سياسة واقتصاد

اميركا تواجه لعنة ترامب … ازمة دستورية والشارع ينتظر

لم يكن دونالد ترامب ، المتهور والمندفع الذي يفقتد إلى التجربة السياسية، يمتلك في البداية الصفات المطلوبة ليصبح مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية. ولكن بفضل حملة غير عادية، وخطب صاخبة تلعب على وتر انعدام الأمن للأميركيين في عالم متغير، تفوّق هذا الملياردير النيويوركي البالغ من العمر 70 عاماً على خصومه الـ 16 في حملة الانتخابات التمهيدية، ونسف أعرافاً سياسية معمولاً بها، ومزق حزباً جمهورياً لا يزال يجد صعوبة في فهم أنصار مرشحه، ولا يزال لا يدري كيف يتعامل مع هذا الإعصار.

بنى ترامب ثروته في العقارات، ولم يتول أي منصب منتخب.  وقبل الانطلاق في حملته، كان معروفاً بأبراجه والكازينوهات التي تحمل اسمه، وعمليات الطلاق في الصحافة الصفراء، وكونه نجم برنامج “ذي ابرنتيس” لتلفزيون الواقع. لكن هذا الشعبوي أثبت أنه يتمتع بعزيمة سياسية هائلة قوامها اعتداد مسرف بالنفس في ظل الشعار الذي رفعه وهو أن “يعيد لأميركا عظمتها”. وترامب لا يخاف من قول كل شيء، وأحياناً أي شيء. وبغريزته الفائقة، يوجه ضربات موجعة إلى نقاط الضعف مباشرة.

وتدفق آلاف الأميركيين ومعظمهم من البيض لحضور تجمعاته بعدما طمأنتهم خطبه التي يهاجم فيها السياسيين التقليديين الذين وصفهم “بالأغبياء” و”الفاسدين”، والصحافة والعولمة والمهاجرين والمسلمين.

ويقدم ترامب حلولاً بسيطة لكل المشاكل المعقدة. فقد وعد في حال انتخابه، ببناء جدار على الحدود المكسيكية بكلفة ثمانية مليارات دولار تدفعها المكسيك، لمنع الهجرة غير الشرعية. كما أنه مصمم على طرد 11 مليون مهاجر غير شرعي. وبالنسبة للإرهاب، تحدث عن حظر دخول مؤقت على المسلمين إلى الولايات المتحدة مؤكداً أنه “سيقطع بسرعة رأس” تنظيم “داعش” و”سيستولي على نفطهم”.

لا شك ان الكثير  من المواقف  التي أطلقها دونالد ترامب قبل وصوله الى البيت الأبيض، طرحت علامات استفهام حول طبيعة شخصيته وأهليته لشغل منصب رئيس الولايات المتحدة الاميركية.

 بعد فوزه بالإنتخابات ، لم يتوقف ترامب عن اطلاق تصريحات وصفت بـ “المتهورة” في كل الاتجاهات، الى حد وصل للتباين بينه وبين إدارته.

المواقف المغايرة بين الرئيس وإدارته، انسحبت على ملفات عدة بينها سوريا وإيران وروسيا وحتى الكيان الصهيوني ، اضافة الى سوء تصرفه خلال الاتصال الهاتفي الاخير مع رئيس الوزراء الاسترالي  مالكولم تورنبو حيث عمد ترامب الى قطعه بشكل حاد.

وفي ما يخص ايران، يأتي تهديد ترامب ومستشاره للأمن القومي مايكل فلين، بخيارات متعددة للتعامل مع التجربة الصاروخية، وقد حاول المتحدث باسم البيت الابيض التخفيف من حدته، بالإشارة إلى أن كلام فلين كان للتأكد من استيعات إيران التحذير على حد قوله.

 لكن يبدو أن التراجع الاميركي سببه المواقف الإيرانية، التي أعلنها رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في مجمع تشخيص مصلحة النظام علي اكبر ولايتي بأن من يهدد ايران، عليه أن يسأل أسلافه عن هزيمتهم في أفغانستان والعراق وسوريا.

وقال ولايتي إنه هذه ليست المرة الاولى التي يهدد فيها شخص عديم الخبرة في اميركا الجمهورية الإسلامية في ايران، واضاف إن ترامب سيفهم بمرور الزمن بان اطلاق التصريحات الخاوية ضد ايران، ستودي فقط الي خفض مصداقيته امام الراي العام.

 بدوره،  وزير الخارجية الألمانية زيغمار غابرييل، تدخل أيضاً لتوضيح مواقف الرئيس الأميركي، عبر التأكيد “أن واشنطن لا تريد إلغاء الاتفاق النووي الذي تم بين السداسية الدولية وايران، بعكس ما يروج له الرئيس الأميركي الجديد”.

وكتب ترامب في تغريدة على “تويتر” ان ايران تلعب بالنار وهي لا تقدر كم كان الرئيس اوباما لطيفا، مؤكدا” انه لن يكون كذلك. وهذه المرة أوعز ترامب سريعاً الى وزارة الخزانة الاميركية، التي فرضت عقوبات جديدة على ايران تشمل اثني عشر كيانا وثلاثة عشر فردا.. وهذه المرة ايضاً خرجت أصوات داخل الولايات المتحدة وخارجها من سياسيين واعلاميين للتصويب على خيارات الرئيس، واصفة اياه بقلة خبرته السياسية التي باتت تترجم على ارض الواقع.

واشارت مؤسسة “غالوب” العالمية للبحوث الاحصائية ان الرئيس الاميركي الجديد يحطم الرقم القياسي كأسرع رئيس يواجه رفضاَ شعبياً بين آخر 6 رؤساء لأميركا، حيث بدأ يواجه معارضة كبيرة بعد ثمانية ايام فقط من توليه السلطة. وأوضحت المؤسسة الاحصائية أنه بالنسبة للرؤساء الخمسة السابقين، فقد استغرق بيل كلينتون 573 يوماً ليصل الى هذه النقطة من فقدان الشعبية، بينما استغرق رونالد ريغان 727 يوماً، أما باراك اوباما فاستغرق 936 يوماً، وقضى جورج بوش الابن 1205 يوماً، وجورج بوش الاب فاستغرق 1336 يوما.

وتعليقا على ذلك، قالت صحيفة “ديلي تليغراف” البريطانية، انه في الاحوال العادية فإن أي رئيس جديد يستغرق مئات الايام في منصبه حتى يبدأ شعبه في تكوين الانطباعات السلبية حول سياساته، ولكن معارضة ترامب وصلت الى 50% بغضون ايام.

  من جهتها ، ذكرت صحيفة “كومسومولسكايا برافد” الروسية أن أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة أصبحوا يريدون رؤية باراك أوباماً رئيساً.

ويشير استطلاع حديث، أجرته شركة “بوبليك بوليسي بوللينغ”، إلى أن 40% من المواطنين “مع”، وأن 48% “ضد”، في حين أن 12% وجدوا صعوبة في الإجابة. هذا، على الرغم من أن نسبة أنصار استقالة الرئيس الحالي لم تتعد قبل أسبوع 35%.

ولعل المثير في الأمر أن 52% من الذين شاركوا في الاستطلاع يفضلون رؤية باراك أوباما رئيسا لهم، وأن 43% يفضلون الرئيس الحالي.

كما ظهرت أرقام منفصلة أيضا بشأن مرسوم ترامب المدوي حول الهجرة، والذي حظر سيد البيت الابيض الحالي بموجبه على مواطني سبع دول إسلامية الدخول إلى الولايات المتحدة. حيث كشفت الإحصاءات أن 47% من المستطلَعين يؤيدون هذا المرسوم، وأن 49% يدينونه.

يقول دين ديبنام، رئيس الشركة التي أجرت استطلاع الرأي، إن “الرئيس المنتخب حديثا يكون عادة في ذروة شعبيته، ويعيش فترة “شهر عسل” بعد استلامه مهماته الرئاسية رسميا، في حين أن دونالد ترامب يصنع التاريخ من جديد”..

أما المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية أندريه كورتونوف فيوضح أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في حالة استقطاب استثنائية بعد نتائج حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهذا الانشقاق الذي حدث في المجتمع الأميركي ما زال قائما، والبلد لم يهدأ بعد. كما أن هذه الأرقام تظهر أن أنصار هيلاري كلينتون يرفضون القبول بالهزيمة، ويعتقدون أن النصر سرق منهم.

لا بد من الاشارة  الى ان ادارة ترامب قد تعرضت لنكسة ” قانونية ” قضائية حين رفضت محكمة الاستئناف الفيديرالية الطعن الذي تقدمت به وزارة العدل ضد قرار قاض فيديرالي بوقف موقت لقرار تنفيذي وقعه الرئيس ترامب وحظر بموجبه سفر رعايا سبع دول ذات اكثرية مسلمة وايضا المهاجرين الى الولايات المتحدة.

وطالبت وزارة العدل بالتنفيذ الفوري لقرار الحظر، الامر الذي عمّق من الخلافات بين الرئيس والقضاء في شأن صلاحياته المتعلقة باجراءات مكافحة الارهاب بما فيها ضبط الحدود.. واذا قرر ترامب رفض تنفيذ قرار يتخذه قاض فيديرالي فانه سيتسبب بأزمة دستورية، وهو أمر ستكون له عواقب قانونية وسياسية وخيمة.

ويعني قرار محكمة الاستئناف الفيديرالية توقف العمل بالامر التنفيذي الذي وقعه ترامب في 27 الشهر الماضي، والسماح للمسافرين من سوريا والعراق وايران والصومال وليبيا والسودان وليبيا، الى اللاجئين الذين تم التحقق من خلفياتهم بدخول البلاد حتى اشعار آخر.

واضدر القاضي الفيديرالي في دائرة مدينة سياتل جيمس روبارت (الذي عينه الرئيس جورج بوش الابن) حكما بتعليق قرار ترامب لانه غير دستوري وينطوي على تمييز (ديني). وفور صدور القرار اعلنت الوزارة والاجهزة المختصة ومن بينها وزارتي الخارجية الامن القومي انها ستبدأ بتنفيذه.

وسارعت وزارة العدل الى استئناف قرار القاضي، مؤكدة ان الرئيس يملك الصلاحيات الدستورية لاصدار قرار الحظر، وإن هذه الصلاحيات “غير قابلة للمراجعة” وان قرار القاضي يشكك من دون اسباب موجبة باحكام الرئيس المتعلقة بالامن القومي، كما انه ” شديد العمومية”، كما رفضت تقويم القاضي روبارت بان قرار الحظر ينطوي على تمييز ديني.

ونشر بدوره ترامب، عبر حسابه الرسمي على موقع “تويتر” مجموعة من التغريدات، التي اتسمت بالطابع الساخر من حكم القضاء.

وقال ترامب في تغريداته: “عندما تكون في بلد غير قادر على أن تقول من لديه القدرة ومن لا يمتلكها، ولا تستطيع أن تقول من يدخل ومن يخرج منها، وخاصة لأسباب تتعلق بالسلامة والأمن، إذاً أنت في ورطة كبيرة”.

وكتب ترامب في احدى تغريداته :” اللافت ان بعض الدول الشرق أوسطية توافق على الحظر. وهم يعلمون انه اذا سمح للبعض بالدخول فان هذا سيؤدي الى القتل والدمار”، وذلك في اشارة ضمنية الى تصريحات وزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد الذي كان قد اعلن ان الولايات المتحدة اتخذت قرارا سياديا وهي لا تعتبر ” ان هذا القرار موجه ضد دين معين”..

كما رد الرئيس ترامب بغضب على قرار القاضي روبارت وهاجمه بوابل من التغريدات القاسية وصلت الى حد التشكيك بشرعيته قائلاً:” رأي هذا الذي يسمى قاضيا، الذي يعني عمليا سلب مسألة تطبيق القانون من البلاد، هو قرار سخيف وسيتم الغاؤه”.

وتسببت هذه التغريدة بردة فعل قاسية ضد ترامب من الحقوقيين والسياسيين، لانها تتناقض مع الاعراف وتمس بمفهوم انفصال السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية واستقلاليتها. ولجأ الكثير من المواطنين الى شبكات التواصل الاجتماعي لادانة ” ترامب المسمى بالرئيس”.

د. فؤاد خشيش

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق