آراء وترجمات

الـرؤيـة: بين وجـهة وزاوية النظـر

كثيراً ما نسمع ونقرأ عبارة “وجهة نظر” أو “رأي”… وقد نسمع ونقرأ مَن يقول: “هذا رأيي” أو “هذه وجهة نظري”، وقد يُضيف القائل، ليُنهي النقاش: لا تحاولْ أن تقنعني!”.”
إذا ارتبط ذلك النوع من “الرأي” أو “وجهة النظر” بتأثير “برّاني” أو بمنطلق أيديولوجي- حزبي أو طائفي مثلاً – فهل يصحّ أن نسمّيه “رأياً” أو “وجهة نظر” لذلك الشخص الذي يتبنّاه؟
إلى أي حدّ يكون ذلك التبنّي مبنيّاً على تفكير مستقل وإمعان نظَـر؟
حتى “وجهة النظَـر” التي تتبدّى مستقلّةً، إذا لم تتّسم باتّـساع الأفق واحترام الغير، قد تتحوَّل إلى موقف أيديولوجي متزمّت لا يقبل الحوار وهذه مشكلة كبيرة…
يبدو لي أنّ هناك فرقاً هاماً ببن “وجهة النظَـر” و”زاوية النظَـر”… لإدراك أهمية “زاوية النظَـر”، يمكن أن نتصوّر مثلاً أنّنا نعمل على التقاط صورة لمنظر، أو لشخص أو مجموعة أشخاص، أو نشرع بتخطيط رسمة لمنظر أو لشيء أو لمشروع عمَلي. لا شكّ في أنّ “الرؤية” – وبالتالي الصورة الناتجة – ستختلف بحسب “زاوية النظَـر”. ومن هنا نجد المهندس المعماري يرسم عدداً من المخططات لنفس العمارة قبل إنشائها، ليصوّر لنا كيف سوف تبدو من زوايا نظر مختلفة. ولذلك نقول أنّ هناك فرقاً كبيراً بين “البُعد الأحادي” للشيء وبين الصورة أو المخطط أو المنظور”الثلاثي الأبعاد” مثلاً… كيف نرى الأشياء يعتمد إلى حدٍ كبير على “من أين” ومن أي “زاوية” ننظر إليها. أتصوّر أنّ “زاوية النظَـر” توحي بقدر من التخطيط والمنهجية، ولذلك نقول مثلاً، من زاوية نظر علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا أو الألسنية أو النقد المقارن، أو من زاوية نظر الجغرافيا الإنسانية أو تاريخ الفكر… بينما يبدو غالباً أنّ استعمال عبارة “وجهة نظر” يوحي بوجود رأي جاهز، سواء أكان ذلك الرأي مبنيّاً على بحث وتمحيص، أو كان حامله إنّما التقطَه من على قارعة الدعاية السياسية، أو من على أرصفة الأيديولوجية الحزبية أو المذهبية أو الطائفية.
يرى بعض الناس (أو معظمهم؟) أنه يجب أن تكون لديهم “وجهة نظر” لا تتغيّر في رؤية الأمور والأشياء. وقد تكون “وجهة النظر” تلك مجرّد موقف أيديولوجي جاهز سلفاً، بقطع النظر عن تغيّر علاقة الشخص بالأشياء والأمور، وبقطع النظر عن “زوايا النظر” الأخرى الممكنة المتوفّرة لذلك الشخص في الأفق القريب والأفق الأوسع.
كثيراً ما يحصل بعض الخلط وعدم الوضوح بين نهج “الثبات” على “مبادئ أخلاقية” مرتبطة بالحق والخير والجمال – كالصدق والأمانة واحترام الكرامة الإنسانية وتحمّل المسؤولية من جهة، وبين التحجُّر والتقوقع والتمترس خلف حاجز ترابي لرأي أو موقف معيّن -حتى لو كان “أكلَ عليه الدهر”. وقد يتصوّر البعض أن هذا التمسّك بالرأي – مهما كانت درجة الصواب أو الغلط فيه – يدعو إلى احترام الناس لهم، بدعوى أنّه دلالة على “الثبات” وعدم التقلّب.
الإصرار على التمترس في نفس الزاوية – أو الحفرة – بشأن “نظريّات” سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو علمية أو ثقافية أو فكرية أو أدبية أو فنية، لا يمكن اعتباره ثباتاً أخلاقياً. إذ أنّه يختلف عن الثبات على مبادئ الحق والخير والجمال. بل هو أشبه بالثبات على القول بأن الأرض ليست كروية وأنها لا تدور حول نفسها ولا حول الشمس على سبيل المثال، إلخ.
قد تكون الدوافع لذلك الثبات المزعوم نابعة من عدم الاستعداد للتحرّك نحو موقع جديد وزاوية جديدة للرؤية، والخوف من التقدّم والتغيّر. وقد تكون الدوافع لدى البعض في سياقات أخرى دوافع طبقية نفعيّة، أو سياسية أيديولوجية، أو دوافع نابعة من التقليد والعقلية السلفيّة المحافظة على كل ما هو قديم… وقد تكون في بعض الحالات من نوع “عدم الاستعداد للرجوع عن الخطأ”.

لعل من أعراض هذا النوع من الخلط والمغالطة ما نجده في الخطابات العربية السائدة اليوم من استشراء عادة إثارة الأسئلة النمطية “الغلط”، وما يتبعها من التسرع بإعطاء الإجابة النمطيّة “الغلط”. وتغدو المشكلة أخطر عندما يتصوَّر بعض الناس أن تلك الإجابة هي “الحلّ”.
عرف كل من له أدنى خبرة أو قدرة على التفكير أننا نستطيع أن نحلّ عُقدة أو عدة عقد في خيط أو حبل، أو أن نحلّ مسألة أو معادلة في الرياضيات أو الفيزياء، أو أن نحلّ أحجية أو “حزّيرة” أو كلمات متقاطعة… هذه أشياء يكون لكل منها حلّ واحد عادةً – (كان الأستاذ عبد الغفّار العمري، معلّم الفيزياء في ثانوية الرمثا، يقول لنا بعد الوصول إلى الحل الصحيح: “هيك صح وغيره غلط”!)…
ليس من السهل التعبير عن كثير من هذه المسائل بكلمات أو عبارات مألوفة، والأصعب أن نعرف الإجابة ببساطة. تعجبني تلك العبارة المعروفة التي جاءت في موقف من مـواقـف الحكيم العربي الصوفي الزاهد المتواضع محمد بن عبد الجبّار بن الحسن النـفـري البغدادي (القرن الرابع للهجرة/ القرن العاشر للميلاد) – وهو “موقف” بعنوان “ما تصنع بالمسألة؟” – : “كلما
اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”.
بطبيعة الحال، كلام الشيخ النفّري “إشارة لطيفة” بعيدة الغور، لا أدّعي أنّي أقترب من مستواها الرفيع، مهما كانت زاوية النظر.

أحمد هادي الشبول
سيدني- أستراليا، أيلول 2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق