سياسة واقتصاد

قناة خلفية “تخترق” تدهور العلاقات الروسية-الاميركية

العبارات المنقوشة على الألواح الخشبية في هذا المكان تبدو غريبة، لا بل مثيرة للسخرية بعض الشيء: “دولتانا لن تُستقطبا مرّة أخرى”… و”حجر الزاوية للسلام في القرن الحادي والعشرين يتمثل في أن تكون العلاقات الروسية-الاميركية ايجابية”.

داخل غرفة الاجتماعات الروسية- الأميركية، في المركز الثقافي الروسي، الكائن في أحد أحياء واشنطن، شرب مفوّضون من الحكومتين النبيذ وتناولوا الكافيار بعد يوم أمضوه في انجاز مهمتهم.

هذه العلاقات الدافئة تبدو غريبة، خصوصاً أنها بين أعداء الحرب الباردة بالأمس، وخصوم الملفات الساخنة اليوم.

وبالرغم من توصيف الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا بأنها “منخفضة على الاطلاق”، تبادلت مجموعة صغيرة من المسؤولين العسكريين والمدنيين الأميركيين والروس معلومات عن كثب، قد تساعد في تحديد ما حدث لآلاف العسكريين الأميركيين والروس، الذين فقدوا في صراعات التي تمتد من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة، وحتى في الحرب الأخيرة، بين روسيا وجورجيا، في العام 2008، لجهة تحديد مصير طيار روسي اسقطت طائرته فوق هذه الجمهورية السوفياتية السابقة.

وبحسب ما يقول الأميركيون، فإنّ ما يسمّى بالمحادثات التقنية للجنة المشتركة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن أسرى الحرب، هي الأولى من نوعها منذ العام 2005، وقد جاءت نتيجة لـ”مستوى مدهش” من ابداء الروس الرغبة في الانخراط في هذه الجهود خلال الأشهر الأخيرة، وهي تشي، بحسب البعض، بتطور غريب، خصوصاً بعد انحسار العلاقات الثنائية منذ العام 1999، ووصولها إلى مستوى أكثر توتراً خلال الفترة الماضية.

وللمفارقة، فإنه في اليوم ذاته الذي كان فيه المشاركون في الاجتماع، يناقشون مصير الطاقم المفقود لطائرة تجسس أميركية أسقطها الاتحاد السوفياتي فوق المحيط الهادئ في العام 1951، كانت طائرتان، الأولى من روسيا من طراز “سوخوي 27″، والأخرى أميركية من طراز “أف-16″، على وشك الاحتكاك في سماء بحر البلطيق، بعدما اقتربت الأخيرة من طائرة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وقبل يوم واحد، من هذا الاجتماع، كانت روسيا تهدد الطائرات العسكرية الاميركية قوق سوريا، رداً على إسقاط طائرة حربية سورية، فيما كان الكونغرس يتحرك لفرض عقوبات جديدة على روسيا.

يأمل فريق العمل حول المفقودين أن يصبح نموذجاً ايجابياً لحل المشاكل بين موسكو وواشنطن

ويقول المشاركون في هذه الاجتماعات أنهم يأملون في أن يكونوا نموذجاً لتحسين العلاقات الروسية-الأميركية، في الوقت الذي يبدو التوتر بين البلدين مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل التحقيقات الجارية بشأن تدخل روسي  محتمل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي وقت تتزايد المخاوف حول احتكاكات عسكرية، قد تقود إلى نتائج غير محسوبة.

“ثمة نقص كبير في الثقة” على المستويات الأعلى في الدولتين، يقول تيم شي، الرئيس الأميركي المشترك لـ”مجموعة العمل حول الحرب الباردة”، وهو يقف  إلى جانب نظرائه الروس وزملائه الأميركيين، أمام لوحات للأمبراطور بيتر والامبراطورة كاترين العظيمة، في إشارة إلى الخطاب الساخن السائد حالياً بين موسكو وواشنطن، مضيفاً “كانت الأيام القليلة الماضية خطيرة جداً،  وقد تم تبادل الكثير من الكلمات (الهجومية)، هذه ليست الطريقة لإنجاز الأمور. في هذا المكان الذي يمكننا نجلس فيه في غرفة ونحاول إنجاز الأمور”.

ويقول شي، العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي، إنه اضطر في بداية المحادثات، خلال الأسبوع الحالي، إلى حث زملائه، من كلا الجانبين، على تنحية الشكوك جانباً، والتركيز على العمل الانساني المشترك، مضيفاً “نحن لا نتطرق إلى الشؤون السياسية، ولكنني أعتقد أن ما نقوم به أمر مهم”.

هذه الرسالة وجهها أيضاً المفوّضين الروس، الذي انخرطوا في فعاليات عدّة على مدار الأسبوع، من بينها حضور غير مسبوق للاجتماع السنوى للرابطة الوطنية لأسرى حرب الاسرى، في الولايات المتحدة، وهي مجموعة مناصرة رئيسية.
من جهته، قال ماكسيم اليكسيف، وهو مستشار في السفارة الروسية في واشنطن، ويدير الجانب الروسي في الاجتماعات الجارية: “كلّنا بشر”.

ويأتي استئناف أعمال اللجنة المشتركة العلاقات حول الحرب الباردة، بعدما توقف كل أطر التعاون تقريباً بين الولايات المتحدة وروسيا، باستثناء العمل المشترك بشأن استكشاف الفضاء والتفتيش على المعاهدات النووية.

ويقول جيمس كونيل، وهو مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية، ويشغل منصب السكرتير التنفيذي للجنة المشتركة، إن فريق العمل هذا انشئ للمرة الأولى في العام 1992 من قبل الرئيسين جورج بوش وبوريس يلتسين.

ويؤكد الجانب الأميركي أنه تم إنجاز المزيد من العمل في العام الماضي، قياساً إلى النتائج التي تحقق خلال العقد الماضي.

ويقول الجنرال المتقاعد روبرت “دوك” فوغلسونغ، الذي يشارك في رئاسة اللجنة “كان الأمر يسير صعوداً وهبوطاً”.

ويوضح أن السنوات الأولى من تلك الجهود كانت نشطة جداً، ولكن في العام 2006، كان أن شككت الحكومة الروسية في شرعيتها، فيما تساءل البعض الآخر، على الجانب الأميركية، عن جدوى استمرارها.

وأمّا اليوم، فيرى فوغلسونغ، الذي ترأس اللجنة لمدة 11 عاماً، أن هناك روحاً جديدة كاملة، موضحاً “لقد طورنا علاقة افضل مع نظرائنا قياساً إلى ما كانت الحال عليه في السابق”. ووصف المناقشات المغلقة الجارية حالياً بأنها “تحقق تقدما كل ساعة”، وقد “جعلتنا نشعر بأننا اخوة نسير نفس الاتجاه.”
ويتمثل أحد المحاور الرئيسية لهذه الجهود في إتاحة الوصول إلى المحفوظات الحكومية في الولايات المتحدة وروسيا.

والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن الجانب الأميركى كان لديه فريق يعمل في روسيا منذ التسعينيات، وطلب معلومات من ملفات جهاز “كي بي جي” السابق، وغيره من الوكالات العسكرية والاستخباراتية السوفياتية، والتي قد تساعد في تعقب المفقودين

وأما الروس فقد انتظروا حتى العام 2015، لتشكيل فريق مماثل في سفارتهم في واشنطن، وذلك للعمل مع الأمريكيين والبحث عن معلومات عن المفقودين الروس في الأرشيف الوطني في “كوليدج بارك” في ماريلاند.

وتحقق انجاز مهم في وقت سابق من العام الحالي، عندما تمكنت وزارة الدفاع الأميركية، بفضل المساعدة التي قدّمها الجانب الروسي، من العثور على بقايا الجنرال جون مومفورد، وهو طيار تحطمت مقاتلته في اوكرانيا بعد تعرضه لهجوم من الألمان في العام 1944. وقد دفنت رفاة هذا الجنرال في مسقط رأسه في فلوريدا.

وقال الكولونيل كريستوفر فوربس، مدير إدارة أوروبا – البحر الأبيض المتوسط ​​في وكالة الدفاع عن حقوق أسرى الحرب والمفقودين في  وزارة الدفاع الأميركية: “لقد جاء ذلك بفضل الجهد الأرشيفي”.

كذلك، اتخذ الوفد الروسى هذا الاسبوع خطوة كبيرة الى الامام في مساعدة الولايات المتحدة على حل المزيد من الاسرار المحيطة بمصير 1608 من افراد الجيش الاميركي الذين ما زال مصيرهم مجهولاً من أيام الحرب في فيتنام ولاوس وكمبوديا وتايلاند.

ورداً على طلب يعود الى اكثر من عقد من الزمان، سلم الفريق الروسي مجموعة من الوثائق التي تم رفع السرية عنها مؤخراً حول اطلاق النار على 10 طائرات اميركية في أجواء فيتنام الشمالية، التي كانت حليفة للاتحاد السوفياتي في مرحلة الحرب الباردة.

وقال فوربس “لقد اعطونا الوثائق”، ووصفوا هذه اللفتة بانها “اختراق”، خاصة أن معظم الملفات السوفيتية من هذه الفترة مازالت سرية، وقد رفعوا السرية “رفعوا السرية عنها بناء على طلبنا”.

الروس يبحثون عن مساعدة أيضا. وقد ركزت محادثات فريق العمل المشترك على ما يقدر بـ 242 جندياً تم ذكرهم في عداد المفقودين منذ غزو افغانستان فى الثمانينيات، عندما قام المتمردون، الذين سلحتهم الولايات المتحدة بصواريخ مضادة للطائرات واسلحة اخرى، بإيقاع خسائر فادحة بالقوات السوفياتية. وقد طلب الوفد الروسي من الجانب الاميركي التدخل مع حلفاء مثل باكستان التي قد تملك معلومات حول مصير الاسرى الروس في هذا الصراع، وفقا لما ذكره المسؤولون.

وما أثار اهتمام الفريقين مؤخراً، هو مصير الطيار الروسي المفقود منذ حرب العام 2008 بين روسيا وجورجيا، وهي جمهورية سوفياتية سابقة تسعى الآن للانضمام إلى حلف شمال الاطلسي. وقال فوربس الذى سافر الى جورجيا فى اطار هذا الجهد “اننا نعمل مع الجورجيين في محاولة لايجاد اجابات”. واضاف “لدينا علاقات مع بعض هذه الدول”.

 

ومع ذلك، يبقى ملف مفقودي الحرب العالمية الثانية، التي كان فيها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة حليفان من أكبر التحديات التي تواجه عمل فريق العمل.

وتقدّر روسيا أن هناك اربعة ملايين جندي لم يعرف مصيرهم بسبب الحرب، وقد عرضت السفارة الروسية فيلماً وثائقياً حول الجهود المبذولة في روسيا للبحث عن الجثث في الغابات الغربية.

وقال الكولونيل اندريه تارانوف الذي جاء من موسكو لترؤس الوفد الروسي “اننا نتفهم جوهر هذه المهمة وجوهرها”، مشيراً الى ان جده قد ادرج في عداد المفقودين في الحرب العالمية الثانية. واضاف “اننا على استعداد لمواصلة هذا العمل”، وتعهد بالبحث عن مزيد من المعلومات حول الخسائر الاميركية خلال فيتنام.

مع غروب الشمس يوم الأربعاء، الماضي، من دون ضجة أو دعاية، ولكن بحضور الكثير من السياح الفضوليين – وضع الوفد الروسي اكليلا من الزهور على النصب التذكاري للحرب العالمية الثانية في المركز الوطني للاحتفال بذكرى الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي في عام 1941.

وفي المركز الثقافي الروسي، كُشف النقاب عن نموذج لتمثال يرمز إلى ثلاثة من الطيارين السوفيات، وتعتزم الحكومة الروسية التبرع به لصالح مدينة اليزابيث في ولاية نورث كارولاينا حيث تم تدريب الطيارين السوفيات في بداية الحرب العالمية الثانية.

ومع قرب انتهاء جولة المحادثات، أهدى الروس نظراءهم العسكريين الأميركيين قمصاناً طبعت عليها شعارات تجسّد تضامن الجنود من العديد من الدول.

وقال الكسيف، الذي وضع دبوساً يحوي شعار رابطة الأسرى والمفقودين، والعلمين الأميركي والروسي، “لدينا الكثير من الأشياء المشتركة في تاريخنا… ويمكن أن يكون ذلك مثالا للتعاون في المستقبل. هذا التعاون لا يزال قائماً برغم الاضطرابات والشائعات”… ووافقه في الرأي فوربس، عقيد الجيش الاميركي، واصفاً محادثات الأسبوع الحالي بأنها “مثال ساطع على كيفية العمل معاً”.

وسواء ظل مستوى التعاون الجديد منتعشاً، أو سيصبح مجمّداً كالكثير من الجهود الأخرى، فإنّ فوغلسونغ يعرب عن ثقته بأن اللجنة المشتركة يمكن ان يبقى غير متأثر بالخلافات السياسية بين روسيا والولايات المتحدة.

وأما تارانوف، فوصف ما يبذله الفريقان من جهود، بأنه “مهمة نبيلة”.

(عن موقع “بوليتيكو” – ترجمة “بوسطجي” )

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق