مجلة الكترونية عربية مستقلة

العرب ظاهرة صوتية

“العرب ظاهرة صوتيّة”، عنوان كتاب لعبدالله القصيمي.

نبكي على القدس اليوم بعد أن تخلّينا عن كلّ شيء.
تخلّينا عن بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت…

تخلّينا عن أنفسنا واستَبَحناها قبل أن يتخلّى عنّا العالم العاهِر ويَستَبيحُنا؟

وما لم نتخلَّ عنه:

التخلُّف العَميم، ومحاربة العقل، وكراهية الآخر المختلِف، والحروب الأهليّة التي لا تنتهي.

 

مطار أورلي

امرأة سبعينيّة، قصيرة القامة، ترفع يديها في الهواء، ثمّ تضعهما على بطنها. تنحني إلى الأمام وتلتفت إلى الوراء. كأنّها تقوم بحركات رياضيّة. لكنّها، في الواقع، كانت تخضع لتفتيش دقيق بعد أن عبَرَت جهاز الكشف عن المتفجّرات وانطلقَ الرَّنين.

كانت مرتبكة وقلقة، وكان زوجها المُسنّ، قربها، حائراً ومضطرباً…

مطارات العالم مرآة لواقع العالم المريض.
في هذه المطارات، ثمّة من يراقب المسافرين ويدقّق في هويّاتهم، لكن من الذي يراقب الدّول التي تُرَبّي الحروب وتساهم في إيجاد الظروف الملائمة لاندلاعها، تصنع الأسلحة وتبيعها على نطاق واسع؟

هُنا يَقتلون باسم الحسّ القومي والدين، وهناك، باسم الحرّيّة وحقوق الإنسان!

في وجوه الذين يبكون موتاهم في مدينة الصويرة، نقرأ مأساةَ الأمّة العربيّة بأكملها.
خمس عشرة امرأة مقابل خمسة عشر كيساً من الطّحين!

اللواتي رأينَ المساعدات الغذائية ولم يتمكّنَّ من الوصول إليها مُتنَ جائعات، لكنّهنَّ تخلّصنَ من ذِلّ الموت اليوميّ.

من لا تقتله مصالح الدول العظمى يقتله نُقصان الأوطان، ويقتله التخلُّف والتقاليد البالية. ومن لا يقتله استبداد الأنظمة والإرهاب المقنَّع بالدِّين يقتله الجوع.

العالم العربي جبل هائل من البؤس.

على هامش المجزرة المروّعة داخل مسجد الرّوضة في مصر:

قال الفنّان الرّوماني كونستانتان برنكوزي في الخمسينيّات من القرن الماضي، يوم كان مقيماً في باريس:
“شجرةٌ باسقة هو الله. تحت الشّجرة، ذئبٌ يفترس نعجة. ولا ورقة واحدة من أوراق الشّجرة تتحرّك”.

 ○

مَن يمتلك المال يمتلك الحقيقة. ويمتلك، بالإضافة إلى ذلك، الحبّ والصداقة، والفنون والعلوم.
يعيش أبديّته المُوَقَّتَة على هذه الأرض، صاحب المال.

الورقة النقديّة شَفرة تَجرح. تشتري الناسوت واللاهوت، النّفوس والضمائر، وحتى الهواء الملوَّث الذي نتنشّقه كلّ يوم.

المستغلّون، في غالبيّتهم، يعتبرون استغلالهم مساعدة للّذين يستغلّونهم.

الحياة في بعض الكُتُب أجمل بكثير من الحياة في الواقع.

رحلة الخطوط الجويّة الفرنسيّة، بين بيروت وباريس، الرّقم  ٥٦٥:

عند الباب ٢٣ المؤدّي إلى الطائرة، وقفَ لاستقبال المسافرين عددٌ من رجال الأمن والموظّفين بينهم ثلاثة كانوا يحرّكون أفواههم يميناً وشمالاً، صعوداً ونزولاً.

قال لي أحد المسافرين الأجانب وهو يحمل في يده اليمنى جواز السّفر:

انظُر إلى هؤلاء الموظّفين الثلاثة الذين سيستقبلوننا بعد حين، يبدو أنّهم من المُعَوَّقين، وهكذا يكون لبنان هو البلد الوحيد الذي يوظّف في مطاره الدّولي أشخاصاً مُصابين بعاهة جسديّة. إنّها خطوة مهمّة وسَبَّاقة على المستوى العالمي.

–  لا، مسيو. هؤلاء ليسوا مُعَوَّقين. إنّهم يضعون عِلكة في أفواههم ويَمضَغونها…

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في “فيسبوك”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.