سياسة واقتصاد

“الشتات الإرهابي”… ما مصير “الجهاديين” بعد انهيار “الخلافة”؟

في ظل المتغيّرات الميدانية، التي تشهدها جبهات القتال ضد “داعش” في سوريا والعراق، يقترب التنظيم الإرهابي من خسارة البيئة الجغرافية، التي كانت تشكل قبل ثلاث سنوات ما يعرف بـ”الدولة الإسلامية”، ما يعني انهيار “الخلافة”، وهو ما أذّن له الانتصار الذي حققته القوات العراقية في الموصل، والتقدم المستمر لـ”قوات سوريا الديمقراطية” في الرقة، إلى جانب الجيش السوري وحلفائه في مناطق أخرى.

انطلاقاً من ذلك، بدأ الحديث في الغرب، عن التحديات التي قد يثيرها هذا الواقع الجديد، ولا سيما في الشق المتعلق بمصير “الجهاديين”، والخيارات التي سيسلكونها، في المستقبل القريب.

وفي هذا السياق، نشر مركز “راند” للدراسات، تقريراً أعدّه الباحث كولين كلارك، بعنوان “الشتات الإرهابي بعد انهار الخلافة”.

ويشير مصطلح “الشتات”، بشكل أساسي، إلى المجموعات القومية أو الثقافية أو الدينية التي تعيش في غير أرضها. تاريخياً، تركت الكثير من تلك المجموعات بصماتها في النزاعات التي شهدتها بعض مناطق انتشارها، سواء من خلال تقديم الدعم الإيجابي أو السلبي، للأطراف المحلية، كما كانت الحال الإيرلنديون الأميركيون في الولايات المتحدة، أو التاميل الذين عاشوا في كندا… الخ.

أمّا مصطلح “الشتات الإرهابي”، فقد بدأ استخدامه مؤخراً، للإشارة إلى المقاتلين الأجانبي، الذين قدموا من 80 بلداً، للقتال إلى جانب تنظيم التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق، والذين يرجّح أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية، عاجلاً أم آجلاً.

بعض هؤلاء العائدين، قد يكتفون بتقديم الدعم السلبي للجماعات الجهادية، ولكن بعضهم الآخر – وهم يشكلون الفئة الأكثر خطورة – سيذهبون للقتال في أماكن أخرى، أو يعمدون إلى تشكيل خلايا إرهابية في بلدانهم.

ظاهرة “الجهاديين الأجانب” ليست جديدة بطبيعة الحال، فبداياتها كانت خلال الثمانينات، في أفغانستان، حيث تقاطر الكثير منهم إلى هذا البلد، لقتال السوفيات. ولكننا اليوم أمام ظاهرة تكاد تكون أكثر اختلافاً في حجمها، وامتداداتها، وخطرها.

وبحسب تقديرات الخبير في الشؤون الجهادية توماس هيغهامر، فإن الجهاديين الأجانب في أفغانستان، خلال الثمانينات، تراوح بين خمسة وعشرين ألف عنصر، في حين أن خبراء آخرين، مثل ادوين باكر ومارك سينغلتون يقدرون وجود نحو ثلاثين ألف عنصر في العراق وسوريا.

القلق من المخاطر المرتطبة بـ”الشتات الإرهابي” لا يأتي من فراغ، فالجهاديون الاجانب انتقلوا في السابق من أفغانستان لينضموا إلى المجموعات المتربطة بتنظيم “القاعدة” في صراعات عدّة، خلال فترة التسيعينيات من القرن المنصرم، كالبوسنة والهرسك، والجزائر، والشيشان.

وبحسب مركز “صوفان” فإن ستة آلاف من الجهاديين في سوريا والعراق، على الأقل، أتوا من الغرب، ومن بين هؤلاء 150 عنصراً من الولايات المتحدة، وخمسة آلاف من أوروبا الغربية. والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن ثلاثة أرباع الجهاديين القادمين من أوروبا الغربية، يتحدرون من أربع دول، هي فرنسا (1800 عنصر)، والمملكة المتحدة (760 عنصراً)، وألمانيا (760 عنصراً)، وبلجيكا (470 عنصراً).

ويرجّح أن يتفاقم خطر المسحلين الأجانب خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل انهيار “خلافة” أبي بكر البغدادي.

ومع أن ظاهرة المقاتلين الأجانب ليست جديدة – حيث سجلت مشاركتهم في ربع الحروب الأهلية خلال السنوات المئتين الماضية – إلا أننا اليوم أمام جيل جديد من الجهاديين، الذين باتوا يمتلكون قدرات عالية، على مستويات عدّة، لا سيما في ما يتعلق بتكنولوجيا الاتصالات، وأساليب التنقل، إلى جانب مصادر المعلومات والمال، وهو ما يجعل مجموعة صغيرة من الكوادر المدرّبة تشكل قوة خطيرة للغاية.

وعلاوة على ذلك، فإن العناصر المشكلة لـ”الشتات الإرهابي” تنطلق اليوم من خلفية أيديولوجية أكثر قوة، وهي السلفية الجهادية، التي لا شك في أنها ستعيد التعبير عن نفسها، في أماكن عدّة حول العالم، حتى في حال انهيار “الخلافة”، فتلك الأفكار يمكن الاستمرار في نشرها، بفضل تكنولوجيا المعلوماتية، والتشفير في وسائل الاتصال الالكترونية، ما يعني ضرورة جعل “الخلافة الافتراضية” هدفاً أساسياً في المرحلة المقبلة من الحرب على الإرهاب.

ويبقى السؤال، عمّا يمن لهؤلاء الجهاديين الأجانب القيام به، أو بمعنى آخر الوجهة التي سيسلكونها، والنزاعات التي سيشاركون فيها.

كثيرة هي التوقعات بشأن مستقبل الجهاديين الأجانب، ولكن يمكن في العموم، الحديث عن سيناريو مركّب، يتوزعون فيه بين ثلاث فئات:

الفئة الأولى، تضم المقاتلين الأساسيين، الذين يرجح بقاؤهم في العراق وسوريا، حيث سيتكيفون مع الواقع الجديد، الذي سيفرزه انهيار “الخلافة”، فإمّا أنهم سينضمون إلى مجموعات جهادية اخرى  – أو ربما جديدة، وإما أنهم سيشكلون خلايا نائمة لتنظيم “داعش”، الذي يرجّح أن يلجأ إلى العمل السري، عبر تنفيذ عمليات إغارة أو تفجيرات انتحارية، سواء في العراق و سوريا، أو حتى في الخارج، ما يعني أن هذه الفئة من الجهاديين ستشكل البنية الأساسية للموجة الجديدة من أعمال العنف.

وفي الغالب، فإن عدداً كبيراً من جهاديي “داعش” سينضم إلى تنظيمات سلفية جهادية، مثل “جبهة النصرة”، أو “هيئة تحرير الشام” أو “حركة أحرار الشام”… إلى آخر تلك المجموعات المترتبطة فكرياً بتنظيم “القاعدة”.

وأما الفئة الثانية، التي يمكن تصنيفها كـ”مرتزقة”، فستلتحق بجبهات “جهادية” اخرى، كاليمن وليبيا والقوقاز وغرب افريقيا وأفغانستان. ولا بد من التذكير، في هذا السياق، إلى أن “الدولة الاسلامية” باتت تضم “ولايات” في مختلف البلدان السابقة الذكر، وغيرها، ما يعني أن جزءاً من هؤلاء الجهاديين، قد يجدون طريقهم إلى تلك “الولايات” في محاولة لإحياء “الخلافة”، حتى بعد انهيارها في سوريا والعراق.

وأما الفئة الثالثة، فتشمل “العائدين”، أي أولئك الذين سيختارون العودة إلى بلادهم، سواء كانت تونس والسعودية، أو دول أوروبا والولايات المتحدة. وبالرغم من أن الحكومات المعنية ستعمل للحد من خطر هؤلاء “العائدين”، إلا أن النتائج لن تكون مضمونة، لأسباب عدّة، ابرزها التفاوت في مستوى أداء أجهزة الاستخبارات في تلك الدول، من جهة، وامتلاك الجهاديين ما يكفي من خبرات الأمنية، وهو ما عكسته الكثير من الاختراقات والعمليات الإرهابية التي شهدها العالم خلال الفترة الأخيرة.

وبشكل عام، فإن الفئة الثالثة من “الشتات الإرهابي”، ليست متجانسة، كما يُعتقد، فأفرادها أتوا إلى سوريا والعراق لأسباب شخصية مختلفة، ومن المؤكد أن عودتهم ستتسم بالاختلاف ذاته، وانطلاقاً من ذلك، يمكن تصنيفهم ضمن ثلاث مجموعات فرعية:

المجموعة الأولى، يمكن وصف أفرادها بـ”المحبطين”، أو “خائبي الأمل”، الذين تركوا بلادهم، بحثاً عن يوتوبيا “جهادية” في أرض غريبة، وصُدموا مما اختبروه في تجربتهم، في “ارض الجهاد”، بسبب تبدّد حلم “الخلافة”، أو لإحساسهم بأنهم كانوا منبوذين من قبل الجهاديين السوريين والعراقيين. وربما يكون بالإمكان الاستفادة من هؤلاء لتقديم النصيحة إلى الشبّان المتشددين، ولكنهم يحتاجون بالضرورة إلى معالجة نفسية خلال قضائهم فترة محكوميتهم في السجون.

أما المجموعة الثانية، فتضم العائدين “غير المحبطين”، ممن تركوا القتال لأسبابهم الخاصة المتعددة (الرغبة في الزواج، التعب، الحنين إلى الأهل…). ولا شك في أن هؤلاء سيحافظون على التزامهم بـ”الجهاد”، علماً بأن هذه المجموعة تشمل المقاتلين الذين ربما يكونون “محبطين” من تجربة “داعش”، ولكنهم ما زالوا متحمّسين لفكرة “الجهاد” بشكل عام.

وأما المجموعة الثالثة، فيمكن تسمية أفرادها بـ”الحركيين”، والمقصود بذلك المقاتلين الذين يعودون، بنيّة تشكيل شبكات جهادية جديدة، وتجنيد مقاتلين آخرين، والقيام بعمليات إرهابية في بلدانهم.

انطلاقاً من كل ما سبق، يمكن القول إن العالم قد يكون مقبلاً على مرحلة جديدة من الخطر، فتفكك البيئة الجغرافية لـ”الدولة الإسلامية” سيؤدي إلى بروز تحدّيات جديدة، وأكثر خطورة مما سبق، عنوانها العريض “الشتات الإرهابي”، الذي سيكون مختلفاً، هذه المرّة، عمّا شهدته دول عديدة في العالم، بعد انتهاء حرب افغانستان.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق