سياسة واقتصاد

مفاوضات “بريكست” .. طريق الطلاق الصعب بين بريطانيا واوروبا

تبدأ بريطانيا، اليوم، مفاوضات تاريخية للخروج من الاتحاد الاوروبي، وذلك بعد عام على استفتاء “بريكست” ، الذي وافقت عليه غالبية غالبية البريطانيين بنسبة 51.89 في المئة، وفي ظل أوضاع سياسية هشة لحكومة تيريزا ماي، بعد انتخابات تشريعية أضعفت نفوذها البرلماني.
ومن المتوقع أن يدشّن وزير “بريكست” ديفيد ديفيس، في بروكسل اليوم، مفاوضات الخروج المعقّدة مع الاتحاد الأوروبي، حين يلتقي كبير مفاوضي المجموعة الأوروبية ميشال بارنييه، على أن تستمر العملية التفاوضية لمدّة قد تصل إلى عامين.
وصوّتت بريطانيا العام الماضي، في حدث غير مسبوق، على انهاء عضويتها التي استمرت لعقود في تكتل الدول الثماني والعشرين، على خلفية القلق حيال ازمة الهجرة وفقدان السيادة، في استفتاء شكلت نتائجه زلزالاً سياسياً في الداخل وصدمة كبيرة في العالم.
ووضعت الحكومة البريطانية ما سُمّي “بريكست صعب” لخفض أعداد المهاجرين القادمين من الاتحاد الاوروبي على حساب عضوية بريطانيا في السوق الاوروبية المشتركة والوحدة الجمركية.
وفي الواقع، فقد بدأ البريطانيون العاديون يشعرون بتبعات بريكست مع ارتفاع كلفة التصدير بسبب تدهور سعر الجنيه والقلق المتزايد لدى الشركات من خسارة اسواق تجارية.
وأظهر استطلاع للرأي أن منعظم البريطانيين يؤيدون، حالياً، إجراء استفتاء ثانٍ، حول خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
وأشار الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة “سرفايشن” لصالح صحيفة “ذا ميل أون صنداي”، ونشرت نتائجه، عشية بدء مفاوضات “بريكست” أنّ 53 في المئة من البريطانيين، يؤيدون إجراء التصويت على مدى قبولهم شروط الاتفاق النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعندما طُرح نفس السؤال، على البريطانيين المستطلعة آراؤهم، في إبريل/نيسان الماضي، كانت أغلبية 54% ضدّ إجراء استفتاء ثانٍ.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى وجود معارضة متزايدة بين الجمهور إزاء اتفاق “بريكست صعب” لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.

أظهر آخر استطلاع للرأي
أن 53 في المئة من البريطانيين
يؤيدون استفتاءً جديداً

وعلاوة على ذلك، فقد بدأت تساؤلات تُثار بشأن هذه الاستراتيجية، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع حزيران/يونيو الحالي، وخسرت بنتيجتها رئيسة الوزراء تيريزا ماي الغالبية التي كان يحظى بها حزب المحافظين.
وفاز حزب المحافظين بـ 317 مقعداً في مجلس العموم من أصل 650 مقعدا، وهو بحاجة الى دعم الحزب الوحدوي الديموقراطي الإيرلندي، الفائز بعشرة مقاعد، لتأمين غالبية ضيقة.
ومن المقرر ان تقدم الحكومة البريطانية برنامج عملها، بعد غد الاربعاء، خلال جلسة افتتاحية للبرلمان، ستليها جلسة اخرى في الايام اللاحقة للتصويت على الثقة.
ورأت الملكة اليزابيث الثانية ان حالة من “الكآبة” تخيم على بريطانيا التي شهدت كذلك ثلاثة اعتداءات ارهابية خلال ثلاثة اشهر وحريقا في برج سكني في لندن قد ترتفع حصيلة ضحاياه الى 58 قتيلا.
وساهم ضعف الحكومة البريطانية في تأجيج الانتقادات لمقاربتها آلية الخروج من الاتحاد الاوروبي، الا ان آمال الناشطين المؤيدين للاتحاد الأوروبي باعادة النظر في سياسة “بريكست” لم تحقق اي نتيجة حتى الساعة.
وقاد وزير المالية البريطاني فيليب هاموند حملة للمطالبة باستراتيجية “بريكست” اكثر ليونة تعطي الاولوية للاقتصاد. وقال الوزير البريطاني، من لوكسمبورغ: “علينا حماية الوظائف والنمو الاقتصادي والازدهار”.
كذلك دعا اعضاء اخرون من فريق حكومة تيريزا ماي إلى مقاربة اكثر شمولية لاستراتيجية “بريكست” تسمح للاحزاب المعارضة باسماع صوتها، وتتيح الاخذ بآراء اسكتلندا وايرلندا الشمالية اللتين صوتتا لصالح البقاء في الاتحاد الاوروبي.
وليس هنالك اتفاق بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي بشأن تراتبية المواضيع، بشأن مفاوضات “بريكست”، مع اصرار لندن على مناقشة مستقبل العلاقات التجارية بالتوازي مع مناقشة الطلاق، الامر الذي ترفضه بروكسل.
ويُنظر إلى المفاوضات باعتبارها الاكثر تعقيدا في تاريخ بريطانيا، التي أمضت 44 عاماً في الاتحاد الأوروبي، وأثار تلويحها بالخروج من المنظومة الأوروبية من دون التوصل لاتفاق قلق العواصم الاوروبية.
واعلنت الحكومة السبت ان البرلمان سيعقد دورة خاصة على مدى سنتين تنطلق هذا الاسبوع لتمكينه من تعديل تشريعات الاتحاد الاوروبي.
وجاء في بيان الحكومة “سنبني اوسع اجماع ممكن حول خططنا لبريكست، ما يعني منح البرلمان اطول وقت ممكن لمراجعة هذه القوانين عبر فتح دورة برلمانية لسنتين”.
وفي موازاة ذلك، يتوجه وزير التجارة ليام فوكس، اليوم أيضاً، الى واشنطن في محاولة لاستكشاف امكانيات إقامة روابط تجارية جديدة، على الرغم من انه لا يمكن اطلاق اي مفاوضات رسمية قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.
المفوضية الأوروبية كشفت عن جدول أعمال اجتماع اليوم، وأوضحت أنه سيتم بحث تنظيم آلية التفاوض، على أن تتركز المحادثات بصورة خاصة على ثلاثة ملفات ذات أولوية وهي: مصير الأوروبيين المقيمين في المملكة المتحدة والبريطانيين المقيمين في الاتحاد الأوروبي بعد “بريكست”، ومستقبل الحدود الإيرلندية، وأخيرا “التسوية المالية” لتعهدات بريطانيا تجاه الاتحاد الأوروبي.
ويصر الاتحاد الأوروبي على أن تشمل المباحثات أولا هذه المواضيع الثلاثة من أجل التحضير لـ”انسحاب منظم” في حين كانت بريطانيا تطالب ببحث “علاقاتها المستقبلية” مع الاتحاد الأوروبي بشكل مواز منذ بدء المفاوضات.
ويبدو أن لندن قبلت بالجدول الأوروبي حيث قال دبلوماسي أوروبي لوكالة “فرانس برس” إن “قدومهم وموافقتهم على البحث في المواضيع التي حددناها يثبت أن (الصدامات) تحت السيطرة”.
ويأمل ميشال بارنييه في إنجاز هذه المرحلة الأولى “بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر”.
وفي حال رأت الدول الـ27 عندها أنه تم إحراز “تقدم كاف”، فستقبل ببدء محادثات موازية حول مستقبل العلاقات مع بريطانيا بعد “بريكست”.
ومن بين الأوليات الأوروبية الثلاث، تبدو “التسوية المالية” الأكثر إشكالية، فبعد تقييم أولي غير رسمي للمبالغ المترتبة على بريطانيا قدره 60 مليار يورو، بات الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي يتحدثون في ما بينهم عن فاتورة تصل إلى مئة مليار يورو.

ثلاث أولويات أوروبية
في عملية التفاوض
لخروج بريطانيا من الاتحاد

وتشمل هذه الفاتورة “المبالغ غير المسددة بعد” التي يطالبون لندن بدفعها لتسوية الحسابات بين الطرفين، وهي الالتزامات التي تعهدت بها لندن في سياق الميزانيات السنوية التي أقرها الاتحاد الأوروبي غير انها لم تسددها بعد.
كما يطالب الاتحاد الأوروبي بريطانيا بالوفاء بالتزاماتها أيضا في سياق البرمجة المالية لعدة سنوات والممتدة حتى 2020، بما يشمل “الصناديق الهيكلية” للمناطق والبلدان الأكثر فقرا في الاتحاد الأوروبي.
ويبقى مصير أكثر من ثلاثة ملايين مواطن أوروبي مقيمين في بريطانيا وأكثر من مليون بريطاني مقيمين في الاتحاد الأوروبي من النقاط الأكثر غموضا في آلية “بريكست”.
وتطالب الدول الأوروبية بالحفاظ على حقوق المواطنين المكتسبة أو الجاري اكتسابها، مثلما تنص عليها التشريعات الأوروبية الحالية، وأبرزها حق الإقامة الدائمة للأشخاص الذين أقاموا بصفة شرعية لخمس سنوات في واحدة من دول الاتحاد الأوربي، وتلك المرتبطة بحرية التنقل.
كذلك، يريد الاتحاد الأوروبي ضمان عدم قيام حدود “فعلية” مجددا بين جمهورية إيرلندا التي ستبقى ضمن الاتحاد الأوروبي، وإيرلندا الشمالية. ويقضي الحل بمنح إيرلندا الشمالية “وضعا خاصا” مع الاتحاد الأوروبي بعد “بريكست”. ولكن الحزب الوحدوي الديموقراطي الايرلندي الذي تجري رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي محادثات معه سعيا لتشكيل غالبية برلمانية، يعارض ذلك.
وفي ما يتعلق بالتبادل الحر، قال ميشال بارنييه إنه يريد التوصل إلى اتفاق “قرابة تشرين الأول/أكتوبر 2018” بشأن الانسحاب، وعلى ملامح “العلاقات المستقبلية” مع بريطانيا، مع احتمال تحديد تدابير انتقالية حتى لا يكون الانفصال في آذار/مارس 2019 شديد الوطأة.
ويترك ذلك مهلة ستة أشهر لإبرام الاتفاق في البرلمان الأوروبي والبرلمان البريطاني.
وتشمل العلاقات المستقبلية الأوروبية البريطانية مجالات متعددة. ولكن الورشة الأكبر ستكون التفاوض على اتفاق تبادل حر، وهو ما قد يستغرق عقدا كاملا برأي البعض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق