سياسة واقتصاد

انقلاب تركيا: ماذا جرى… وماذا بعد؟

لم تكن المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا ليل الجمعة الماضي امراً مفاجئاً، فحالة الاحتقان في الحلبة السياسية التركية تتخذ مساراً تصاعدياً باضطراد، منذ الانقلاب السياسي الذي قام به رجب طيب أردوغان قبل نحو عام، حين عطّل تشكيل حكومة ائتلافية غداة فشله في تحقيق الغالبية المطلقة في انتخابات حزيران العام 2015، ودعوته إلى انتخابات مبكرة في تشرين الثاني من العام ذاته، انتهت باستعادة “حزب العدالة والتنمية” السيطرة على الحكم، أحادياً، وإن كانت النتائج لم تمنح أردوغان الغالبية الضرورية لتعديل دستوري يريد من خلاله فرض النظام الرئاسي.

كذلك، فإن المحاولة الانقلابية تأتي في ظل توتر إقليمي حاد، تتركز كل تعقيداته في الميدان السوري، في ظل تباين حاد بين الموقفين الأميركي والروسي من جهة، والتركي من جهة أخرى، إزاء الكثير من القضايا، أبرزها استراتيجيات الحرب على الإرهاب، والدور الكردي في شمال سوريا.

كثيرة هي الأسئلة التي تثيرها محاولة الانقلاب ضد رجب طيب أردوغان:

  • من هي الجهات الداخلية، سياسياً وعسكرياً، التي وقفت وراء الانقلاب الفاشل؟
  • لماذا فشلت المحاولة الانقلابية بهذه السرعة؟
  • هل من دور فعلي لجهات خارجية، ولاسيما الولايات المتحدة، في تلك المحاولة الإنقلابية، وهل يمكن لضباط في جيش “أطلسي” أن يقدموا على خطوة خطيرة كهذه، نتيجتها إما النصر وإما المشنقة، من دون تنسيق مع واشنطن؟
  • ماذا وراء استحضار فتح الله غولين في هذه التطورات؟
  • ما تداعيات الحركة الانقلابية على المشهد التركي الداخلي من جهة، وسياسات “حزب العدالة والتنمية” الخارجية؟

قبل الدخول تفصيلياً في بعض النقاط التي من شأنها المساعدة على فهم حقيقة ما جرى في تركيا، لا بد من الوقوف عند بعض المؤشرات التي كانت تشي بوجود حراك ما على الساحة التركية، بلغ ذروته مع بدء تحرك الوحدات العسكرية المتمردة ليل الجمعة- السبت.

أول تلك المؤشرات، الانعطافة التي قام بها أردوغان خلال الأسابيع الماضية على مستوى السياسة الخارجية، والتي اتخذت شكل انعطافة كاملة إزاء روسيا، التي قدّم إليها الاعتذار عن حادثة سقوط طائرة الـ”سوخوي 24″ في تشرين الثاني العام 2015، وتجاه إسرائيل، بعد الإعلان عن طي صفحة “مافي مرمرة”، فيما اتخذت شكل انعطافة غير كاملة تجاه مصر وسوريا، تبدّت في توجيه رسائل غير مباشرة عكست رغبة في ترميم العلاقات المتدهورة معهما.

ثاني تلك المؤشرات، أن ثمة معلومات استخباراتية حصلت عليها جهات غربية، بأن أمراً كبيراً ينتظر تركيا، وهو ما دفع فرنسا، على سبيل المثال، إلى إغلاق سفارتها وقنصليتها ومركز خدماتها في تركيا – لا بل الغاء الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي – قبل ثلاثة أيام من الحركة الانقلابية.

وأمّا ثالث تلك المؤشرات فهو أن الصحافة التركية دأبت خلال الأسابيع الماضية على نشر لوائح تتضمن أسماء ضباط كبار مرتبطين بما يسمّى “الكيان الموازي”، والمقصود به الشبكة المرتبطة بالداعية الإسلامي فتح الله غولين، وسط حديث عن امكانية انعقاد مجلس الشورى العسكري لاتخاذ قرار بشأنهم.

في هذه الأجواء المضطربة جاءت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها بعض الوحدات العسكرية في الجيش التركي، والتي تمكن اردوغان من وأدها سريعاً… فما الذي حصل؟

انقلاب خارج السياق!

لتركيا تاريخ طويل مع الانقلابات العسكرية. الأمر يعود بالدرجة الأولى إلى الأسس التي وضعها الرئيس المؤسس للجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك بعد حرب الاستقلال التي خاضها، على اثر تمرّده العسكري، وتصدّيه لاتفاقية سيفر التي وقعت في العام 1920، بعدما حطّت الحرب العالمية الأولى أوزارها، والتي تم بموجبا تقسيم تركيا، والحاق جزء كبير من أراضيها بدول مجاورة. كانت نتيجة تمرد أتاتورك إسقاط اتفاقية سيفر والتوصل الى اتفاقية لوزان 1923، التي شكلت البداية العملية لتأسيس الجمهورية التركية بشكلها الحالي، والتي ترافقت مع سلسلة “إصلاحات” سياسية واجتماعية وثقافية، أبرز معالمها على الإطلاق سطوة المؤسسة العسكرية التركية على المفاصل السياسية.

دور الجيش التركي على المستوى السياسي كانت نتيجته حدوث أربع انقلابات على السلطة السياسة في الأعوام 1960، و1971، و1980، وأخيراً في العام 1997.

الجدير ذكره في هذا الإطار، أن الانقلابات العسكرية كانت تتسم بصفة شرعية مئة في المئة، فالمادة الخامسة والثلاثين من قانون الخدمة الداخلية للجيش التركي كانت تنص على أن “وظيفة القوات المسلحة التركية هي حماية الوطن التركي ومبادئ الجمهورية التركية كما هي محددة في الدستور”، ما يعني أن الجيش التركي كان حارس الجمهورية ومبادئها، فيما كان دستور العام 1982، او ما يسمّيه اردوغان “دستور الانقلابيين”، يمنح حصانة قضائية للعسكريين الذين يقدمون على حركة انقلابية، تمنع ملاحقتهم أمام المحاكم.

ولكن الأمر تغيّر في العام 2010، فالتعديلات الدستورية، التي استفتي عليها الشعب التركي في شهر أيلول من ذلك العام، أسقطت مادة الحصانة للانقلابيين، في حين تم تعديل المادة 35 من قانون الخدمة الداخلية لتنص على أن “مهمة القوات المسلحة تتمثّل فى الدفاع عن الوطن والجمهورية التركية تجاه التهديدات والأخطار الخارجية، والسعى إلى الحفاظ على القوة العسكرية وتعزيزها، بحيث تشكل قوة رادعة للأعداء، والقيام بالمهمات الخارجية التى تسند إليها من قبل البرلمان التركي، والمساعدة على تأمين السلام العالمي”.

في الغالب، كانت الانقلابات تتم بطريقة تكرّست تقليداً في تركيا: يدخل رئيس الأركان على رئيس الوزراء، ويسلمه مذكرة، ثم تتحرك الوحدات العسكرية رمزياً، وتسيطر على مقرات الحكم، ويُتلى البيان رقم واحد… فينتهي كل شيء!

ما جرى في تركيا ليل الجمعة – السبت جاء خارج السياق التقليدي للانقلابات التركية، سواء على مستوى الغطاء الدستوري والقانوني والسياسي، أو على مستوى تفاصيل الحركة الانقلابية نفسها، والتي يمكن استخلاصها من خلال ملاحظات عدّة أبرزها:

  • في التجارب الأربعة السابقة كانت ثمة قيادة واضحة للانقلاب، وهي غالباً ما كانت تتمحور حول شخصية عسكرية نافذة (جمال غورسيل في العام 1960، ممدوح تاجماك في العام 1971، كنعان ايفرين في العام 1980، واسماعيل حقي قرضاي في العام 1997 )، في حين كان الأمر مختلفاً في المحاولة الانقلابية الأخيرة، التي اقتصرت رموزها على بعض اربع جنرالات وعدد من الضباط دون رتبة عقيد، في حين لم يُعرف بعد الرمز المفتاح لهذه الحركة الانقلابية.
  • الانقلابات السابقة كانت تجري ضمن تسلسل القيادة العسكرية، وهو ما لم يحدث في الانقلاب الأخير، كما أوضح رئيس الأركان بالوكالة اوميت دوندار.
  • في الانقلابات السابقة، كان الجيش التركي متوحّداً حول خطوة الإطاحة برئيس الجمهورية، إذ كان يكفي اتخاذ القرار على مستوى القيادة حتى تستجيب كافة الوحدات (مع أن بعضها كان يتريّث في التحرك على الأرض)، في حين أن الأمر بدا مختلفاً في المحاولة الانقلابية الأخيرة حيث سارع العديد من القادة العسكريين إلى رفض الحركة الانقلابية.
  • في الغالب، كانت الانقلابات في تركيا تحظى بظهير سياسي، يتمثل في تأييد حزب أو أكثر لخيارات العسكريين، وهو ما لم يتوافر في محاولة الانقلاب على اردوغان.

لماذا فشل الانقلاب؟

كثيرة هي الأسباب التي افضت إلى فشل المحاولة الانقلابية على أردوغان. بعض تلك الأسباب يعود إلى السياق السياسي العام الذي أتت فيه تلك الحركة الانقلابية، وبعضها الآخر يرتبط بالخطة الانقلابية نفسها، والتي يرى بعض الخبراء العسكريين أنها نفذت بـ”كاتالوغ” قديم لا يتطابق مع التحولات التي طرأت على الحلبة السياسية في تركيا خلال السنوات العشر الماضية، والتطورات التي يشهدها العالم على أكثر من صعيد.

وعلى المستوى السياسي، لا يمكن تجاهل تحوّلات المشهد الداخلي التركي منذ وصول رجب طيب أردوغان إلى الحكم في العام 2003، وما قام به طوال سنوات حكمه، كرئيس للحكومة (2003-2014)، وكرئيس للجمهورية (بالرغم من أن هذا المنصب ما زال رمزياً في تركيا). ومعروف أن اردوغان قد استشعر مبكراً الخطر الذي يمكن أن تمثله المؤسسة العسكرية على حكمه، لا سيما بعد انقلابها الناعم على نجم الدين اربكان في العام 1997، فراح يعد العدّة لتحصين نفسه من أي طموحات جديدة للعسكر التركي، عبر سلسلة إجراءات كان ابرزها:

  • اعادة تشكيل القيادة العسكرية بما يضمن ولاءها لنظام “حزب العدالة والتنمية”، أو على الأقل تحييدها في الصراعات الداخلية، وهو ما جرى بالفعل حين نحّى عدداً كبيراً من القادة العسكريين، ابرزهم رئيس الأركان ايلكر باشبوغ، وأتى بفريق عسكري أقل إثارة للمشاكل الدخلية.
  • الاعتماد على الفرق الخاصة من الشرطة التركية وقوات مكافحة الشغب لحماية النظام، بدلاً من الاتكال حصراً على المؤسسة العسكرية، وهو تبدّى بالفعل ليلة الانقلاب الفاشل، حين أخذت قوات الأمن على عاتقها مهمة اعتقال الضباط والجنود المتمردين.
  • بناء ظهير شعبي قوي، أمّن له سلسلة انتصارات انتخابية طوال فترة حكمه، التي صار فيها المجتمع التركي منقسماً بشكل حاد بين نصف مؤيد لأردوغان ونصف آخر معارض له، وهو ما سمح له ليل الانقلاب بتحريك الحشود بغرض التصدي للتمرد العسكري.
  • تشكيل فرق شبه عسكرية Paramilitary، على الطريقة “الإخوانية” المعروفة، كميليشيات شعبية يمكن الاعتماد عليها لمواجهة أي عمل انقلابي، أو على الأقل تأخير مفاعيله.

هذه التحولات كانت كافية لجعل أي محاولة انقلابية على أردوغان تواجه احتمالات الفشل، أو على الأقل الدفع بالانقلابيين إلى البحث عن أدوات انقلابية مختلفة عن الكاتالوغ التركي المعروف، وهو ما لم يتضح فعله في الحركة الأخيرة، ويمكن في هذا الإطار الحديث عن ثغرات كثيرة أبزرها:

  • لم يتمكن الانقلابيون من تقديم وجه بارز لقيادة حركتهم، فالأمر اقتصر، بحسب المعلومات المتوافرة، على بعض الشخصيات العسكرية من الصف الثاني وما دون، مثل المستشار القانوني لرئيس الأركان العقيد محرم كوسا، الذي وصف بأنه العقل المدبر للانقلاب، والقائد السابق لسلاح الجو الجنرال آكين أوزتورك، وقائد الجيش الثاني أدم حدوتي، وقائد الجيش الثالث اردال اوزتورك.
  • افتقدت الحركة الانقلابية الى عامل أساسي في نجاحها، وهو ضمان التفاف المؤسسة العسكرية، أو على الأقل قطاعات عسكرية واسعة، حولها، فبدت وكأنها تواجه خصمين في آن واحد: اردوغان من جهة، والقيادة العسكرية من جهة ثانية.
  • لم ينجح الانقلابيون في تأمين ظهير سياسي لحركتهم، وهو ما تبدّى في الموقف المثير للانتباه من قبل أحزاب المعارضة الثلاثة – “حزب الشعب الجمهوري” (علماني)، “الحركة القومية” (قومي)، و”حزب الشعوب الديموقراطي” (كردي) – التي أجمعت على رفض الانقلاب على الديموقراطية.
  • بدت تحرّكات الانقلابيين نفسها غريبة بعض الشي، مقارنة بالتحركات العسكرية المشابهة في العالم، وهو ما يمكن رصدها تفصيلياً بمشاهد عدّة أبرزها:
    1. اقتصر التحرك على نزول بضع دبابات للسيطرة على مطار اسطنبول، واقفال جسري البوسفور، والاستيلاء محطة التلفزيون الرسمية، إلى جانب بعض التحركات الاستعراضية التقليدية في الشوارع، وتحليق طائرات الـ”أف 16″.
    2. لم يعمد الانقلابيون الى السيطرة على القصر الجمهوري أو باقي مقرات الحكم في تركيا، بل اقتصر الأمر على قصف بعض المباني، مثل مبنى البرلمان ومقر جهاز الاستخبارات.
    3. لم يهيء الانقلابيون الإخراج الإعلامي المناسب لتحرّك على هذا القدر من الخطورة، فلم يحضّروا على سبيل المثال، وكما درجت العادة، ضابطاً، ولو برتبة متدنّية، لقراءة البيان رقم واحد عبر التلفزيون الرسمي، بل تركوا الأمر لمذيعة تبيّن لاحقاً أنها قرأت بيان الانقلاب مرتجفة تحت تهديد السلاح.
    4. بدا البيان رقم واحد نفسه باهتاً، إذ لم يحو أي طابع ايديولوجي واضح، برغم استحضاره العبارات الانقلابية التقليدية، وهو ربما يعكس تسرّعاً في إعداده، أو رغبة من قبل الانقلابيين في عدم صبغ تحركهم بأي هوية محددة، سواء علمانية أو دينية.
    5. لم يعمد الجنود الانقلابيون الى استخدام القوة المفرطة ضد مناصري اردوغان، وهو امر مستغرب في الانقلابات العسكرية.
    6. ترك الانقلابيون لأردوغان ثغرات كثيرة على المستوى اللوجستي، فلم يعمدوا على سبيل المثال إلى قطع اتصالات الهاتف والانترنت، فيما اقتصرت سيطرتهم الاعلامية على التلفزيون الرسمي، وهو أثر بشكل كبير على “الحرب النفسية” التي تعد من العوامل المهمة لنجاح الانقلابات، ففي الوقت الذي كان قادة الانقلاب يعلنون تلفزيونياً السيطرة على مقاليد الحكم، فإنّ المشاهد التي كانت تعرضها وسائل الاعلام الخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي بدت مغايرة. علاوة على ذلك، فإن عدم السيطرة الكلية على وسائل الاتصال والإعلام منح اردوغان القدرة على ضمان التواصل مع مناصريه، لا سيما  دعوته اياهم إلى مقاومة الانقلاب… وقد استجابوا سريعاً.
    7. عدد من الجنود قالوا للمحقيين، بعد اعتقالهم، انهم لم يكونوا على علم بأنهم جزء من محاولة انقلابية، بل قيل لهم إنهم خارجون في مناورة عسكرية، زاعمين أنهم لم يدركوا أن الأمر يتعلق بانقلاب إلا حين اعتلى مناصرو اردوغان دباباتهم.

تلك الوقائع تثير الكثير من التساؤلات حول سبب إقدام القادة العسكريين على مغامرة غير محسوبة، نتيجتها أمر من اثنين إما النصر واما حبل المشنقة، من دون تهيئة الظروف الضرورية لتأمين حد أدنى من مقوّمات النجاح.

ثمة سيناريوهات ثلاثة محتملة يمكنها تفسير هذا الأمر:

  • السيناريو الأول، أن الانقلابيين كانوا يستشعرون خطراً داهماً دفعهم إلى التحرك بتلك السرعة غير المدروسة. ولعلّ اكثر الأسباب المنطقية لذلك، أن هؤلاء كانوا يعلمون بأنهم سيكونون عُرضة لحملة تطهير داخل الجيش، على خلفية ارتباطات محتملة لهم مع الداعية الإسلامي فتح الله غولين، وهو ما أشار إليه أردوغان بوضوح في خطابه بعد عودته من مرمرة الى مطار اسطنبول.

وسبق أن تحدثت تقارير إعلامية تركية عن أنّ اردوغان طلب بالفعل، قبل أيام، من المجلس العسكري الانعقاد لبحث هذا الأمر، والشروع في حملة تطهير داخل المؤسسة العسكرية، وأن رئيس الأركان خلوصي أكار قد طلب تأجيل الأمر إلى ما بعد شهر آب لتهيئة الأجواء واحتواء التداعيات المحتملة.

وفي هذا السياق، فإنّ آكين أوزتورك، على سبيل المثال، كان من ضمن القادة العسكريين الذين جرى تداول أسماؤهم ضمن قوائم الضباط والقضاة المرتبطين بالـ”الكيان الموازي”، والذين كانت ستطالهم حملة التطهير في آب المقبل.

  • السيناريو الثاني، أن يكون الانقلابيون قد تلقوا ضمانات من جهات خارجية بدعم تحركهم، سواء بهدف إسقاط رجب طيب أردوغان أو على الأقل توجيه رسالة قاسية له، وذلك ضمن سقف زمني محدد.

وفي حال كانت تلك الفرضية صحيحة – وما يعززها أنه يستحيل أن يقدم قادة عسكريون في جيش “اطلسي” مثل تركيا على اي تحرّك خطير من هذا النوع من دون تنسيق مع الولايات المتحدة – فمن الطبيعي أن يكون الدعم الخارجي مشروطاً، من الناحية التكتيكية، بأن تكون الحركة الانقلابية سريعة جداً، ولا تؤدي الى سقوط عدد كبير من القتلى، وذلك بالنظر إلى اعتبارات كثيرة، أبرزها ضمان عدم انجرار تركيا، العضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي، إلى حرب أهلية، في ظل الوضع المتفجر في المحيط التركي، لا سيما في سوريا.

هذا الامر ربما يفسر ظاهرتين طبعتا المحاولة الانقلابية، الأولى هي التحضير والتنفيذ المتسرع لخطة الانقلاب، والثانية إحجام الانقلابيين عن استخدام العنف ضد مناصري أردوغان، في ما عد استهداف بعض المنشآت بغارات محدودة.

  • السيناريو الثالث، أن يكون الانقلابيون قد وضعوا خطة مقتصرة على عنصر واحد للنجاح أو الفشل، وهو  اعتقال اردوغان، وهذا ما ألمح إليه الرئيس التركي بوضوح في خطابه في مطار اسطنبول حين قال: “لقد حاولوا الوصول إليّ، واستهدفوا المنطقة التي كنت فيها (مرمرة)، ولكنهم فشلوا في ذلك”. وثمة من يعتقد أنه لو تحقق للانقلابيين اعتقال اردوغان لتبدّل المشهد بشكل جذري لصالح الحركة الانقلابية.

الدور الخارجي المحتمل

 لم يوجه أحد حتى الآن اصبع الاتهام مباشرة الى جهة خارجية معينة بدعم الانقلاب. ولكن ثمة وقائع تشي بوجود قناعة معينة لدى “حزب العدالة والتنمية” بوجود دور اميركي خفي.

الأدلة على تلك القناعة كثيرة، وإن كان يجري الحديث عنها تلميحاً لا تصريحاً، ومردّها بشكل خاص أمران: الاول، تريّث البيت الابيض في الإدلاء برأي واضح تجاه الاحداث، ففي الساعتين الأوليين لبدء الحركة الانقلابية كانت المواقف الاميركية تقتصر على العبارات المعروفة من قبيل الدعوة الى حقن الدماء وما شابه، لكنها اتخذت منحى آخر منذ أن بدأت تظهر المؤشرات على فشل الانقلابييين، لتتحول الى تأكيد على احترام السلطات المنتخبة ديموقراطياً.

الأمر الثاني هو وجود فتح الله غولين في الولايات المتحدة، واتهام اردوغان له مباشرة بالوقوف وراء الانقلاب.

وكان ملفتاً أن اردوغان قد استخدم عبارات دقيقة تهاجم غولين صراحةً، والولايات المتحدة ضمناً، لا سيما في عبارته:  “نحن لا نتلقى تعليمات من بنسلفانيا”، في إشارة إلى مكان إقامة فتح الله غولين. ومن المؤكد أن استخدام كلمة “بنسلفانيا” بالذات – بدلاً من “غولين” أو حتى “الكيان الموازي” – يحمل دلالات كبيرة، تتمثل في الإشارة الى دور ما للولايات المتحدة في ما يجري، فيما كان رئيس الوزراء بن علي يلدريم اكثر وضوحاً حين قال إن أي دولة تقف مع غولين ستكون في حالة حرب مع تركيا.

ومن الجائز أن تكون الولايات المتحدة ضالعة فعلاً في المحاولة الانقلابية، لأسباب كثيرة.

وبالرغم من أن الادارة الاميركية ترى في أردوغان حليفاً “أطلسياً” وثيقاً في الشرق الأوسط، إلا أن ثمة تباعداً قد ظهر في السياسات بين انقرة وواشنطن إزاء قضايا عدّة، أبرزها الموقف من الأكراد، والحرب على الإرهاب.

ويمكن أن تكون الأهداف وراء الدعم او الغطاء الأميركي المحتمل للحركة الانقلاب متفاوتة بين توجيه رسالة سياسية قاسية إلى اردوغان، أو إلهائه بالقضايا الداخلية لتكبيل يديه إقليمياً، من دون ان تصل الى مستوى إسقاطه بالكامل، لاعتبارات عدّة، أبرزها إدراك الإدارة الأميركية بأن نجاح الانقلاب يمكن أن يجر تركيا إلى سيناريو سوري، وهو ربما ما لم يدركه قادة الانقلاب.

ولعلّ حديث الرئيس باراك اوباما عن اردوغان، في مقابلته مع مجلة “اتلانتيك”، في مطلع العام الحالي، يحمل الكثير من الدلالات، فقد قال الرئيس الأميركي إنه كان يرى في الرئيس التركي “قائداً مسلماً معتدلاً يمكن أن يكون جسراً بين الشرق والغرب”، ولكنه خيّب الآمال، لا سيما في مقاربته للأوضاع في سوريا.

ومعروف أن الولايات المتحدة، والغرب عموماً، قدمت اردوغان بوصفه النموذج العصري والمعتدل للإسلام السياسي، ولكن الأزمة السورية كشفت الكثير من الحقائق، أهمها على الإطلاق التعاون الوثيق بين نظام “حزب العدالة والتنمية” وبين المنظمات الارهابية مثل “داعش” و”جبهة النصرة”.

وبالتالي، فإن الولايات المتحدة ربما وجدت المحاولة الانقلابية مناسبة لتوجيه رسالة إلى أردوغان، بدلاً من إطاحته بالكامل، ومفادها أن نظامه لن يصمد طويلاً في حال استمر على سياساته الحالية، وان البديل موجود، والمقصود هنا جماعة فتح الله غولين.

وأياً تكن الاحتمالات، لا شك في أن الفترة المقبلة ستشهد توتراً حاداً في العلاقات بين نظام أردوغان والإدارة الاميركية عنوانه العريض: تسليم فتح الله غولين.

“هدية من الله”؟

في العموم، فإنّ اردوغان حسم الموقف سريعاً، وإن كان بشكل غير كامل، وبات قادة الانقلاب إما رهن الاعتقال أم فارين داخل تركيا وخارجها… ولكن الآتي قد يكون أعظم.

وكان ملفتاً للانتباه أن اردوغان قد سارع إلى اطلاق حملة اعتقالات وإقالات واسعة في المؤسسة العسكرية والسلطة القضائية، شملت ما يقرب من ستة آلاف عسكري ونحو 2500 قاض، بينهم قضاة في مجلس القضاء الاعلى.

ويبدو هدف اردوغان في ذلك مزدوجاً، وهو اثبات قوته بعد اهتزاز صورته، ولو لساعات قليلة، وكذلك، الاستفادة مما جرى لتسريع عملية تطهير المؤسستين العسكرية والقضائية من العناصر المنتمية الى “الدولة الموازية”.

وربما هذا ما دفع بالرئيس التركي إلى القول إن ما جرى كان “هدية من الله”، وان الوقت قد حان لـ”تنقية” الدولة التركية.

ولكن الأمر لن يكون بهذه السهولة، فما يسمّيه اردوغان “الدولة الموازية” أو “الكيان الموازي”، في إشارة الى مناصري غولين، باتت منتشرة في الدولة التركية بمستوى أكبر مما كان يسمّى بـ”الدولة العميقة” نفسها. ومعروف أن الغولينيين يمتلكون شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، ليس في تركيا فحسب وانما في الكثير من دول القوقاز، ولا سيما الطورانية منها، علاوة على آلاف المدارس والجامعات، أبزرها “جامعة الفاتح” في اسطنبول، ولديهم في أجهزة الدولة عشرات آلاف المناصرين، من موظفين وعسكريين وقضاة… ويضاف إلى ذلك أن التيار الغوليني قد اكتسب تأييداً مرحلياً وظرفياً من قبل فئات  اخرى في تركيا، على خلفية العداء المشترك لرجب طيب أردوغان.

وعلى العموم، فإن اردوغان يبدو حاسماً في حربه المعلنة لاستئصاف الغولينيين، وفي عبارات المسؤولين الأتراك ما يفيد بذلك، حتى أن الرئيس التركي نفسه سعى، وفي أكثر من مناسبة، إلى الربط بين جماعة غولين و”الإرهاب”، وذلك منذ الخطاب الأول الذي القاه لحظة وصوله إلى مطار اتاتورك في ليلة الانقلاب.

وبالفعل فقد شرع اردوغان في حملة اعتقالات طالت الآلاف، في وقت يجري الحديث عن تعديل قانون العقوبات بما يسمح باستئناف تطبيق عقوبة الإعدام.

ومع ذلك، فإنّ استئصال “الدولة الموازية” سيتطلب من اردوغان دفع أثمان كبيرة في الداخل والخارج.

ومن غير المعروف بعد ما اذا كان الحس البراغماتي لأردوغان سينتصر على الطبع السلطاني، لا سيما في مقاربته للمسائل الداخلية، وعلاقاته المستقبلية مع المعارضة التركية “الشرعية”.

وعلى المستوى الداخلي، من المؤكد أن المعارضة التركية، على اختلاف مكوّناتها (يسارية، قومية، كردية) ستطالب اردوغان بثمن كبير في مقابل وقوفها إلى جانب شرعيته في الليلة الانقلابية، لا بل أنها اظهرت توحداً نادراً في دعم النظام المنتخب، عبر البيان المشترك الذي وقعته بعد يوم من الانقلاب مع “حزب العدالة والتنمية”.

ويمكن قراءة الخطاب الذي القاه رئيس “حزب الشعب الجمهوري” كمال كيليتشدار اوغلو في الجلسة الاستثنائية للبرلمان التركي، انطلاقاً من رغبة المعارضين في قطف ثمار موقفهم، إذ قال بوضوح إن فشل الانقلاب يجعل القوى السياسية اقرب إلى ايجاد ارضية مشتركة لتعزيز الديموقراطي.

وكان ملفتاً كذلك، أن اردوغان تجنّب، في خطاباته التي تلت الانقلاب، أي إشارة، لا ايجابية ولا سلبية، تجاه المعارضة الشرعية في البلاد، وهو امر يدفع الى الاعتقاد بأنه يبيّت أمراً من اثنين: إما الشراكة السياسية مع المعارضة البرلمانية لترسيخ مصالحة سياسية واسعة في البلاد، واما الذهاب بعيداً في حملته الانتقامية ضد الغولينيين لتشمل خصوصاً آخرين ابرزهم “حزب الشعوب الديموقراطي” الكردي.

فشل المشروع العثماني

ثمة اعتقاد تولّد منذ اللحظة الأولى للحركة الانقلابية أن اردوغان سيخرج خاسراً، سواء نجح الانقلاب أم فشل. هذا الأمر يمكن تلمّسه في مجموعة من المؤشرات، التي بدأت، حتى قبل المحاولة الانقلابية بأيام، حين نزل اردوغان من عليائه السلطاني، وراح يصلح ما افسدته “العثمانية الجديدة” مع دول الجوار.

على هذا الأساس، كان الاعتذار الشهير لروسيا عن حادثة الـ”سوخوي 24″.

وعلى هذا الأساس ايضاً كان التنازل أمام اسرائيل والقبول بمصالحة غير مشروطة لإنهاء أزمة “مافي مرمرة”.

علاوة على ذلك، فإن اردوغان قد بعث برسائل غير مباشرة للنظامين السوري والمصري مفادها أن تطبيع العلاقات أمرٌ ممكن.

قد تكون تحركات أدروغان على مستوى السياسة الخارجية مؤشراً إلى استشعاره الخطر المحدق به في الداخل.

وإذا كان الأمر على هذا النحو ما قبل الانقلاب، فإن المهادنة الأردوغانية مع الخارج – في ما عدا الولايات المتحدة بسبب قضية تسليم فتح الله غولين – ستمضي في مسار اكثر وضوحاً خلال المرحلة المقبلة، أقله الى أن يتمكن  الرئيس التركي من تعزيز جبهته الداخلية، وهي مهمة قد تستغرق سنوات.

علاوة على ذلك، فإن ما جرى عكس ضعفاً على مستوى المؤسسة العسكرية، التي بات ينظر اليها، حتى لدى حلفائها في “الأطلسي”، على أنها مخترقة وتنخرها الخلافات والاصطفافات السياسية. ولعلّ مشهد الجنود المستسلمين في عند جسر البوسفور، ومشاهد الاعتداءات الانتقامية التي قامت الميليشيات الاردوغانية بحق جنود الانقلاب، ستكون لها تاثيرات سلبية على صورة ومعنويات الجيش التركي، الذي يعد ثاني قوة عسكرية في “الناتو”.

كذلك، فإن محاولة الانقلاب اظهرت فشلاً ذريعاً لدى أجهزة الاستخبارات التركية، وهو امر مؤذ لسمعة المؤسسة العسكرية.

ومن المرجح أيضاً ان تهتز صورة الجيش التركي على نحو متزايد خلال المرحلة المقبلة، حين تبدأ محاكمة المنخرطين في الانقلاب، وقد فاق عدد المعتقلين منهم الستة آلاف، وهو امر سيترك أثره السلبي على كافة القطاعات العسكرية التركية، التي باتت متخمة بالجراح، ومعنويات قادتها وضباطها وجنودها متدنية، وبالتالي سيكون من الصعب الاعتماد عليها في عمليات خارجية، لا سيما في سوريا والعراق.

هكذا فإن المشروع العثماني الذي حمله اردوغان لن يكون بعد الحركة الانقلابية كما كان قبلها، فالمرحلة المقبلة هي مرحلة الارتداد الى الداخل… واما الحديث عن “عثمانية جديدة” و”عمق اسلامي” فقد بات مؤجلاً حتى إشعار آخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “انقلاب تركيا: ماذا جرى… وماذا بعد؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق