آراء وترجمات

الفن على عرش المال

تجارة الفنّ، أو: الفنّ الحديث متربّعاً على عَرش المال.

(مُقتَطف من مراجعة طويلة)

يُعلَن عن الأدب بالأرقام، وبالأرقام يتمّ التداول مع الفنّ التشكيلي. وإذا كان بعض رجال الأعمال يُقبل على شراء الأعمال الفنية فلأنّ الاستثمار في هذا المجال معفى من الضرائب.
في العقد الأخير، عاشت سوق الفن انتعاشاً كبيراً بينما كانت أسهم البورصات العالمية تتراجع. وقد سجّلت «كريستيز» في نيويورك رقماً قياسياً جديداً مع لوحة زيتية أنجزها بيكاسو عام 1932 وعنوانها «عري، أوراق

خضراء وجذع». بيعت اللوحة بـ 106 ملايين دولار. منحوتة «الرجل الذي

يسير» لجياكوميتي بلغ سعرها 104 ملايين دولار، وقبلها بيعت لوحة لكليمت بمبلغ 135 مليون دولار. غير أنّ عملية البيع الاستثنائية التي شهدتها «كريستيز» بلغت قرابة مئتين وأربعة وعشرين مليون دولار وتحمل تواقيع فنانين من أمثال كالدر وبونار ورينوار وماتيس وبيكاسو.

لكن، من الذي يحدّد الأسعار ويرفع قيمتها المادية ويجعل سعر العمل الفنّي الواحد ثروة يتقاتل عليها الوَرَثة؟ من يجعل اللوحة ذريعة لزيادة رأس المال فيصبح الحديث عن قيمتها المادية أهمّ من قيمتها الفنية؟ هناك مقالات ودراسات كشفت مؤخّراً أسماء بعض أصحاب المجموعات الفنية الكبيرة وهم من جنسيات مختلفة. يتوزعون بين نيويورك وبعض العواصم الأوروبية ويتلاعبون في بورصة الفن بالتواطؤ مع غاليريهات وأمناء متاحف ونقّاد فنّ وتجّار فنّ ومجلات فنية وأصحاب مصارف. هؤلاء يتعاملون مع الأعمال الفنية القديمة والجديدة مثلما يتعامل عالم المال مع النفط والماس والذهب، وإلاّ ما الذي يفسّر إقامة معارض لأحفاد مارسيل دوشان في كبريات صالات العرض العالمية وأكثرها عراقة: جيف كونز وتاكاشي موراكامي في قصر فرساي، أندي وارول وكريستيان بولتانسكي في «القصر الكبير»، روبير روشنبرغ وإتيان مارتان (وكونز، اليوم)، في “مركز جورج بومبيدو الثقافي” في باريس؟

في بعض الأحيان، تُعرَض أعمال هؤلاء في المتاحف إلى جانب أعمال فنانين كبار من أمثال دافنشي ورامبراندت وغويا. هذا الخلط بين الأسماء والأشياء بات يؤلّف جزءاً من حفلة تهريج ثقافية عالمية ضخمة، ليس فقط في مجال الإبداع الفني وإنما أيضاً في جميع المجالات. كأن تُعزَف سيمفونيات لموزارت وبيتهوفن إلى جانب «طقاطيق» لموسيقيين «حديثين»، أو كأن يطالعنا في برنامج تلفزيوني واحد المفكر الفرنسي ميشال سير إلى جانب الروائي فريديريك بيغبيدير، أو الروائية توني موريسون إلى جانب الناقدة الفنية والكاتبة الإباحية كاترين مييه، برفقة عارضة أزياء أو مغنّية صاعدة…

عام 1912، أعلن مارسيل دوشان موت الفنّ، وعام 1917 حمل «مبوَلته»، وقد منحها اسم «ينبوع»، وعرضها بوصفها عملاً فنياً. منذ ذلك الحين، فُتح الباب أمام الفنانين الأكثر تطرّفاً. أصبحت الأشياء الجاهزة أعمالاً فنية لمجرد أن يقرر الفنان عرضها أمام الجمهور. والحال هذه، أليس فناناً ذاك الذي يصمّم شكل الهاتف المحمول وجهاز الكمبيوتر وحقيبة اليد وأحذية النساء؟ أليس حذاء متقَن التصميم والصُّنع في قدمٍ جميلة، أجمل بكثير من عمل فنّي لجاسبر جونز أو داميان هيرست، وهما من الفنانين الذين تقبل متاحف العالم على اقتنائهم وتباع أعمالهم بملايين الدولارات؟

أصبح المال اليوم، أكثر من أي وقت مضى، القاعدة التي يستوي عليها الفنّ. المال الكثير يتقدّم الفنّ. المال الكثير يرتفع فوق جرائم كثيرة ويحاول أن يحجبها…

 

ليس جديداً القول إنّ الجهل والفقر هما من ألدّ أعداء المجتمعات العربيّة اليوم (عدوّان داخليّان يُضاف إليهما، بالطّبع، أعداء الخارج). أمّا الدين، فلم يأخذ المنحى الذي اتّخذه لولا تخلُّف السياسات العربيّة وبؤسها، ولولا تَجَذُّرها في أقصى درجات العنف.

عيسى مخلوف

*مواقف ومحطات الكاتب عيسى مخلوف تبعاً لصفحته في فيسبوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق