سياسة واقتصاد

المصالحة بين الدولة المصرية وجماعة “الإخوان”… بين المناورة والتشدد

لا يكف حديث المصالحة بين الدولة المصرية وجماعة “الإخوان المسلمين”، عن ملاحقة دوائر السياسة، والطرح في سجال إعلامي، وتبنّيه من قبل شخصيات عامة، تطلق مبادرات لإعادة دمج الجماعة في الحياة السياسية المصرية، وتجميد العنف والعنف المضاد بين الطرفين.
في هذا السياق، تعدد التصريحات التي تتبنى إتجاه المصالحة بين الفريقين، والتي قد تسفر عن إطلاق سراح بعض المسجونين، وإصدار عفو عن البعض الآخر، وتخفيف وطأة الملاحقات الأمنية والقضائية وإجراءات تجميد أموال قيادات “الإخوان” ونشاطها الإقتصادي، وذلك في مقابل تدشين مراجعات تتخلى فيها الجماعة عن تمسكها بالخصومة السياسية، وتتراجع عن موقفها بعدم الإعتراف بشرعية النظام الحالي، ومقاومته، عبر أذرعها التنظيمية، والإعلامية، والتوقف عن حشد كل إمكاناتها ضده على المستويين المحلي والإقليمي.
لكن إمكانية فرض تلك المصالحة وإمكانيتها، في ظل الشروط السياسية والمجتمعية والإقليمية الراهنة، الشديدة التعقيد والإلتباس، تبدو لا تقترب من الحسم،  في ظل كل التحركات التي تجري ويفصح عنها من حين إلى آخر.
ومع ذلك، فإنّ تلك الدعوات تلعب دوراً في تهيئة المجتمع لعقد المصالحة المحتملة، وترميم الفجوة التي تعبر من خلالها، خصوصاً أن الدولة المصرية ستكون مستفيدة بوقف عمليات العنف التي تتكبدها وتقليل خسائرها. على هذا الأساس، يمكن وصف الحديث عن احتمالات المصالحة بأنها “بالونات اختبار”، تتعدد ألوانها وصيغها وأطرافها، فهي تارة تخرج من شخصية صحافية ونقابية، مثل مكرم محمد أحمد، بشرط ترك “الإخوان” للعمل السياسي، والعودة إلى الديني – الدعوي فحسب، وتراجعها عن أفكار المؤسس حسن البنا، وتارة أخرى تخرج من المفكر السياسي حسن نافعة وسعد الدين إبراهيم، مدير مركز بن خلدون والسفير إبراهيم يسري.
حتى أن ما سميّ بـ “التحالف الوطني لدعم الشرعية”، طرح مبادرة للمصالحة في شباط العام 2013، من خلال تشكيل لجنة وساطة بين “الإخوان” والدولة المصرية، مكوّنة من محمود مكي نائب الرئيس المعزول محمد مرسي، والمفكر الإسلامي فهمي هويدي، وذلك لإقناع النظام بالموافقة على عقد استفتاء شعبي على “خريطة الطريق”، مع تنازل التحالف عن فكرة عودة مرسي مرة أخرى إلى سدة الحكم بعد الإفراج عنه وباقي المعتقلين من أنصاره، إضافة إلى إعادة مجلس الشورى مرة أخرى لأداء مهامه التشريعية، وفي المقابل إصدار إعلان دستوري يحصن الجيش المصري وقياداته من المحاكمة.
وفيما يبدو أن ثمة مؤشرات إقلمية تدعم اتجاه الدولة المصرية لحسم الصراع مع “الإخوان”، ومنها التحالف- المصري – السعودي، والتحالف الإقليمي الذي تقوده السعودية، لجذب الأطراف السنية في المنطقة في مواجهة النفوذ الإيراني الشيعي، وفي محصلته إعادة بناء دور جديد لمنظمات الإسلام السياسي، والتي تعتبرها السعودية معتدلة، كـ”الإخوان المسلمين”. لكن ثمة تعقيدات ترافق سيناريو المصالحة بين “الإخوان” والدولة المصرية، فالنظام المصري،  منذ الثالث من تموز/ يوليو العام 2013، بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على معاداة “الإخوان”، فيما يحمل خطابه السياسي إدانة بضلوعهم في أعمال عنف، لا سيما حادث تفجير مديرية أمن الدقهلية، الذي اعتبرت الجماعة على إثرها تنظيماً “إرهابياً”.
كل ذلك يجعل التسويق الإعلامي لفكرة المصالحة وقبول مؤيدي النظام بها، أمراً ليس سهلاً.
ولا يمكن تجاهل أنه طبقاً لإعلان “خريطة الطريق” في الثالث من تموز العام 2013، فإنّ هناك بنداً خاصاً بالمصالحة. والدستور يفرض على مجلس النواب ضرورة الانتهاء من قانون العدالة الانتقالية، وإجراء مصالحة وطنية، وتعويض أسر الشهداء، وفق المعايير الدولية في دورته الأولى، أي قبل آب/أغسطس العام من الماضي. وهذا ما يفسر حديث المصالحة، طبقاً للاستحقاق الدستوري،  وهو ما عبّر عنه وزير الدولة للشؤون القانونية، مجدي العجاتي، الذي طرح مبادرة للتسوية السياسية والمصالحة مستهدفا وحدة المجتمع وتماسكه، وهي تتقاطع مع تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطاباته التي لاتمانع من المصالحة مع كل من لم يتورط في العنف والقتل.
لعل ما سبق يكشف عن نية داخل الدولة المصرية لفرض المصالحة مع “الإخوان”، وإيجاد صيغة يمكن الإتفاق عليها وتمريرها ، ولا يُستثنى منها دور المؤسسة الدينية، عبر جهود وتحركات يقوم بها مستشار الرئيس للشؤون الدينية الشيخ أسامة الأزهري، تشمل لقاءات مع عدد من السجناء المنتمين إلى “الإخوان” بشكل خاص، والتيار الإسلامي بوجه عام، بهدف الدفع بالمراجعات الفقهية التي تتبنى العنف ضد الدولة.
ولكن الصراع مع الدولة المصرية، وما تكبده “الإخوان” من أحكام بالسجن، ومصادرة الأموال، وقتل الكثير من أعضائها في مواجهات مع قوات الأمن، خلق قطاعاً أكثر راديكالية ويرفض التصالح مع السلطة الحالية، وهو ما تخشاه قيادات الجماعة التي لم تعد تبسط نفوذها التنظيمي، ولم تعد قادرة على فرض ورضوخ الشباب لها بالقدر الكافي، ما قد يعرضها لتصدعات وانشقاقات لاتتحملها، في حال شروعها في مفاوضات يبدو فيها تراجعٌ أو مساومة عن الخط الذي يعتبرونه (الشباب) “ثورياً”، وذلك في ظل رغبة قوية من القيادات بالحفاظ على سلامة التنظيم وأعضائه.
وفي هذا الإطار، يقول عضو مجلس شورى جماعة “الإخوان” الدكتور جمال حشمت إنّ دعاوى المصالحة التي يطلقها النظام من حين لآخر “كاذبة”، ويعتقد بعدم جدوى أي مشروع للمصالحة يجري من طرف واحد يحاول فرض إرادته، وتعمل ماكينته الإعلامية على تشويهه. ويضيف أن “شروط المصالحة هي اختفاء السيسي من المشهد، وعدالة انتقالية للقصاص ممن تورطوا في دماء المصريين، واستعادة المسار الديمقراطي، ممثلاً في عودة الرئيس مرسي، وإبطال كل ما تم الاتفاق عليه من بيع مقدرات مصر وحقوقها التاريخية”.
من جهته، يقول المتحدث باسم “حزب الحرية والعدالة” الدكتور أحمد رامي الحوفي: “لا أرى أفقاً لمصالحة مع النظام حالياً، ولا توجد رؤية مستقر عليها داخل الإخوان تجاه هذا المسار. فهذا النظام لا يمكن التنبؤ بمسار منطقي تُتوقع منه تصرفاته. ففي اليوم الذى صدر فيه تصريح العجاتي، صدر أيضاً تصريح آخر لوزير الأوقاف عكس مدلول هذا التصريح”.
ويشير إلى أن الاجتماع الأخير  لمجلس شورى الجماعة، أقر تشكيل لجنة مهمتها صياغة رؤية للجماعة في المستقبل، وتقييم الأخطاء التي وقعت فيها.
ويوضح أن من بين الأخطاء: “عدم بناء تحالف ثوري جبهوي ضد الثورة المضادة، ولا أعفي جميع الأطراف من ذلك. و يبدو أن عدم الحرص على ذلك كان متبادلاً بين الجميع. ما يعكس عدم إدراكهم لقوة الموروث الذي كنا نواجهه من الدولة، والموقف الجذري لمؤسسة الجيش ضد ثورة يناير، وربما لم يكن يجهر بعكس ذلك في التيارات كافة، إلا أفراد معدودون. لذلك نسج الجميع في فترات مختلفة علاقات مع الجيش أضرت بالثورة”.
أحد القيادات الشبابية لجماعة “الإخوان”، فضل عدم ذكر اسمه، قال إنّ حديث المصالحة بين النظام و”الإخوان” يجري منذ مدة طويلة، سبقت الفترة التي قبض فيها على القيادي الإخواني محمد علي بشر. وكان الطرف الوسيط الذي تحدث مباشرة مع الدكتور سعد الكتاتني، وأحد قيادات الجيش، لكنها باءت بالفشل وأسفرت عن اعتقال بشر بعدها.
وأضاف  “في حال وجود مصالحة، فإنّ أول من سيحاربها هم شباب الإخوان أنفسهم، لأننا لا نريد للتاريخ أن يتكرر ثانية، والقيادات التي كانت تقود الفترة الماضية أخفقت في خطوات كثيرة. ونحن كشباب نطالبهم بالتنحي جانباً، وتقديمنا لتحمل المسؤولية الآن، لإدارة التحرك ومناهضة الانقلاب. فالمسار البديل هو كما حدث في كل الثورات، التي انتهت إلى أعمال شغب بسيطة ومستمرة ومتفرقة، للتخلص من حكومة الانقلاب. وهو ما سيجري العمل عليه بعد نهاية الانتخابات الداخلية للإخوان، والرؤية التي ستضعها القيادة الجديدة، وموضوع المصالحة لن يكون فيها تماماً”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق