*

السلالة القيصرية الضائعة… بين الحقيقة والأسطورة

ظلّت الحقيقة وراء مقتل أفراد عائلة رومانوف احد أبرز الألغاز  في القرن العشرين. ما الذي حدث فعلاً في تلك الليلة التراجيدية من صيف العام 1918؟ هل قتلت الأميرة اناستازيا حقاً أم نجت؟ لقد اكتشفت مقبرة تحوي رفات يعتقد أنها تعود إلى أفراد العائلة القيصرية، ولكن ما الذي يثبت ذلك؟ ولماذا رفضت الكنيسة الارثوذكسية، التي رفعت ضحايا مجزرة فيللا إلى مرتبة القديسين، التقارير الطبية التي صدرت في العام 1991 بشأن القيصر نيكولاي وعائلته؟  

الإجابة على تلك التساؤلات استغرقت أكثر من قرنين، وانخرط فيها خبراء جنائيون، وعلماء في مجال الجينات الوراثية، لم يوفّروا دليلاً، من العلم إلى السجلات السوفياتية، إلا وتحققوا منه، لكي يحسموا الجدل بشأن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ روسيا الحديث.

في مكان واسع جداً، وبعيد عن الحضارة، انطلق الدكتور انطوني فالسيتي، للكشف على جثتين عثر عليهما في غابة نائية، تبعد نحو عشرين كيلومتراً عن مدينة يكاترينبرغ السيبيرية.

هو أشهر علماء الطب الشرعي في العالم، وأحد خبراء التحقيقات في هجمات 11 أيلول في الولايات المتحدة، وقد دعته الحكومة الروسية، لكي يكون عضواً في فريق محققين، هدفهم الوصول إلى الحقيقة في جريمة عمرها تسعون سنة.

ليس هناك مجال للخطأ في هذه القضية، فالجثتان اللتين عُثر عليهما، قد تكونان لأحد أفراد العائلة القيصرية، ولكن أحداً لا يستطيع التأكد من ذلك، فما جرى لعائلة رومانوف ظلت وقائعه مبهمة طوال عقود، امتزج خلالها التاريخ مع الخرافة والأسطورة. المخاطرة كبيرة بطبيعة الحال، ولكن التحقيقات قد تجد أجوبة على أسئلة لطالما وضعت العالم في حيرة عميقة، وهي تدور حول سؤال جوهري واحد: هل انتهت سلالة روسيا الملكية بجريمة قتل عنيفة؟ أم أنّ وريثاً للعرش نجا وعاش حياته.

إلى جانب فالسيتي، شارك في التحقيقات الدكتور مايكل كوبل، وهو أحد أبرز خبراء الحمض النووي في العالم، ويعمل في البنتاغون حيث يحدّد هوية بقايا الجنود الأميركيين، والمختبرات العسكرية الأميركية هي في واقع الأمر تحت كامل تصرّفه.

في مدينة يكاترينبرغ، التي تحوّلت لاحقاً إلى قاعدة صناعية نائية، تحدّد مصير العائلة القيصريةليل السابع عشر من تموز العام 1918.

خمسة أولاد ولدوا في تلك العائلة: الدوقة الكبيرة اولغا، زهرة الأنوثة الشابة تاتيانا، المراهقتان اللاهيتان ماريا وانستازيا، وولي العرش اليكسي، البالغ من العمر 13 عاماً، والذي وُلد ليكون ملكاً. يوقرهم ملايين الروس الموالين، لا بل أنهم يعبدونهم. كانت عائلة مقدسة وجدت على الأرض لتحكم الأمة، ولكنّ السلالة ستنتهي معهم!

في العام 1917، حدثت الثورة الروسية، التي نشبت حرب أهلية في أعقابها، بين البلاشفة والموالين للقيصر. سُجنت العائلة الملكية، ونُفيت إلى سيبيريا، حيث وضعت قيد الاقامة الجبرية في مدينة يكاترينبرغ. باتت العائلة الملكية مشكلة مربكة للاتحاد السوفياتي الحديث النشأة، سواء أكان افرادها أحياءاً أو امواتاً. خططت السلطة الجديدة لمحاكمة القيصر واعدامه، وكان لينين يريد  لبقية العائلة أن تكون أدوات لتحقيق مآرب سياسية.

في شهر تموز من العام 1918، خشي الشيوعيون أن يكون الجيش التشيكي والموالون للنظام القديم، في طريقهم إلى إنقاذ القيصر، فتمّ اتخاذ القرار بالتصرف سريعاً، وكان ياكووف يوروفسكي، هو المتطرف الذي اختارته اللجنة المحلية لتولي قيادة دار المنفى، والذي سيقوم بالدور الأكبر في ما حدث لعائلة رومانوف.

تمّ نقل الحرّاس الذين كانوا يعطفون على العائلة الملكية، وأحضر يوروفسكي رجالاً جدداً، مكلفين بمهمة جديدة، وهي إعدام السجناء.

في فيللا إيباتييف، وخلال عشرين دقيقة مرعبة من ليل السابع عشر من تموز العام 1918، كُتب الفصل الأخير من حياة عائلة رومانوف.

بعد منتصف الليل، أيقظ الحراس العائلة الملكية من النوم، واخبروهم بأن الغرف العلوية لم تعد آمنة بسبب الشغب الشعبي في البلدة، وأنّ ثمة احتمال في أن يطلق الناس النار في الشوارع. تم انزال القيصر وعائلته وخدمهم – مجموعهم احدى عشرة شخصاً – إلى القبو “حفاظاً على سلامتهم”.

دخل يوروفسكي ورجاله القبو، وأُمر كل رجل بأن يطلق النار على قلب كل فرد من العائلة الملكية، لتقليل سيلان الدم.

أجريت تحقيقات بعد الحادثة، وثمة روايات مفصلة إلى درجة مربكة. ولكن ما حدث كان وحشياً ويعجّ بالكراهية.

بعد انجلاء الدخان، بدأت الأسطورة: هل نجا أحد من هذه المذبحة حقاً؟

العظام التي عثر عليها في غابة كوبتياكي قد تقدّم أجوبة على هذا السؤال. من المؤكد أنّ فصل الحقيقة عن الأسطورة في قضية ألهبت خيال العامة مستحيل عملياً، ولكن الاكتشاف الأخير، ربما يزود المحققين بدليل كانوا يبحثون عنه منذ عقود. كان الجواب النهائي مدفوناً منذ قرابة تسعين سنة في تلك الغابة المكسوة بالثلج.

تمّ نقل البقايا إلى مشرحة حفاظاً عليها. هي عبارة عن عظام، وربما بقايا طلقات، عثر عليها منقبو الآثار في تلك المنطقة النائية.

كان التنقيب غير منظماً، وهو ما جعل المحققين يقطعون مئات الكيلومترات، للوصول إلى مجرّد موقع دفنت فيه بقايا مجهولة الهوية. ولعلّ ما زاد الأمور غموضاً وتشكيكاً، هو أن الخداع والتغطية ليسا غريبين عن قضية رومانوف، وربما يكون ذلك الدليل مجرّد خدعة جديدة.

في الأيام التي تلت قتل عائلة رومانوف، قالت الصحف إن القيصر وحده قُتل، وطوال ثماني سنوات، ادّعت السلطات السوفياتية بأن بقية أفراد العائلة الملكية أحياء! ولكن التغطية فشلت وغيّرت الحكومة السوفياتية قصتها. ولكن هناك روايات تفيد بمشاهدة اليكسي واناستازيا… والشائعات المتهامسة لم تهدأ لعقود عديدة.

في موسكو، كان ثمة ارتباك بشأن مصير العائلة الملكية، فقد ادعى محتال بأنّ اليكسي يخضع لتحقيق رسمي.

مرّت سنوات، على هذا المنوال، وفي عهد ستالين، كان مجرّد ذكر اسم عائلة رومانوف محظوراً.

في خمسينيات القرن الماضي، ظهر أحد عناصر فرقة الإعدام، في الولايات المتحدة. لقد تم تكليف رودولف لاخر، وهو نمساوي، بحراسة الشاحنة، التي تحمل الجثث التي كان ينبغي نقلها لدفنها بسرّية، ولكنها علقت في الوحل. ادعى لاخر  بأنه ساعد اناستازيا الجريحة على الهرب، وهكذا استمرت الاسطورة.

وطوال تسعة عقود، لم تخمد الشائعات التي تتحدث عن نجاة أحد أفراد عائلة رومانوف.

في العام 1991، انهار الاتحاد السوفياتي، ودخل الاكاديميون المحليون إلى غابة كوبيتياكي، بغرض التنقيب.

مضى وقت طويل على وفاة يوروفسكي، ولكن الأوراق التي تركها لابنه، قدمت دليلاً قد تقود إلى مكان دفن العائلة الملكية.

أثناء الحفر، ظهر قبر غير  عميق إلى السطح، ويحوي جماجم وعظام وهياكل عظمية كاملة، ولكن ثمة خطأ ما، فبحسب رئيس مؤسسة الأبحاث بيتر  سارانديناكي، تم العثور، عام 1991 على تسع مجموعات من البقايا، في حين أن اللذين قتلوا في يكاتيرينبرغ كانوا أحدى عشرة، أي أن مجموعتين بقيتا مختفيتين.

تم التعرف إلى جثة القيصر وزوجته وثلاث من بناتهما، وأربعة مرافقين، ولكن أصغر اثنين بين الأولاد، لم يكونا بين القتلى.

يبعد الاكتشاف الثاني نحو 64 متراً عن القبر الأول، وهذا القرب يشي بوجود رابط محتمل… ولكن لا شي أكثر من ذلك!

البقايا العظمية التي عثر عليها، والتي نقلت إلى مشرحة يكاتيرينبرغ، ستخضع لاحقاً إلى أدق واقوى فحص يمكن أن يقدمه الطب الشرعي في القرن الحادي والعشرين.

القى فالسيتي وكوبل النظرة الأولى إلى العظام التي قد تحل لغز هذه القضية. ولكن تفحّص تلك البقايا، التي قد تكون للعائلة الملكية، والمحفوظة في أمان تام، مضبوطة بشدّة، ففي العام 2000، اعتبرت الكنيسة الروسية الارثوذكسية أن أفراد عائلة رومانوف شهداء، وإذا تم التحقق من حقيقة هذه العظام، فقد تصبح آثاراً مقدسة. كذلك، فإنّ فحص بقايا من يُعتقد أنهم قديسين أمر حساس جداً، وبالتالي فإنّ التعامل معها يجب أن يتم بحذر شديد.

ليس فالسيتي غريباً على تلك التعقيدات، فقد كان ضمن الفريق الأصلي الذي تم تشكيله في التسعينيات من القرن الماضي للتحقيق في المجموعة الأولى من عظام رومانوف. تلك التحقيقات كانت محلّ نزاع، وقد استخدم فيها الخبراء الروس تقنيات اعادة بناء الوجه، لكي يقولوا إنّ أحدى الجثث كانت تعود إلى اناستازيا، ولكن كثيرين لم يقتنعوا بالنتيجة، التي كانت مرتبكة، بالنظر إلى التناقض في عدد الجثث، فإذا كان هناك جثتان مفقودتان، فهل هذا القبر الحقيقي؟

وما زاد الأمور تعقيداً هو أن البعض تحدّث عن تأثير سياسي لإجراء التحقيقات على عجلة، كما أن الكنيسة الارثوذكسية الروسية لم تقبل بدليل الحمض النووي باعتباره فاسداً، وبالتالي رفضت الاعتراف بأن البقايا تعود إلى عائلة رومانوف.

ولكن الاكتشاف الجديد قد يغيّر ما سبق، فهذه المرة يتوق الفريق إلى تفادي الجلبة الاعلامية التي حدثت في العام 1991، ولكن ولكن تجنّب الاعلام يبقى أمراً مستحيلاً حين يتعلق الأمر بقضية على مستوى “لغز عائلة رومانوف”. بعد مغادرة وسائل الاعلام مشرحة يكاتيرينا، اتضح أن ثمة مشكلة حقيقة: لا يمكن التحقق سريعاً من أن الأجزاء الأربعة والأربعين بشرية أم لا (!)، فالبقايا التي عثر عليها لا تشبه البقايا السليمة التي وُجدت في العام 1991، فهي مهشّمة، ومن الصعب التعرّف إليها! ومع ذلك، كان الفحص الأولي، يشير، ولو بشكل مبدئي، إلى أنها بشرية، ولكن لمن تعود: أهي عظام أليكسي أم ماريا أم أناستازيا… أم أنه شخص آخر.

ثمة لغز داخل اللغز، يتعلق خصوصاً باناستازيا. وحتى تلك المرحلة، لم يكن بمقدور الخبراء التحقق ما إذا كانت البقايا العظمية تعود إلى انثيان أم ذكر وانثى، أو أنها مجرّد شظايا للبقايا التي استخرجت في السابق.

استغرق فالسيتي وقتاً كافياً لتفحّص البقايا البشرية، وقد حقق تقدّما هائلاً، فقد اكتشف ان احدى البقايا جزء من الحوض، وهو حوض انثنى، انطلاقاً من كون الثلم الوركي، وهو ضيّق عند الرجال، وواسع جداً عند النساء، وكانت النتيجة بالتالي إن البقايا تعود إلى شخصين، أحدهما أنثى، ولكن ثمة عملاً كبيراً وجهداً ينبغي القيام به لتحديد هويتهما.

أما كوبل، فقد واجه مشكلة أخرى، فقد اكتشف أن العظام تعرّضت للحرق، وهو أمر مضرٌّ بالحمض النووي. ولهذا السبب اختار العينات التي يرجّح أن تحوي حمضاً نووياً قابلاً للقراءة، وهو ما يتطلب أيضاً إرسالها إلى مختبره في الولايات المتحدة، ومختبرات في دول أخرى، لتخضع لتحليل مستقل، ولكن اقتطاع المورثات البالغ عمرها تسعين سنة، والتي قد تكون هاجعة في العظام، قد يستغرق اسابيع، واحتمالات بقاء الحمض النووي فيها سليماً ضعيف.

من جهة ثانية، كانت البلدة التي شهدت نهاية عائلة رومانوف تحوي مزيداً من الأدلة التي يمكن تعقبها، فقد كان عالم الأثار المحلي سيرغي بوغورولوف، أحد المنقّبين الذين عثروا على العظام، في العام 2007، ومن بين الأشياء، التي جرى استخراجها، إجزاء من صندوق خشبي، وكميات من الرماد، وبعض القطع الفخارية، قد يشكل كلّ منها مفتاح لحل لغز ما حدث

كان الرماد يؤكد وجود آثار الحروق على العظام، وأما القطع الفخارية فقد تكون دليلاً أقوى، إذ تم العثور على قطع مشابهة في مقبرة العام 1991، وكان ذلك أول إيحاء بوجود رابط بين مواقع القبور، ولكنّ هذا الأمر غير  حاسم.

ربط الدليل الجديد مع رواية لما حدث في الموقع قبل تسعين سنة، سيقود فالسيتي إلى البحث في مكان آخر، مع وجود دليل آخر، وهو ثلاث رصاصات، التي قد تكون قتلت وريث العرش، وإذا ما تطابقت مع تلك التي عثر عليها في العام 1991، مع بقية العائلة، فقد يكون هذا رابطاً حاسماً بين القبرين، وسينفي الكثير من الشكوك المتعلقة بهذه البقايا التي لم تحدّد هويتها.

تمّ اخذ الرصاصات إلى خبير ليقوم بتحليلها، فعند اطلاق الرصاصات تقوم ماسورة السلاح بحفر علامات خدش مميزة على جوانبها، وهذه العلامات مميّزة مثل بصمة الإصبع.

أولى الرصاصات الثلاث التي عثر عليها في العام 2007، تشوّهت بفصل الاصطدام، وبات من غير الممكن تحليلها، ولكن الرصاصتين الأخريين ظلتا سليمتين. التحليل الأولي، أظهر أن هاتين الرصاصتين متطابقتان تقريباً، أي أنهما اطلقتا من سلاح واحد، هو مسدّس “براونينغ”، ولكن المشكلة كانت أن عيارها مختلف عن الرصاصات التي عثر عليها في العام 1991، ما يعني أن السلاح الذي استخدم لقتل هذين الشخصين، هو غير السلاح الذي استخدم في قتل بقية عائلة رومانوف.

ومع أن هذا المسدس يعود إلى الفترة ذاتها، إلا أنه لا يوجد أي رابط مباشر ما اكتشف في العام 1991، وإذا لم يعثر على دليل حاسم بشأن الترابط بين القبرين، قد يعني ببساطة أن الجثث تعود إلى ضحايا عنف آخرين مجهولين، ولا علاقة لها بعائلة رومانوف.

ولكن، من جهة ثانية، فإنّ حل لغز العظام المهشّمة وما حدث للدوقة الكبرى اناستازيا وبقية أولاد رومانوف قد تكون مفاتيحه موجودة في صندوق حمله الدكتور مايكل كوبل من مشرحة يكاتيرينبرغ، وقطعت مسافة تزيد على تسعة آلاف كيلومتر، إلى الولايات المتحدة.

تمّ ادخال الصندوق إلى غرفة نظيفة، ضمن إجراءات صارمة متبعة، للحفاظ على سلامة العيّنات.

بعض تلك العينات بالغة الصغر، لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات، ومن بينها عينات من رفاة من يعتقد أنهما اليكسي أو أناستازيا.

تحديد هوية الجثتين اللتين اكتشفت بقاياهما حديثاً، يعتمد على إمكانية تعقب الحمض النووي الموجود في تلك العيّنات، عبر الأجيال، إلى علامات وراثية تتقاسمها نخبة محدودة من الناس، هم العائلات الملكية الأوروبية التي تتزواج في ما بينها.

يتحدّر أولاد رومانوف من الملكة فيكتوريا، مثل العائلة الملكية الحالية في بريطانيا، والحمض النووي في تلك العائلة الملكية يحمل صفات وراثة مميزة.

كان كوبل، وأفراد فريقه، معتادون على التعامل مع رفات الجنود المعاصرين، ولكن عمر تلك العظام يبلغ قرناً تقريباً، واستخراج الحمض النووي من تلك القطع ليس سهلاً، فالحمض النووي هش، ويتلف بسهولة مع مرور الزمن، وقد صمدت في أقسى المناخات الطبيعية في العالم، حيث تنخفض الحرارة شتاءاً إلى اربع درجات تحت الصفر، وتصل إلى 37 درجة صيفاً، وبالتالي فإنّ العثور على سلسلة سليمة لتحديد الهوية سيعني تدمير العظم كلياً، إلى مقدار قليل ثمين.

في روسيا، وجد فالسيتي دليلاً قد يساعده على ربط أجزاء الأدلة غير المترابطة، والتي عثر عليها في مسرح الجريمة. شهادة شاهد مات منذ مدّة طويلة، في أرشيف موسكو.

ولكونه يعمل بطلب من الكرملين، فقد مُنح فالسيتي تصريحاً عالي المستوى: العالم الاميركي استطاع دخول ارشيف يحوي وثائق شيوعية سرية يعود تاريخها إلى قرابة المئة عام!

حافظة تلك الأسرار، الدكتورة ليودميلا ليكوفا، فتحت لفالسيتي أبواباً مصفحة عملاقة مصممة لتحمي أثمن سجلات الكرملين من هجوم نووي، على عمق نحو تسعة أمتار تحت سطح الأرض.

إذا كان هناك من مكان يحوي أجوبة على أسئلة فالسيتي، فسيكون أرشيف فلاديمير ايليتش أوليانوف – لينين.

من بين تلك الوثائق، برقيات أرسلت إلى لينين في الأسابيع التي سبقت عملية القتل، للاستيضاح على شائعات بشأن مقتل القيصر، وقد أجاب عليها بالقول: “ليست هذه الشائعات صحيحة. القيصر سالم. إنها أكاذيب تنشرها الصحافة الرأسمالية”.

حين أرسل لينين الرد، كانت الأسرة نائمة، وقد تبقت بضعة ساعات من حياتها، ومع بزوغ فجر السابع عشر من تموز العام 1918، كان الجريمة قد ارتكبت.

ولكن حقيقة ما حدث في القبو هي موضع نقاش، ولا أحد يعرفها سوى الجلادين، الموجودة إفاداتهم في ملف آخر، ومن بينها التقرير الذي قدّمه ياكوف يورفسكي، والذي يعدّ الشهادة الأكثر دقة، ويجعل الجسم يقشعر عند قراءته:

“وقفوا قبالة الجدار. وهنا قال الكلمات التالية لهم: لقد وصل حكم آل رومانوف الى نهايته، وبرغم ان اقاربهم داخل البلد وخارجه، يحاولون تحريرهم، إلا أنّ مجلس ممثلي العمال السوفيات في أورال اصدر مرسوماً بإعدامهم”.

يقول المؤرخ كريغ كينغ إنه “حين أطلق الجلادون النار، وقعت  مشاكل عدّة، فقد كانوا في القبو ذي الجدران الحجرية، وكانت الرصاصات ترتد عنها، وتحوم في الغرفة”.

ويروي يوروفسكي أن إطلاق النار أصبح مشوشاً جداً، وعند انتهائه، رأى مطلقو النار أن البنات لا يزلن على قيد الحياة، فأطلقوا النار عليهنّ، ولكن لم يحدث شيء، ولم على قتلهنّ.

المدهش في الموضوع، أن إفادات شهود العيان توافق الرواية القائلة بأن الدوقة الكبيرة اناستازيا كان محمية بمشدّ مليء بالجواهر، يقوم بدور سترة مضادة للرصاص.

أسمعت ليوكوفا فولسيتي، التسجيلات التي سجلت في الستينيات لرجال أحياء فرقة الأعدام، وقد قال أحدهم: “عثرنا على ألماسات في حمالات الصدر.. وقلادات مختلفة، لآلئ، وأشياء أخرى. كانت الرصاصات ترتد عنها، وهناك واحدة منهنّ بدا وكأنها لم تقتل، وهي اناستازيا”.

إذن، ما جرى كان اعداماً غير متقن التنفيذ. فهل نجت اناستازيا من الإعدام الأول؟

تقول الروايات إن كلهم مات في نهاية المطاف برصاصة في الرأس… ولكن ماذا لو كانت تلك كذبة من بين الأكاذيب التي حامت حول ملابسات مقتل عائلة رومانوف؟

قرر فالسيتي إجراء اختبارات لتفنيد الاسطورة، وذلك لتحديد ما إذا كانت الجواهر قادرة على إيقاف رصاصة.

يعد الماس أقسى مادة معروفة من قبل الإنسان، ولكن استخدامها في هذه التجربة غير ممكن، ولهذا السبب أحضر الخبراء اوكسيد الزركونيوم (8 نقاط من 10 على مقياس صلابة الاحجار الكريمة)، والكوارتس الوردي والعقيق الأحمر (7 من 10 نقاط)، لتصطدم بها الرصاصات بسرعة 300 متر في الثانية.

استحصل الكولونيل فلاديمير سولوفييف، وهو رئيس التحقيق في قضية رومانوف، على ترخيص خاص للحصول على المسدسات التي استخدمها يوروفسكي في عملية الاعدام. لم يكن ممكناً بالطبع، استخدام الأسلحة الأصلية في التجربة، ولكن فريق التحقيق أحضر نسخاً طبق الأصل: لم تخترق الرصاصات التمثالين المخصصين للتجربة.

ياكوف يوروفسكي

هكذا بدأت الروايات القائلة بأن أناستازيا وماريا واليكسي نجو من الإعدام تصبح قابلة للتصديق!

انتهى بحث فالسيتي في روسيا، وباتت الحقيقة الحاسمة في المعلومات الوراثية، التي يمكن العثور عليها، على العينات الجاري فحصها في مختبرات كوبل، في اختبار عملي بالغ التعقيد.

ولكن مهمة فالسيتي لم تنته، فثمة إجابة ربما تفيد في مسار حل اللغز، وتتعلق بضآلة عدد العظام، التي تمّ العثور عليها في العام 2007، والتي يمكن أن تقود إلى أدلّة أخرى. عكف فالسيتي، في مختبره في فلوريدا، في مقارنة النتائج التي خلص إليها في روسيا، ونماذج أخرى، قام بفحصها خلال مسيرته المهنية الطويلة. دقق في إفادات الجلادين، ليحدد ما إذا كانت الشهادات والعظام تروي قصة مشتركة، خلص من خلالها إلى التالي:

عند انتهاء عملية القتل، خشي يوروفسكي من أن تصل القوات الموالية للقيصر في أية لحظة، وتمسك به متلبساً، خصوصاً أن الخطة بدأت تتكشف ما إن نقلت الجثث إلى الشاحنة، فحين بدأت عملية النقل، راحت إحدى الضحايا تصرخ – كانت ماريا أو أناستازيا – فأمسك أحد رجال يوروفسكي بندقية، وأخذ يضربها بشكل متكرّر على الوجه، إلى أن توقفت عن الصراخ.

تمّ نقل الجثث إلى غابة كوبيتياكي، ورُميت في هوّة منجم مهجور، ثم ألقيت بالقنابل اليدوية لجعل الجدران تنهار. اختفت الجثث جزئياً، ومع بزورغ الفجر، عاد يوروفسكي إلى يكاتيرينبرغ لكي يقدّم تقريره لرؤسائه، ولكنّ الحظ عانده، فقد ثمل بعض رجاله، وأخذوا يتباهون أمام السكان بما فعلوا، لا بل بمكان دفن الجثث. وبما أن السرية كانت مهمة جداً بالنسبة إلى يوروفسكي، فقد استعاد الجثث، وراح يبحث عن مكان جديد لدفنها.

بعد هطول الامطار الصيفية على الغابة، أصبحت الأرض كالغراء، فغرقت عجلات الشاحنة في الوحل، وتم انزال الجثث. كان يوروفسكي منهكاً، فيما رجاله ميالون إلى التمرّد. قرّر يوروفسكي أن يحرق جثتين، فأمر الرجال بتقطيعهما، لجعل العملية أسرع، ثم سكبوا مادة حمضية عليهما لإخفاء معالمهما.

اختبر فالسيتي خطة البلاشفة، باستخدام لحم الخنزير، المشابه من الناحية البيولوجية لتركيبة لحم البشر.  هذا الاختبار، الذي استغرق ثلاث ساعات، هي الفترة التي احرقت فيها الجثث، أظهر أن اذابة جثة بالحرق أمر غير ممكن، خصوصاً في وقت قصير كهذا، وبدرجة حرارة منخفضة.

هكذا، اتضح ان خطة يوروفسكي فشلت تماماً، فتطلب الأمر إجراء تعديل جذري، نقلت على اثره الجثث التسعة الباقية إلى مكان قريب من الحفرة التي دفنت فيها الجثتان.

باتت المعلومات التاريخية مؤكدة بالأدلة، ولكن ثمة حاجة إلى دليل لا يقبل الجدل: الحمض النووي.

بعد خمسة أشهر من اختيار العيّنات، انتهت اختبارات مايك كوبل: بالسنبة إلى تحديد الجنس، تم العثور في العينة رقم 146 على صبغي X  وY، ما يعني أنها تعود لذكر، واما العينة رقم 147، فقد عثر فيها على صبغ X  مضاعف، أي أنها تعود لأنثى.

وفي المرحلة الثانية، تمّت مقارنة عينات الحمض النووي للقيصر وزوجته، بعينة الحمض النووي للذكر، فتبيّن وجود 25 ذروة مكررة من القيصر و23 ذورة من زوجته، فبات الدليل دامغ على أن الجثة تعود لوريث العرش ألكسي.

أخيراً، قارن كوبل عينة اليكسي بعينة الانثى، فتبين ان كليهما يتشارك الرقم 23، والمورّث 33 مكرر، ما يؤدي إلى دليل دامغ، بانهما أخ وأخت.

كانت تلك الأخت، إمّا ماريا أو ماريا، ولكنّ ذلك لم يعد مهماً لأنّ كل الجثث باتت موجودة، والصورة واضحة بشكل لا يحمل أي التباس.

هكذا كتب العلم الفصل الأخير من قصة عمرها قرن من الزمن: لم ينج أحد من عائلة أطول سلالة حكمت روسيا.

 

(المصدر: الفيلم الوثائقي “سلالة رومانوف المفقودة” – “ناشونال جيوغرافيك”)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق