سياسة واقتصاد

العقوبات الأميركية على روسيا: هل ينقلب السحر على الساحر؟

مرّة جديدة تغامر الولايات المتحدة بدفع العلاقات مع روسيا إلى التدهور.

هذه المرّة، جاء التصعيد من الكونغرس، عبر قانون جديد، فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، في خطوة هلل لها المشرّعون الأميركيون، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ولكنها استُقبلت بفتور من قبل إدارة دونالد ترامب نفسها، وبانتقادات ملفتة للانتباه من قبل الأوروبيين، وبردّ صارم من قبل الكرملين، الذي شرع في خطوات الرد، التي لن تقتصر، في ما يبدو، على القرار “المذلّ” بحق الديبلوماسيين الأميركيين، الذين أُمروا من قبل السلطات الروسية، باخلاء المنازل الصيفية، والمستودعات، المؤجرة لصالح البعثة الدبلوماسية للولايات المتحدة.

حتى الآن، لا مؤشرات واضحة على التأثيرات المباشرة للعقوبات الأميركية على روسيا، التي تمكنت، خلال السنوات الماضية، من احتواء عقوبات مماثلة، أميركية وأوروبية، برغم ما شكلته من ضغوط اقتصادية، يرجّح أن تزداد في ظل الخطوة الأميركية الأخيرة.

ومع ذلك، فإن ثمة ما يجعل العقوبات الأميركية سلاحاً ذا حدّين، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالقانون الذي مرّره الكونغرس، ووقعه دونالد ترامب، قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب الريبة، في العلاقات المتذبذبة أصلاً، بين الأميركيين والاوروبيين، الذين سارعوا إلى انتقاد الطابع العابر للحدود للعقوبات الجديدة، التي من شأنها أن تقوّض العلاقات الاقتصادية المباشرة بين أوروبا وروسيا، ما دفع بعدد من المسؤولين، لا سيما في فرنسا والمانيا، إلى اتهام الإدارة الأميركية بانتهاج خطوة “غير قانونية”، لإرغامهم على شراء النفط والغاز من الولايات المتحدة بدلاً من روسيا.

ومن جهة ثانية، برزت مخاوف جدّية من قبل مسؤولين داخل الإدارة الأميركية، بشأن التأثيرات السلبية  للعقوبات الجديدة على التنسيق الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة وروسيا،  لا سيما في سوريا، باعتبار  ذلك خطوة تصعيدية، من شأنها أن تعيد التوتر بين القوتين الدوليتين إلى النقطة الصفر  – وربما أدنى – بعدما تنفّس الكثيرون الصعداء  في …. ، يوم انتهى اللقاء الأول بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، على هامش “قمة العشرين” في هامبورغ، بتفاهمات، أوحت بأن الطرفين ماضيان في خيار التهدئة، التي يبدو أنها ما زالت تصطدم بمعارضة شرسة، ضمن مراكز القوى داخل الولايات المتحدة.

وبميزان الربح والخسارة، ثمة ما يدفع إلى الاعتقاد بأن العقوبات الجديد على روسيا، لن تكون نتيجتها، على قدر التهليل الذي خرج من الكونغرس، حتى أن مؤشرات أولية، تفيد بأن تطبيقها سيكون محدوداً، ما يفقدها التأثير المرجو منها.

وكما سبق، فإنّ ما أقرّه الكونغرس الأميركي من عقوبات على روسيا، ليس جديداً تماماً، فإدارة الرئيس باراك أوباما سبق أن اتخذت مثيلاً لها، منذ العام 2014، وتحديداً بعد الاستفتاء الذي اعاد شبه جزيرة القرم إلى الأراضي الروسية. ولكن الإجراء الأخير، يجعل أن العقوبات المفروضة على روسيا تدخل في إطار تشريعي، من شأنه أن يقيّد أي تحرّك قد يقوم به ترامب، أو من سيخلفه في الرئاسة الأميركية، لرفعها أو تخفيفها، ما لم يحظ بموافقة الكونغرس.

وبشكل عام، فإن العقوبات الأميركية تستهدف المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال الروس الذين كانوا في السابق عرضة لإجراءات تراوحت بين حجز الأصول والمنع من السفر إلى الولايات المتحدة،  على خلفية الأزمتين في أوكرانيا وروسيا، وتشمل كذلك المصارف الروسية الحكومية، وبعض الشركات، التي ستجد صعوبة في القيام بتعاملات مالية مع المصارف الأميركية. علاوة على ذلك، فسيكون محظوراً على شركات الطاقة الأميركية أن تدخل في مشاريع تتجاوز فيها حصة الشركات الروسية 33 في المئة.

ومع ذلك، فإن أحداً لا يتوقع ان يكون للعقوبات الاميركية تأثير دراماتيكي على الاقتصاد الروسي. وبالرغم من تراجع أسهم شركة “غازبروم” النفطية، المملوكة للدولة، فور صدرو التشريع الأميركي، إلا أن المؤشرات الاقتصادية الاخرى، بدت أكثر ثباتاً.

وليس ذلك بالأمر المستغرب، فالاقتصاد الأميركي نجح، خلال السنوات الماضية، في التأقلم مع العقوبات الأميركية والأوروبية، برغم الصعوبات التي واجهها في المراحل الأولى.

وكان ملفتاً في هذا السياق، أن أسهم البورصة الروسية، وكذلك سندات الخزينة بالروبل، لم تشهد أي تراجع، لا بل ردّة فعلها تجاه العقوبات الأخيرة بدا إيجابياً، وه وما عزز الاعتقاد، في الأوساط الاقتصادية، بأن الخطوة  الأميركية سيكون تأثيرها محدوداً على الاقتصاد الروسي.

والمثير للانتباه، في هذا السياق، إلى أن القلق إزاء العقوبات الأميركية لم يصدر من روسيا، وإنما من عواصم الاتحاد الأوروبي، التي تخشى الارتدادات السلبية للقانون الذي أقرّه الكونغرس، لكونه يطال، بشكل خاص، قطاع النفط والغاز الروسي، الذي يشكل مصدر  الطاقة الأساسي للقارة الأوروبية.

ومن بين المخاوف التي بدأ يثيرها الأوروبيون تأثير العقوبات الأوروبية على مشاريع وصفقات مشتركة مع شركات الطاقة الروسية، بما في ذلك خط أنابيب “السيل الشمالي 2″، الذي شرعت روسيا في تنفيذه، كطريق تصدير للغاز الروسي إلى ألمانيا، عبر بحر البلطيق، كبديل عن الطريق التقليدي، الذي كان يمر عبر أوكرانيا، وذلك بالنظر إلى الأزمة القائمة بين الدولتين، إلى جانب مشاريع خطوط أنابيب اخرى، مثل “نورث ستريم 1” (روسيا- أوروبا)، و”السيل الأزرق (روسيا – تركيا)، و”كونسورتيوم خطوط أنابيب بحر قزوين (كازاخستان – روسيا – البحر الأسود)، ومنشأة تسييل الغاز الطبيقي في البلطيق… إلخ.

وانطلاقاً من ذلك، تتالت الانتقادات الأوروبية للعقوبات الأميركية الجديدة، سواء من باريس أو من برلين، حتى أن الدول الاوروبية اتهمت صراحة الولايات المتحدة بالسعي إلى فرض صفقات لبيع الغاز الأميركي إلى أوروبا، عبر خطوة “منافية لمبادئ القانون الدولي”. ولا شك في أن الدول الأوروبية ستكون متضررة اقتصادية من خطوة كهذه، إذ صحيح أنها ستكون قادرة على تأمين احتياجاتها من النفط والغاز عبر الولايات المتحدة، ولكن ذلك سيكبّدها خسائر مالية ضخمة، بالنظر إلى روسيا تصدّر إليها النفط والغاز بأسعار متدنية، علاوة على أنها ستكون مضطرة إلى تحمّل كلفة النقل الإضافية للغاز والنفط الأميركيين.

المثير للانتباه، أن الانتقادات التي طالت العقوبات الأميركية، لم تقتصر على الخارج فحسب، فحتى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشي بأنه وقّع التشريع على مضض، وقد أكد ذلك صراحة حين قال إن “الكونغرس وفي عجلته لتمرير هذا القانون، ضمنه عددا من الاحكام غير الدستورية” بما في ذلك تقييد قدرة الرئيس على تنفيذ سياساته الخارجية، مضيفاً “مع ذلك، ورغم هذه المشاكل، صادقت على هذا القانون باسم الوحدة الوطنية”!

هذا التصريح، يؤكد بشكل عام ما قاله رئيس الوزراء الروسي ديمتري مديفديف بأن إدارة ترامب أظهرت عجزها التام بتسليم الصلاحيات التنفيذية، بالطريقة الأكثر إذلالاً، إلى الكونغرس، وإن هذا الأمر يغير توازن القوى في الدوائر السياسية الأميركية”، لافتاص إلى أن النخبة الأميركية أوقعت بترامب خسارة أكيدة  من خلال اضطراره إلى توقيع القانون.

وأضاف أن ما يجري يثبت أن “السياسة تغلبت على النهج البراغماتي، في حين تحولت الهستيريا المعادية لروسيا إلى عماد السياسة الداخلية الأمريكية وليس فقط الخارجية”.

رئيس الوزراء الروسي كان الأكثر وضوحاً في شرح مخاطر العقوبات الأميركية، حين قال: “هكذا، ستكون العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة متوترة بصرف النظر عن تركيبة الكونغرس أو شخصية الرئيس الأميركي، وسيتفاقم التوتر على الصعيد العالمي، فالإجراء الأخير يعني رفض واشنطن إيجاد حل لأهم القضايا الدولية”.

وفي الواقع، فإن الرد الروسي لم يتأخر، لا بل سبق توقيع ترامب على قانون العقوبات، حين اتخذ الرئيس فلاديمير بوتين قراراً بإبعاد أكثر من 750 دبلوماسياً اميركياً، علاوة على إقفال المنازل الصيفية والمستودعات، التي تستأجرها البعثة الدبلوماسية الأميركية في روسيا.

ويشي ذلك، بأن العلاقات الروسية – الأميركية تتجه أكثر فأكثر نحو التدهور، المنذر بالكثير من المشاكل، لا سيما في المناطق المشتعلة، مثل سوريا واوكرانيا. ومع ذلك، فإن ثمة من يعتقد أن تلك نقطة إيجابية، يمكن البناء عليها، من قبل إدارة دونالد ترامب، لإيجاد مخرج من المأزق الذي تسبب به الكونغرس الأميركي، وانطلاقاً من ذلك، أفادت تصريحات المسؤولين الأميركيين بأن العقوبات قد تستثنى منها الإجراءات التي من شأنها أن تقوّض التنسيق الروسي-الأميركي في المجال الامني، وبذلك أصبح الخبراء العسكريون والأمنيون الأميركيون خشبة الخلاص التي يتمسك بها ترامب لتحديد المنافذ التي يمكن من خلالها احتواء أزمة العقوبات.

وأما العامل الثاني، الذي يجعل “خط العودة” سالكاً، فهو أن روسيا، وبرغم ردها القوي على العقوبات الأميركية، ترك المجال مفتوحاً أمام تسوية، قد تقود إلى خفض التوتر، فالرئيس فلاديمير بوتين تجنّب على سبيل المثال استخدام عبارة “طرد” للدبلوماسيين الأميركيين، والكرملين أكد أنه لن يتخذ إجراءات عقابية أخرى، رداً على توقيع ترامب لقانون العقوبات، في حين أن وزارة الخارجية الروسية أكدت، بشكل واضح، أن موسكو لا تزال منفتحة على التعاون مع واشنطن في شتى المجالات بما في ذلك تسوية النزاعات الإقليمية.

قبل ثلاث سنوات، حاولت أوروبا والولايات المتحدة ضرب الاقتصاد الروسي، من خلال فرض العقوبات. حينها بدا للغربيين أن هذا السلاح يمكن ان يحد من الاندفاعة الروسية المتصاعدة في المشهد الدولي. وبالفعل، فقد انتشى الأوروبيون والغربيون بانكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 3.7 في المئة خلال العام 2015. ولكن سقف التوقعات عاد وانخفض، حين اقتصرت نسبة الانكماش على 0.7 في المئة في العام 2016، لتستعيد إثر ذلك، روسيا زمام المبادرة، من خلال اجراءات حازمة، جعلت اقتصادها يقترب من الانتعاش، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، الذي يرجّح عودة النمو للاقتصاد الروسي خلال العام الحالي.

يشي ذلك بأن الوقت لن يتأخر حتى يتبدى عدم جدوى العقوبات الأميركية الأخيرة، أو حتى انقلاب السحر على ساحره، خصوصاً إذا ما طال أمد معركة النفس الطويل، التي يحسن فلاديمير بوتين خوضها، مستفيداً من تأييد شعبي داخلي، يتنامى بشكل مثير للإعجاب، في ظل إدراك الروس بأن الضغوط الأميركية، ليس لها من غرض سوى إعادة بلادهم إلى سنوات التسعينيات المشؤومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق