مانشيت

هل أعاد حادث الواحات “المرابطين” أكثر شراسة؟

لم يكن الضابط السابق سعيد إسماعيل يعلم أن زميله الذي تدرب معه في الثكنة للدفاع عن الوطن، أن سيكون سبباً في كل هذا الخراب الذي عصف بمصر، في شمالها وغربها بعمليات إرهابية، فهشام العشماوي ضابط الصاعقة السابق في الجيش المصري، والذي كان “واحداً منّا”، سيستخدم كل هذه التدريبات التي تعلمها للتنكيل بزملاء المرتدين “البدلة الكاكي”، وأي زي آخر يعمل زي العلم المصري!

عشماوي، الذي حكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام في 11 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، بعد إدانته في حادث الفرافرة، عاد إلى الواجهة من جديد، بعد إشارة مسؤولين أمنيين إلى تورطه في الحادث الإرهابي الأخير الذي استهدف عدداً من عناصر قوات الشرطة في منطقة الواحات في محافظة الجيزة، خاصة مع قرب المنطقة من محيط عملياته الأخيرة، واستراتيجيته في “عدم الاكتفاء بالعمليات ذات التأثير المحدود”.

وزارة الداخلية المصرية أعلنت عن تفاصيل الحادث أمس، موضحة أن مجموعة إرهابية مسلحة باغتت قوات من الأمن الوطني والقوات الخاصة في الكيلو 135 على طريق “أكتوبر – الواحات” – كانت في طريقها لتعقب عناصر مختبئة في العمق الصحراوي، تمهيداً لتنفيذ عملية إرهابية – بأسلحة ثقيلة من جميع الاتجاهات، ما أسفر عن مقتل 11 ضابطاً وأربعة مجندين، ورقيب في الشرطة، إلى جانب إصابة 13 آخرين.

خلال تمشيط المناطق المتاخمة لموقع الأحداث في وقت سابق، تم قتل وإصابة 15 إرهابياً، تم إجلاء بعضهم بمعرفة الهاربين، في الوقت الذي عاب فيه آخرون على التأخر الحكومي في الإعلان عن تفاصيل الحادث.

 

 

عشماوي ومرابطوه.. من حضن الأمن المصري إلى قتاله

انضم عشماوي – 35 عاماً – إلى قوات الصاعقة كفرد تأمين، إلا أنه لم يعرف طريق التشدد سوى في وقت لاحق، حيث شوهد يعطي كتباً إسلامة لضباط آخرين، وكان يجهز تجمعات منهم للحديث معهم في الدين بعد صلاة الصباح، متجها إلى طريق التشدد، فحققت معه المخابرات الحربية بسبب توبيخه قارئ قرآن، فيما نقلته السلطات للعمل الإداري لتحجيم خطورته، إلا أنه واصل نشاطاته، واستمر في توزيع الكتب المحظورة والحديث عن الإسلام السياسي مع زملائه الجدد، حتى قضت المحكمة العسكرية بفصله في العام 2007.

حدث التغير الجذري في مسار عشماوي، بعد اعتقال جهاز أمن الدولة صديق مقرب له، قيل إنه توفي داخل الحجز، ومنذ ذلك الحين، شق طريقه نحو العنف المسلح، فانضم إلى “أنصار بيت المقدس”، بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، متولياً تدريب المقاتلين على تنفيذ الهجمات الانتحارية وزرع القنابل، وإطلاق النار على الجنود.

وظهر عشماوي – المكنى بأبي عمر المهاجر – ضلعاً رئيسياً في عدد من الهجمات الكبرى داخل مصر، منها عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، ومحاولة قتل وزير الداخلية محمد إبراهيم، واستهداف قوات الجيش في منطقة الفرافرة، فضلاً عن تفجير الكتيبة 101، فيما انفصل عن “أنصار بيت المقدس” بعد مبايعتها “داعش”، مؤسساً جماعة من ضباط سابقين تحت اسم “المرابطين”، ومفضلاً حضن تنظيم “القاعدة”.

وبحسب ملف قضية “أنصار بيت المقدس 3″، فقد تولى عشماوي مسؤولية مجموعة الوادي الجديد في التنظيم، لتنشط في المنطقة المركزية والصحراء الغربية والإسماعيلية والشرقية، وأصدر تعليمات لعناصره بتلقي تدريبات بدنية وعسكرية داخل أوكارهم تمهيداً لشن عمليات مقبلة. كما كلف عضو التنظيم صبرى النخلاوي، بتسهيل تسلل عناصر التنظيم لتلقى تدريبات على حرب العصابات والمدن، واستخدام الأسلحة، وتصنيع المتفجرات، في المعسكر الذي يشرف عليه القيادي سلمى سلامة فى ليبيا.

انشقاق “المرابطين” – الذين جاء اسمهم من الحركة الأم التي تنشط في شمال إفريقيا بزعامة مختار بلمختار – بحسب ما تؤكد مصادر أمنية، سببه الرئيسي كان تخوف تنظيم “القاعدة” من تغوّل نشاط “داعش” على حسابها، حتى أنه أوقف دعمه لـ”أنصار بيت المقدس”، وتواصل مع عشماوي لتحريضه وزملائه على الانفصال. كما أرسل عدداً من قادته إلى سيناء لإقناع “الأنصار” بالتراجع عن بيعة أبي بكر البغدادي، قبل أن يتخذ “أبو عمر” قراره بالانسحاب مع أتباعه، إثر رفض العدول عن البيعة.

بعد الأزمة، تبارى التنظيمان في تكفير بعضهما البعض، حتى أن البغدادي أمر باغتيال عشماوي، خوفاً من تفكك جبهة “داعش”، فيما رأى قائد “المرابطين”، أن “داعش” يمارس انتهاكات بحق مسلمين مدنيين ما يستوجب هدايته.

وترك “المرابطون” عمليات سيناء لـ”داعش”، متجهين إلى غرب مصر للعمل في ساحة جديدة، فيما فرّ – المطلوب الأكثر خطورة – من قبضة الأمن أكثر من مرة لمعرفته بدروب الصحراء ونقاط التفتيش، كما سافر إلى سوريا في آذار/مارس 2013 للتدرب على صناعة المتفجرات وحرب العصابات، قبل أن يهرب إلى درنة في ليبيا بعد إصابته في هجوم الفرافرة، ويبدأ، بعدها، التخطيط لعودة نشاطه بشكل أكثر فتكاً.

“داعش” و”القاعدة”.. هل عاد التقارب بين “الإخوة الأعداء”؟

يرى الجهادي السابق والباحث في شؤون الحركات الإسلامية، صبرة القاسمي، أن خيوط حادث الواحادت تشير إلى تورط أكثر من جهة واحدة في تنفيذه، نظراً لكبر حجمه، فضلاً عن نشاط أكثر من تنظيم إرهابي في المنطقة ذاتها.

ويضيف القاسمي، أن بوادر جديدة أظهرت تقاربا خفياً بين “داعش” و”المرابطين”، بالرغم من الخلاف الكبير بينهما، ويرجح أنها كانت بداية لتعاونها في تنفيذ الهجوم الأخير، حيث ظهر عملهما على جبهة واحدة في تنفيذ هجوم مقديشيو، الذي أسفر عن وقوع أكثر من 350 قتيلاً، واتهمت الحكومة الصومالية حركة الشباب بتنفيذه إلا أن الأخيرة لم تعلق على الأمر.

وتابع: “البغدادي وعشماوي أظهرا تعاونا كبيراً في مسرح الأحداث، خاصة بعد توقف الأول عن استهداف الثاني في ليبيا، وهو ما ظهر في حديث أحد دواعش ليبيا، الذي علق على أوامر قتل عشماوي قائلاً: أيقتل محمدا أصحابه”، مؤكداً أن هذا التعاون تشكل في الاعتماد على عدد وعتاد داعش مع عناصر “المرابطين”، ودرايتهم بدروب المنطقة، وسبل الهروب وشن الهجمات فيها، لإيقاع أكبر عدد من ضحايا الأمن المصري.

 

 لماذا الواحات؟

لا تبتعد منطقة الواحات كثيرا عن الفرافرة – التي شهدت هجوماً سابقاً لعناصر “أنصار بيت المقدس” بقيادة عشماوي على نقطة تفتيش أمني – فقط 35 كيلومترا هي المسافة بين موقعي الحادثين، لذا كان الأمر فرصة جديدة لإظهار “نفوذ أبي عمر” في دروب المنطقة، خاصة مع تمركز أكبر عدد من عناصره على الشريط الحدودي مع ليبيا.

ويوضح الخبير العسكري في مجال  الإرهاب الدولي العقيد حاتم صابر، أن ما دفع العناصر الإرهابية أيضا لاختيار هذه المنطقة، هو تضاؤل حجم العمليات الإرهابية في سيناء بعد بسط الأمن سيطرته عليها بشكل كبير، ما دفع بالمسلحين إلى توسيع قاعدة القتال لتمتد من شمال مصر إلى غربها، سعياً لتشتيت جهود الأمن في السيطرة عليهم، وبث رسالة بإثبات وجودهم على الساحة وعملهم على أكثر من جبهة.

ويؤكد صابر في حديث إلى “بوسطجي” أن طبيعة منطقة الواحات مماثلة أيضا لمسرح العمليات في سيناء، من حيث المساحة الصحراوية الشاسعة التي يصعب تعقب الإرهابيين فيها، فضلاً عن قربها من حدود ليبيا لتسهيل هروبهم ونقل الأسلحة لهم، لافتاً إلى أن التركيز الإعلامي على العمليات الاستباقية قد يؤثر أحيانا على سرية تحرك القوات، داعياً إلى توفير غطاء تأميني محكم، فضلاً عن توفير تسليح مناسب لمواجهة هذه العمليات المفاجئة والتعامل معها، تفاديا لوقوعها مستقبلا.

 

ماذا عن “أبناء يوسف الصديق”؟

يشدد عضو هيئة الدفاع عن متهمي “بيت المقدس” أحمد حلمي،فى حديث إلى “بوسطجي”  على أنه لا يمكن الإشارة إلى تورط عشماوي في الحادث من دون توافر معلومات كافية عن القضية، خاصة مع عدم وضوح الرؤية من الناحية الأمنية بشأن تفاصيل الهجوم.

ويواصل المحامي: “بالنظر إلى موقع الأحداث نجد أنها قريبة بشكل أكبر لمحافظة الفيوم التي تنشط فيها عناصر جماعة “حسم” الإرهابية – خاصة في مركز يوسف الصديق – ونفذت في محيطها العديد من الهجمات، لذا ليس من الطبيعي استبعاد تورطها أيضا”، خاصة بعدما نسب إليها بيان بمسؤوليتها عن الحادث.

ويستكمل: “كما لا يمكن التغاضي عن نشاط داعش ودوره، وستبقى هذه التكهنات وغيرها مثارة إلى حين إعلان السلطات المسؤولين عن هذه الكارثة في بيان رسمي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق