مانشيت

“المدينة ورأس المال”: لبنانيون يعيدون اكتشاف ما حلّ بعاصمتهم

على مقربة من تمثال الشهداء في وسط مدينة بيروت، يجتمع شبان وشابات من لبنان، في للانطلاق في جولة تستغرق ثلاث إلى أربع ساعات، لكي يكتشفوا ما حلّ بعاصمتهم، نتيجة لمتغيرات اقتصادية واجتماعية قديمة – جديدة، فاقمتها السياسات المنحازة في فترة ما بعد الحرب الأهلية، ولكي يعاينوا، على أرض الواقع، تلك العلاقة المعقدة بين “المدينة ورأس المال”، وهو العنوان الذي اختاره القائمون على الجولة البيروتية، التي نظّم “نادي الروّاد”، ثالث نسخها الشهرية، في مطلع كانون الأول/ديسمبر الحالي.
لا تقتصر المشاركة في “المدينة ورأس المال” على الفئة العمرية الشابة، فقد استقطبت الجولتان السابقتان (تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الأول/نوفمبر) فئات عمرية أخرى، أضفت على الإطار التثقيفي والأكاديمي للجولة البيروتية، جوانب عاطفية لمن عايش المتغيرات التي عصفت بالعاصمة اللبنانية، قبل الحرب الأهلية (1975-1990)، وبعدها.
خلال هذه الجولة، التي تستغرق قرابة الثلاث ساعات، تتولى المخططة المدينية جنى نخال، شرح العلاقة بين المدينة ورأس المال، ضمن مسار يحاكي تطوّر مدينة بيروت، ويتمحور حول خمس محطات، هي وسط المدينة، حي الصيفي، حي الخندق الغميق، حيّ زقاق البلاط، وكورنيش النهر.
“لا يقتصر الحديث عن العمارة، فالنشاط طابعه سياسي بالأساس، ويستهدف تحفيز الوعي بالسياسات المدينية”، وفقاً لما تقوله نخال، التي تشير إلى أن هذا الجانب لا يلق الاهتمام الكافي.
وتوضح نخال أن “ثمة تركيزاً دائماً على التعديات التي تطال الأملاك العامة والأملاك البحرية، وهي قضايا لا يجادل أحد في أهميتها، ولكن ذلك لا بد أن يقترن بفهم وتحليل قضايا جوهرية، لفهم الأسباب الكامنة وراء كل ما نشهده من تعديات على المدينة، وذلك من خلال البحث عن العلاقة بين التنظيم، والسياسات المدينية ورأس المال”.

وسط بيروت

يشكل وسط بيروت، مركز انطلاق الجولة، لكونها النقطة التي بدأت منها بيروت التاريخية، في الحقبتين الفينقية والرومانية، قبل أن تشهد تمدداً تدريجياً خلال الحقبات التاريخية اللاحقة.
تشرح نخال تصميم المدينة خلال تلك الحقبة، فبيروت، كانت تحاكي ذلك النموذج المعروف للمدن المتوسطية، حيث كانت محاطة بجدار كبير، مع وجود سبعة إلى ثمانية أبواب، هي:
– باب ادريس.
– باب الدباغة.
– باب السراي.
– باب دركه.
– باب يعقوب أو باب عصّور (على السور)
– باب السنطية.

تشير نخال إلى أن بيروت تاريخياً كانت مدينة هامشية، مقارنة بمدن أخرى على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، مثل جبيل وطرابلس وصور ويافا وحيفا وغيرها، مشيرة إلى أن الأهمية الفعلية لبيروت، بدأت منذ الاحتلال الفرنسي للبنان، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين صارت عاصمة الدولة اللبنانية الوليدة.
قبل ذلك التاريخ، كانت بيروت مركز ولاية عثمانية.
وتشرح نخال أن ثمة متغيرات حدثت قبل ذلك التاريخ، وتحديداً في القرن التاسع عشر، حين هدم الجدار المحيط ببيروت، حين قصفته السفن الحربية الروسية، في إحدى المعارك الشهيرة مع العثمانيين.
ومع ذلك، فقد ظل تقسيم بيروت قائماً على فكرة وجود السور، حيث تتوزع أحياء المدينة بين تلك القائمة داخله INTRA-MUROS، وتلك القائمة خارجه EXTRA-MUROS.
وتشير نخال إلى أن بيروت اتسعت في مراحل متلاحقة إلى المناطق الواقعة خارج السور، لتنشأ أحياء مأهولة يحمل كل منها مواصفات محددة.

هذا التوسع تركز على المناطق الواقعة إلى الشمال والشرق من سور بيروت التاريخي، بشكل خاص، بخلاف المناطق الواقعة إلى الجنوب منه، مثل منطقة فردان حيث التلال الرملية، ومنطقة الحمرا، التي شهدت تمدداً في مراحل متأخرة.

بين العثمانيين والفرنسيين

حين دخل الفرنسيون بيروت، وجدوها مدينة غريبة، فالعثمانيون كانوا قد شرعوا في ما يمكن وصفه بعملية تطهير للمدينة.
في تلك الفترة كانت منطقة وسط بيروت تتسم بأحيائها وحاراتها القديمة والضيقة، شأن المدن المتوسطية الأخرى. تلك الأحياء، المتفاوتة الطبقات، كانت قد بدأت تشهد تحرّكات ثورية ذات منحى عروبي، في مواجهة السلطنة العثمانية وحركة التتريك.
هذا الحراك الثوري، دفع بالعثمانيين إلى هدم جزء من منطقة وسط بيروت، التي لم تشهد بعد ذلك حركة عمرانية، بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.
على هذا الأساس، أتى الفرنسيون ليجدوا حياً خالياً من المباني، فاختاروا أن يعيدوا بناءه على نحو يحقق أهدافاً سياسياً، وذلك انطلاقاً مما بات يعرف لاحقاً بساحة النجمة، وهو نموذج معماري ديكتاتوري بامتياز.

“كارثة” إعادة الإعمار

ظلت بيروت تنمو وتكبر، إلى أن أتت الحرب الأهلية، ومن ثم مرحلة إعادة الإعمار، التي تصفها نخال، بأنها “واحدة من أكبر الضربات” التي تعرضت لها العاصمة اللبنانية.
وتوضح نخال أن خطورة ما جرى، في عملية إعادة الإعمار، هي تخلي الدولة اللبنانية عن سيادتها على أرض مساحتها نحو 1.8 مليون متر مربع، لصالح شركة خاصة (سوليدير)، ومنحها الحق بالتصرّف فيها كيفما شاءت.
وتوضح نخال أن القوانين اللبنانية لا تنطبق على “سوليدير”، فالشركة وضعت قانونها الخاص، الذي بات الحاكم في قلب العاصمة.
وتضيف نخال إلى ما سبق، أن عملية إعادة الإعمار تمت في إطار تضارب المصالح، فرئيس الحكومة في ذلك الوقت رفيق الحريري كان نفسه يمتلك الحصة الأكبر في “سوليدير”، ما شكل عنصراً إضافياً لاستحواذها على حصانة فعلية، حررتها من أبسط الموجبات تجاه الملاك الأصليين لعقارات وسط بيروت، وفرض شروطها التعسفية عليهم.

لا ديموقراطية في المدينة

على بعد عشرات الأمتار من وسط بيروت، يقع حي الصيفي، وهو “نموذج آخر لعملية إعادة رسم المدينة”، بحسب ما تقول نخال، فهذا الحي البيروتي، لطالما كان منطقة سكنية يقطنها العمال والطبقات الفقيرة، وتحوي الكثير من الورش الحرفية، لكنه صار اليوم منطقة مخصصة للفئات البرجوازية الأكثر امتلاكاً للثروة، وبات سعر الشقة السكنية يتراوح بين خمسة وسبعة ملايين دولار.
هذا الواقع ينكره القائمون على عملية إعادة الإعمار، وفقاً لما تشرح نخال، الذين يحاججون بمغالطة تاريخية مفادها أن “بيروت كانت دوماً للأغنياء”.
لكنّ الأخطر مما سبق، بحسب نخال، هو أن عملية إعادة الأعمار في حي الصيفي، تشكل نموذجاً على فلسفة رأسمالية قائمة على أساس التحكّم بمن يحق له الدخول إلى بيروت، وهو ما يطرح يضع فكرة “ديموقراطية المدينة”.
وتوضح “ليس المهم من يستطيع السكن في المدينة، ولكن من يمتلك القدرة على التجوّل في المدينة”.
وتضيف “هم يقولون إن المدينة غير مقفلة، وهو أمر صحيح من الناحية الشكلية، إذ لا توجد أبواب فعلية تقفل المدينة، ولكن هناك إقفالاً فعلياً، يتمثل في وجود أبواب نفسية، تتراوح بين كاميرات مراقبة، وأمن سوليدير، وبين طبيعة المتاجر والمقاهي القائمة، وهي عوامل جوهرية في إحداث الفرز الطبقي داخل بيروت”.

بعد اجتياز “الخط الأخضر”، وهو المصطلح الذي يرمز إلى الحد الفاصل بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية خلال الحرب الأهلية في لبنان، تأتي المحطة الثالثة في جولة “المدينة ورأس المال”، في حي الخندق الغميق، الذي يمثل بدوره إحدى المناطق التي عانت من جحيم الحرب والسلم على حدّ سواء.
تعد الخندق الغميق، الواقعة خارج السور التاريخي لبيروت، من أهم المناطق في التاريخ المعاصر للمدينة، ابتداءاً من مقاومة الاحتلال الفرنسي، مروراً بالحراك السياسي في حقبة ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى الحرب الأهلية.
توضح جنى نخال أن الخندق الغميق كانت تتميز في كونها منطقة متنوّعة طبقياً ودينياً، ولكن الحرب الأهلية فرضت تغيراً ديموغرافياً، إذ هجرها المسيحيون والأرمن.
وتشير إلى أنه “في فترة ما بعد الحرب الأهلية، تحوّلت منطقة الخندق العميق إلى واحدة من الجزر غير المبنية التي تدور في فلك سوليدير، وهو ما جعلها نقطة جذب للمضاربات العقارية، بحيث تباع الأراضي فيها وتشترى بشكل سريع، وفي معظم الأحيان لجهات مجهولة، وذلك للتلاعب بالأسعار، دونما استخدام فعلي للعقارات”.

ثمة مثال آخر تتحدث عنه نخال، في معرض حديثها عن رأس المال والمدينة، وذلك في منطقة الخندق الغميق بالذات، وهو ما بات يعرف BEIRUT DIGITAL DISTRIC، الذي تصفه بأنه نموذج معبّر جداً لطبيعة استخدام الأرض الموجّه للاستهلاك.
لكن أخطر ما يمكن رصده في الخندق الغميق هو عملية إجبار السكان، وغالبيتهم من المستأجرين، مع العلم بأنّ الحرب الأهلية أفرزت واقعاً طائفياً وطبقياً، حيث ملّاك العقارات مسيحيين من الطبقات العليا، فيما المستأجرون شيعة من الطبقات الفقيرة.
وتوضح أن “ما يحدث هو ضغط سياسي، من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهة، إلى جانب تذكيرهم دائماً بأنهم ليسوا من أبناء بيروت، في عملية فرز قسري لفرض فدرالية الأمر الواقع في المدينة”.

عشوائية الأطراف

شارع واحد يفصل بين الخندق الغميق ومنطقة حوض الولاية، التي تعكس التمدد الأكثر اتساعاً لبيروت، في المراحل الحديثة.
وتشرح نخال هذا التمدد الجديد بالإشارة إلى أن “حوض الولاية بدأت تنمو منذ اواخر الاربعينات، حين استقر فيها عدد كبير من أهالي قرية ميس الجبل في جنوب لبنان، الذين هجروا من ديارهم بفعل الاحتلال الاسرائيلي”.
وتضيف أن “أهالي ميس الجبل استقروا في هذه المنطقة، وافتتحوا محال تجارية لبيع الانتيكا (سوق العتق)، قبل أن يتغير نشاطهم التجاري باتجاه آخر، في مرحلة لاحقة، وإن ظلّ في إطار تجارة الأدوات المنزلية”.
وبرغم فضلهم في تنمية حوض الولاية، إلا أن الفكرة السائدة بشأن الانتماء إلى المدينة، وهو عززته الأنظمة الانتخابية المعتمدة في لبنان، تجعل أهالي تلك المنطقة، غير قادرين على ممارسة حقهم في اختيار نواب يمثلونهم في البرلمان اللبناني، باعتبار أنهم لا يزالون مسجلين في دوائر النفوس ضمن لوائح القرية التي نزحوا منها (ميس الجبل)، وهو ما يسهم، بشكل مباشر، في تهالك البنية التحتية، بسبب غياب المصلحة السياسية.

… والهوامش

المحطة الأخيرة من “المدينة ورأس المال”، هي في منطقة كورنيش النهر، على مدخل سوق الأحد الشعبي، وهي نموذج فاضح للفرز الطبقي داخل بيروت.
تشرح جنى نخال هذا الفرز، بالإشارة إلى القوة الطاردة التي تمارسها المدينة المدينة المركزية، والتي من خلالها تقوم باستقطاب العمال والطلاب من الطبقات الفقيرة، لكنها تمنعهم في الوقت ذاته من السكن فيها.
ولكن تلك الطبقات الفقيرة غالباً ما توجد البديل، سواء على مستوى السكن، أو على مستوى العلاقات الاقتصادية، وهو ما يفسر تمدد بيروت، إلى فضاء جغرافي أكثر اتساعاً يسمى “الهوامش”.
ومع ذلك، فإنّ الفرز ما زال مستمراً، وثمة مؤشرات تشي بأن رأس المال لن ينتظر طويلا إلى أن يبتلع “هوامش” الفقراء المدينية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق