آراء وترجمات

الكتابة ضد الجدران

“الكتابة ضد الجدران” عنوان الندوة التي أقيمت في مدينة وجدة المغربية في سياق “المعرض المغاربي للكتاب” في دورته الأولى.
شارك في الندوة زياد خداش الذي تحدّث عن جدار الفصل العنصري، وماحي بينبين الذي تناول كيفيّة تعاطي الكتابة مع موضوع الأَسر. الحسين الطنجاوي ركَّز على موضوع الحدود بين دول المغرب العربي نفسها، وعبد الرحمن بو علي لاحظ أنّ الجدران هي أحد مكوّنات الإبداع.

من جهتي، تحدّثتُ عن الجدران غير المرئيّة. وفي ما يأتي، بعض ما جاء في مداخلتي:

الجدران غير المرئيّة لا يحتاج تشييدها إلى مهندسين وحجارة وإسمَنت، وهي حاضرة بقوّة بين الدول، وكذلك بين الأفراد، بل ويمكن أن تَحضُر بين شخصين يعيشان تحت سقف واحد، جنباً إلى جنب. وهي، فضلاً عن ذلك، تمهّد لبناء الجدران المرئيّة نفسها، تُسَوِّغها وتجعل وجودها ممكناً.
وإذا كانت الجدران المرئيّة محدودة ويمكن تعدادها، فإنّ الجدران غير المرئيّة لا تُحصى.
البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) جدار غير مرئيّ.
غير مرئيَة أيضاً الجدران الموجودة في منطق الهويّات المغلَقة التي تَحصُر الإنسان في أصله وفي موروثه البيولوجي.

الحقد جدار، وهو يندرج في آليَّة صناعة العدوّ تمهيداً لسحقه.
الرقابة والمصادرة. المحرّمات والممنوعات. الفصل الكامل بين الجنسَين. الحجاب. الخوف من الآخر، المختلِف، “الغريب”.
ادّعاءُ امتلاك الحقيقة جدارٌ أيضاً. في كتابه “لُعبة المُمكنات”، يقول عالم البيولوجيا الحائز جائزة نوبل في الطبّ فرنسوا جاكوب: “ليست المصالح الخاصّة وحدها هي التي تدفع الناس إلى التقاتل، بل أيضاً كلّ ما هو قائم على الجَزم القاطع. لا شيء أشدّ خطراً من اليقين بأننا على حقّ. لا شيء يسبّب خراباً يوازي التشبّث بحقيقة يُنظَر إليها بوصفها الحقيقة النهائية والمُطلَقة. كلّ جرائم التاريخ كانت نتيجة لتعصُّب ما”…

جدارٌ هي فكرة العزل والإقصاء والسّجن. يلاحظ بعض علماء الاجتماع أنّ الإنسان بنى السجون قبل أن يبني حظائر الحيوانات.

تكمن الجدران غير المرئية أيضاً في استغلال الإنسان للإنسان وفي التعامل النفعيّ، حصريّاً، مع الحيوان، وفي استباحة الطبيعة. تكمن أيضاً في الأفكار المسبّقة وفي سوء الفهم وعدم التمكُّن من إرساء الحوار والتواصل. أمّا تطوّر وسائل الاتصال الحديثة وانتشارها بكثافة، فهذا لا يعني أنّ التواصلَ حاصلٌ بالضرورة. يلاحظ ريجيس دوبري أنّ الشعب الأميركي هو من أكثر شعوب الأرض امتلاكاً واستخداماً لتلك الوسائل لكنّه، في الوقت نفسه، أبعد ما يكون عن معرفة ما يجري في العالم.

جدار هي وسائل الإعلام في تأثيرها على الرأي العام حين توظّفها هذه السلطة أو تلك لتحوير الواقع وتزوير الحقائق والترويج لأفكار تتناسب مع توجّهات معيّنة.

جدار غيرُ مرئيّ آخر، وقد يكون الأخطر، يتمثّل في تراجع القيمة الإبداعية والمعرفية. فالمنحى الرأسمالي في زمن العولمة لم يترك آثاره فقط على الاقتصاد والاجتماع والبيئة والمناخ والثروات الطبيعية، وإنما أيضاً على المسار الثقافي وانجازاته عبر العصور. وكما أنّ هناك الآن نظاماً بيئياً مهدّداً وأجناساً حيّة تنقرض أو هي مهدّدة بالانقراض، هناك، في المقابل، كائنات من طبيعة فكرية وجمالية، على طريق الزوال. هناك مجالات إبداعية كانت أساسيّة في الثقافة الإنسانية طوال مئات السنين وأصبحت مهمّشة لأنها غير قابلة للتسليع ولا يمكن إخضاعها لمعادلة العرض والطلب.

ينعكس هذا الواقع أيضاً على التعليم، إذ يشهد العالم حالياً تراجعاً متزايداً في مجالات المعارف والعلوم الإنسانية والآداب والفنون في المدارس والجامعات في العالم أجمع، لا سيّما في الغرب حيث كان لتلك العلوم الموقع الذي عُرفَت به طوال عقود من الزمن.

في ظلّ هذه الجدران غير المرئية كلّها، وسواها أيضاً، تتّسع الهوّة بين دول الشمال ودول الجنوب ويتفاقم الفقر والتخلّف، كما ترتفع وتيرة التعصّب القومي والديني ونزَعات التطرّف والإرهاب.
ضمن هذا المناخ العام، يتعمّق الإحساس بالمنفى. كلمة منفى، هنا، لا تنحصر في معناها الجغرافي، بل تتجاوزه لتتّخذ المعنى الذي حدّده جان بول سارتر بقوله إنّ المنفى هو حين يُضَيِّع المرء مكانه في العالم.

                                         

عيسى مخلوف

*تبعاً لصفحة الكاتب عيسى مخلوف في “فيسبوك.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق