، المستوحى من رواية تحمل الإسم ذاته، للكاتب والصحافي المصري ابراهيم عيسى، شوّهت العمل السينمائي، في بعض من تفاصيله.

ربّ قائل أن مقص الرقيب لم يؤثر على الرسالة التي يحملها “مولانا”، خصوصاً أن العمل السينمائي، كما الرواية، متخم بالأفكار، ولكن الاقتطاع، افتقد إلى الحرفية، خصوصاً أنه طال مشاهد تشكل نقطة الوصل في السياق الدرامي، كمشهد اللقاء الأول بين الشيخ حاتم، العالم الأزهري الذي تدور حوله الأحداث، وحسن / بطرس، شقيق زوجة الرجل الكبير، ابن رئيس الجمهورية، ووريثه المحتمل في الفيلم، الذي هز الأمن القومي للبلاد، حين قرر “التنصّر” و”الارتداد عن الاسلام”.

هكذا وجد المشاهد اللبناني لفيلم “مولانا” نفسه، من دون مقدمات، أمام مشهد يخاطب فيه الشيخ حاتم ذلك الشاب، باسم شبه حركي (“حسن أبو علي”)، عبر برنامجه التلفزيوني الديني، ولم يفهم خلفيات العلاقة المعقّدة بين الشيخ حاتم نفسه، والمنظومة الرسمية – الأمنية والدينية، بعد اقتطاع مشهد، تدور أحداثه حول حفل عشاء، جمع كل هؤلاء في مكان واحد (مع العلم أن الرقيب أبقى على مشهد الاتصال الهاتفي الذي يتلقاه الشيخ حاتم لحفل العشاء هذا ! ).

علاوة على ذلك، فإن اقتطاع تلك المشاهد، افقد على سبيل المثال حيثية وجود شخصية بارز في الفيلم كـ”الشيخ فتحي”، وكيل وزارة الأوقاف، الذي يقدمه الفيلم كرجل دين في خدمة السلطان، حتى ليخال للمشاهد، بعد الحذف، أن مؤدّي دور هذه الشخصية، الفنان الراحل احمد راتب، مجرّد “كومبارس” ناطق، في مشهدين، الأول في بداية الفيلم، حين يصاب بوعكة صحية تفسح المجال أمام الشيخ حاتم لاعتلاء منبر خطبة الجمعة، لتبرز نجوميته، وفي المشهد الأخير، حين يبدو جالساً في كنيسة ضربها عمل ارهابي، ضمن وفد من رجال الدين كلفتهم وزارة الداخلية بتطييب خواطر الأقباط المصابين بذلك التفجير، الذي يحاكي تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية (كانون الثاني 2011).

كما أن الاقتطاع غيّب كليّاً الفنان لطفي لبيب، رجل الأعمال، المقرّب من المؤسستين الحكومية والدينية، وهو صاحب دعوة العشاء، في المشهد الذي لم تتحمله الجهات الرقابية.

لكن خيبة الأمل الحقيقية إزاء ما جنته أيدي الرقابة على “مولانا” تبدو في مكان آخر، فالتشويه الذي قامت به الجهة الرقابية – أو بالأصح الجهة الدينية التي طالبت بقص بعض مشاهد الفيلم – يعكس أمرين خطيرين، ليس من المبالغة التحذير منهما.

الأمر الأول، أن ثمة خطراً محدقاً يتهدد الحريات العامة في لبنان، وفي القلب منها حرية الفكر، فما حلّ بـ”مولانا” لا يقل في انتهاكه للحريات العامة عن سلسلة إجراءات شهدتها الأشهر  – أو حتى السنوات الماضية – من منع أعمال سينمائية، ومحاكمات طالت فنانين ومثقفين وناشطين لمجرّد التعبير عن آرائهم (كما حدت مع الفنان المبدع زياد الرحباني على سبيل المثال لا الحصر، أو ملاحقات قضائية بحق صحف ووسائل إعلامية لأسباب متعددة.

أمّا الأمر الثاني، وهو الأخطر  قياساً إلى ما سبق، أن ثمة جهات، في هذا البلد أو غيره في عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه، تخشى مجرّد مشاهد سينمائية، تنطوي على حوار يحفّز على النقاش بشأن التقارب والاختلاف بين الأديان، تحت ذريعة “عدم إثارة النعرات”، كما هي الحال مع مشهد اللقاء الأول المحذوف بين الشيخ حاتم والشاب حسن / بطرس، حين حاجج كل منهما الآخر  بدفاعه عن المسيحية والإسلام في سياق منطقي، لم ينطو على أية إساءة لأيّ من الديانتين.

ولعلّ قراءة نص السيناريو تكفي لتفسير ذلك:

الشيخ حاتم:  انت لو رحت لقسيس عادي يعني، وقلت له أنا عايز اتنصر، هيرحّب بيك ويباركك، إنّما لو قلت له أنت ابن مين، وأبوك يبقى مين في الدولة، هيكلمك على عظمة الإسلام وكإنه شيخ الأزهر!

حسن / بطرس: صح، لكن ده من كتر الظلم والاضطهاد، مش عارفين يعبّروا عن افكارهم ومشاعرهم الحقيقية.

الشيخ حاتم:  إسمع يا بيه يا اهبل انت، البلد عندنا مقسومة اغنياء وفقراء، فسدة وشرفاء، مش مسلمين واقباط، لكن النظام اللي عندك في البيت عايزنا كده: المسلم بيتعامل مع المسيحي على أنه كافر ولازم يسلم، والمسيحي شايف المسلم كافر وظالم وعنصري.

حسن/ بطرس: بس دي سياسة مش دين.

الشيخ حاتم: شوف ياد يا ابو علي، المسيحية أول ما خرجت من بيت لحم بقت سياسة. والإسلام، بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام بقى سياسة.

علاوة على ذلك، فقد عكس حذف مشهد العشاء الصاخب في في منزل رجل الأعمال خالد أبو حديد (لطفي لبيب)، توجهاً لدى الجهات التي أوصت بقطع هذا المشهد، للتغطية على انحراف بعض رجال الدين  عن رسالتهم – وثمة حالات في هذا السياق لم تعد خافية على أحد – كالفتاوى الشاذة الصادرة عن بعض شيوخ الأزهر  – وغيرهم – من قبيل “فتوى إرضاع الكبير” (الشيخ فتحي – أحمد راتب) أو في التواطؤ بين رجال الأعمال (الذين يختزلهم “مولانا” في شخصية ابو الحديد) وبعض رجال الدين لقمع العمال المطالبين بحقوقهم!

ليس من قبيل المبالغة إذاً القول إن حذف بعض مشاهد فليم “مولانا” مؤشر على أزمة كبيرة، في بلد لطالما نظر إليه باعتباره واحة للحرية والابداع في الصحراء العربية القاحلة.

(بإمكانكم مراجعة ملاحظات الكاتب على فيلم “مولانا” بعد مشاهدته كاملاً في صالات السينما المصرية عبر هذا الرابط: “مولانا”… “قنبلة” ابراهيم عيسى ممنوعة في لبنان! ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق