مدوّنة

النفايات في لبنان… مشكلة مستعصية أم قصة مفتعلة؟

إذا أردنا الدخول في تحليل مشكلة النفايات المتراكمة في لبنان، منذ عقود، فلا بد لنا من مناقشة اﻷسباب التي دفعت هذا الملف إلى الدخول في سراديب اﻹدارات الرسمية وروتينها المميت، والذي تحوّل إلى تجارة رابحة للعديد من السياسيين ورجال اﻷعمال المقربين منهم.

هل هو الجهل أو الاستهتار، وعدم المحاسبة التي دفعت مجموعة من المستثمرين إلى سلوك طريق المتاجرة “بصحة المواطنين” لتحقيق أرباح مادية عالية… وما الترويج للمحارق إلا أحد طرق اﻹحتيال والتضليل للرأي العام على صوابية ذلك القرار، والإيهام بأنها الحل السحري لكل مشاكل التلوث التي تسببها الغازات المنبعثة من المكبات العشوائية التي تحترق على مدار الساعة وتفرز غاز “الديوكسين”، وهو المسبب الرئيسي ﻷخطر اﻷمراض وعلى رأسها السرطان.

وباعتماد المحارق المستوردة والمتهالكة، التي أصبحت خارج الخدمة في الدول المنتجة لها، بعدما أكل الدهر عليها وشرب، ما يعني أننا نستورد خردة على شكل محارق، وبذلك سننتقل من مرحلة الحرق البدائي إلى مرحلة الحرق الـ”كلاس”!

يعني ذلك أن اﻷمراض نفسها ستنتشر، بل من الممكن أن تفوق بأضرارها حجم أضرار الحرق العادي، ذلك أن الشروط المتبعة في إدارة ومراقبة تلك المحارق على مدار الساعة غير متوفرة في لبنان، لجهة حاجتها إلى طاقم تشغيل مدرب بشكل جيد واحترافي، وكذلك تكلفة الصيانة العالية… هذا من دون الدخول في التفاصيل التقنية وحجم الفلاتر الذي من الممكن أن يفوق حجم المحرقة نفسها، والتغيير الدوري لها، وكيفية التخلص منها، ومن الرماد السام الذي سوف ينتج من تلك العملية.

والتناقض يظهر جلياً في سلوك القيمين على موضوع البيئة، وهو أنهم لا يستطيعون تأمين مطمر صحي للنفايات العادية، فكيف سيقدرون على تأمين أماكن مطابقة للمواصفات العالمية للتخلص من تلك البقايا الخطرة التي ستفرزها تلك المحارق، على غرار الدول اﻷوروبية التي تطمر ذلك الرماد في مناجم الغرانيت بعمق شاهق وذلك لضمان عدم تسرب تلك المواد إلى التربة والمياه الجوفية.

تعتمد الدول الأوروبية إجراءات صارمة للتخلص من البقايا الخطرة التي تفرزها المحارق.

تلك اﻹجراءات الصحية الصارمة تعكس خوف الحكومات على صحة شعوبها واحترامها لحق اﻹنسان في العيش ضمن بيئة سليمة، على عكس الحكومة اللبنانية التي تتعامل بسلبية تامة، وتخبط عشوائي، يعكس قصر النظر، وعدم اتباع المنهج العلمي والمنطقي والواقعي لحل تلك المشكلة التي يراد لها أن تستمر إلى أطول فترة ممكنة، لغايات لا تخفى على أحد.

ويصر المسؤولون عن ملف النفايات على عرقلة كل الحلول التي تؤدي إلى نتائج إيجابية ونهائية واعتماد سياسة “الترقيع” والتي تعقد اﻷمور وتدفعها نحو المزيد من التدهور.

في ما يتعلق بملف النفايات، ثمة تجربة سيئة جداً في هذا المضمار لناحية التغاضي عن أخطاء وإخفاقات الشركات التي كانت وما زالت تتولى جمع النفايات. فالعقود تنص على وجوب فصل المواد الصلبة عن العضوية ليستفاد منها بأعلى قدر ممكن ومن ثم طمر العوادم التي يجب أن يتراوح حجمها ما بين  10 إلى 20 في المئة. ولكن على اﻷرض كان العكس هو الصحيح، وبتواطؤ واضح من قبل المكلفين بمراقبة عمل الشركة المنفذة.

هناك دليل إضافي على حجم الفساد الذي يلف كل من له صلة بهذا الملف الحساس، ناهيك عن التلاعب بأوزان النفايات لتحقيق أكبر قدر ممكن من اﻷرباح “الخيالية”.

ومن المؤشرات على سوء اﻹدارة وفسادها، هو اتباع سياسة التعطيل لمعامل الفرز المنتشرة في العديد من المناطق اللبنانية، وعدم إدارتها بشكل جيد، ما أدى إلى إقفال معظمها، وتحوّلها إلى مكبات للنفايات بعدما أنفقت على إنشائها الملايين من الدولارات.

من المؤشرات على سوء الإدارة وفسادها، تعطيل معامل الفرز المنتشرة في العديد من المناطق اللبنانية.

ومن اﻷسباب التي تدعو إلى القلق، استبعاد رأي الخبراء المشهود بنزاهتهم وقدرتهم العلمية ﻹجتراح حلول سهلة غير مكلفة، ومن أبرزها عملية” الفرز من المصدر” وهي الطريقة المعتمدة في أرقى دول العالم، وأصبحت من الروتين اليومي الذي يمارس بتلقائية تامة، باﻹضافة إلى القوانين الرادعة لكل من يحاول اﻹخلال بهذا النظام البيئي الصارم لما في ذلك مصلحة لكل المواطنين، باﻹضافة إلى تعزيز دور الفرد وإعتباره شريكاً أساسياً في كيفية التخلص من مشكلة النفايات.

في النهاية فإن كل ما ورد أعلاه يثبت بأن مشكلة النفايات هي قصة مفتعلة ومحبوكة جيداً للوصول إلى نهاية محددة سلفاً، وهناك خطة واضحة وهي التدمير المنهحي لهذا القطاع، وذلك للف والدوران والعودة إلى النقطة الصفر… وليتم إدخال المواطن إلى عنق الزجاجة، ليصبح لديه خيار من اثنين: إما المحارق أو أن النفايات، ومشهدها المقزز، ستجتاح الطرقات أو أن تتراكم في المكبات العشوائية، وما “البروفات” التي ظهرت في بيروت وجبل لبنان والنبطية وإنشاء مكب مستحدث على شاطئ “الكوستا برافا” إلا بمثابة المضي قدماً في تنفيذ تلك الخطط التخريبية.

وبذلك المشهد الضبابي الخانق و”الشديد السوداوية” نكون قد دخلنا نفق التلوث واستسلمنا للموت البطيء الذي سيدفعنا إلى مزيد من اﻹنقراض!

سليم يونس             

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق