*

بوتين – الأسد: تحالف الانتصار… والتسوية؟

اقرأ في هذا المقال

  • فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كافة اللاعبين المؤثرين في الأزمة السورية بخطوة رمزية بالغة الدلالات تمثلت في تنظيمه زيارة للرئيس بشار الأسد إلى سوتشي، وذلك عشية قمة روسية-ايرانية-تركية بشأن سوريا، ستعقد في المدينة الساحلية اليوم، في تحرّك دبلوماسي جديد يتوقع أن يترك أثراً بالغاً على مستقبل النزاع السوري.

حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم أمس، الإطار العام، الذي سيجري التحرّك على أساسه، في مرحلة ما بعد هزيمة الإرهابيين في سوريا، فارضاً أيقاع خاص على التحركات الدبلوماسية بين جنيف وأستانة، والمرافقة للمتغيرات الميدانية، وذلك من خلال ترتيبه زيارة مفاجئة، وذات دلالات بالغة الرمزية، للرئيس السوري بشار الأسد إلى سوتشي، قبل يومين من قمة ثلاثية روسية – إيرانية – تركية، في المدينة الساحلية نفسها، من شأنها أن تحدّد ملامح الحل السياسي، بعد ما يزيد بقليل عن الأسبوعين، على الإعلان الأميركي – الروسي المشترك بشأن سوريا، على هامش قمة “ابيك”، والذي يجمع المراقبون على طابعه الاستثنائي.
وبدت الرسالة الروسية واضحة من وراء زيارة الأسد لسوتشي – والتي تخللها لقاء دام نحو ثلاث ساعات مع بوتين، واعقبه لقاء مشترك مع كبار الجنرالات الروس – ويمكن تلخيصها بشقّين: الأول، تأكيد “شرعية” الرئيس السوري في مفاوضات التسوية السياسية من جهة، وتكريسه شريكاً عسكرياً في الانتصار التاريخي على التنظيمات الإرهابية من جهة ثانية.
ويأتي ذلك، تتواصل التحضيرات في روسيا لاستضافة مؤتمر الحوار الوطني السوري في منتجع سوتشي. وبرغم أن المواعيد النهائية لهذا المؤتمر ليست محدّدة بدقّة بعد، إلا أن الخدمة الصحافية للكرملين تؤكد أن العمل جارٍ على قدم وساق.
ومن المؤكد أن القمة الثلاثية التي سيعقدها فلاديمير بوتين، مع نظيريه الإيراني حسن روحاني والتركي رجب طيب أردوغان، في سوتشي أيضاً، ستحدد الكثير من التفاصيل المرتبطة بالتسوية السياسية في سوريا، بعد القضاء على تنظيم “داعش”، وقد استبقها الرئيس الروسي بإجراء سلسلة اتصالات دولية، للغاية ذاتها، مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

زيارة مفاجئة

وكان الحدث الأبرز، عشية قمة سوتشي، تمثل في الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس بشار الأسد إلى سوتشي، حيث أجرى محادثات مع بوتين تناولت المبادئ الأساسية لتنظيم العملية السياسية لتسوية الأزمة السورية.
وقال الكرملين، في بيان نشره على موقعه الرسمي الإلكتروني، إن بوتين، هنأ الأسد، بالنتائج الهائلة التي حققتها سوريا في الحرب ضد الإرهاب، مضيفاً أن الشعب السوري يقترب تدريجياً من إلحاق الهزيمة الإرهابيين، واصفاً ذلك بـ”النتيجة الحتمية”.
وأكد بوتين أنه بات من المهم الآن التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا، مشيراً إلى أن الأسد مستعد للعمل مع كل من يريد السلام، والاستقرار في سوريا.
وقال بوتين: “أنتم تعرفون أنه من المقرر أن التقي في سوتشي، بنظيريّ، الرئيس التركي والرئيس الإيراني، كما أننا نجري مشاورات إضافية، خلال اجتماعنا. والمسألة الأهم، تبقى مرحلة ما بعد هزيمة الإرهابيين، وهي مسألة التسوية السياسية، أو التسوية طويلة الأمد للوضع في سوريا”.
وأضاف بوتين “بالإضافة إلى الشركاء الذين ذكرتهم (تركيا وإيران)، أنتم تعرفون، أننا نعمل كذلك من دول أخرى، كالعراق، والولايات المتحدة، ومصر، والسعودية، والأردن، ونحن على تواصل مستمر مع شركائنا”.
وفي مستهل اللقاء الذي جرى في مدينة سوتشي على البحر الأسود، توجه الرئيس بوتين لنظيره السوري قائلا: أريد أن أعرفكم بالأشخاص الذين لعبوا دورا حاسما في إنقاذ سوريا.
وأضاف بوتين متحدثا لوزير الدفاع سيرغي شويغو، وكبار الجنرالات الذين حضروا اللقاء: “بطبيعة الحال، السيد الأسد يعرف العديد منكم شخصيا. لقد قال لي اليوم خلال محادثاتنا إنه بفضل الجيش الروسي، أنقذت سوريا كدولة. وقد تم القيام بالكثير لتحقيق الاستقرار فيها . آمل أن نضع في المستقبل القريب نقطة النهاية في مكافحة الإرهاب في سوريا، على الرغم من أنه من الواضح أن بعض الجيوب ما زالت قائمة، وأخرى قد تنشأ”.
وتابع الرئيس الروسي “لذلك لا يزال هناك ما يكفي من المشاكل مع الإرهاب في العالم، وفي الشرق الأوسط، وفي سوريا على وجه الخصوص. ولكن المهمة الرئيسية على وشك الانتهاء بالفعل، وسيكون من الممكن القول في المستقبل القريب جدا أننا قد نفذنا المهمة بالفعل”.
وأوضح بوتين لوزير الدفاع وكبار العسكريين مضمون المحادثات التي أجراها مع الأسد قائلا : “لقد أجرينا اليوم محادثات مفصلة جدا مع رئيس الجمهورية السورية بشأن جميع الجوانب المتعلقة بتطبيع الأوضاع، بما في ذلك الخطوات التالية على المسار السياسي… ولكنني أود أن أقول أنه لولا جهود القوات المسلحة، وجهودكم، وجهود مرؤوسيكم، وكذلك بطولاتكم، لم يكن هناك شيء ليحدث، ولم يكن متاحاً الوصول إلى فرص للنهوض بالعملية السياسية. وقد بذلت هذه الجهود بفضل القوات المسلحة للاتحاد الروسي مع أصدقائنا السوريين في ساحة المعركة. شكرا جزيلا لكم”.
وتابع الرئيس الروسي، متوجهاً إلى الرئيس الأسد، بالقول “أود أن أناقش معكم المبادئ الأساسية لتنظيم العملية السياسية، ومؤتمر الحوار السوري، الذي تساندوه. أود أن استمع إلى تقييمكم للحالة الراهنة، وآفاق تطور الوضع، بما في ذلك رؤيتكم للتسوية السياسية، التي حسب ما تبدو لنا، ودون شك، في نهاية الأمر ينبغي أن تتم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. نحن نعوّل على مشاركة نشطة لمنظمة الأمم المتحدة في المسار نفسه وكذلك في المرحلة النهائية”.
من جهته، قال الأسد إن العملية العسكرية الروسية الداعمة للجيش السوري في مواجهة الإرهاب، التي بدأت قبل عامين وبضعة أسابيع، حققت نتائج كبيرة عسكرية، وسياسية، وإنسانية، مشيراً إلى أن تراجع الإرهابيين في كثير من المناطق أدى إلى عودة الكثير من المواطنين السوريين إلى مدنهم وقراهم وباتوا يعيشون حياتهم الطبيعية.
وأكد الأسد اهتمام دمشق بتقدّم العملية السياسية، بعدما تحقق الانتصار على الإرهاب، مشيراً إلى أن الحكومة السورية تعوّل على دعم روسيا لضمان عدم تدخل اللاعبين الخارجيين في العملية السياسية، وأن يدعموا فقط المسار السياسي، الذي سيقوده السوريون أنفسهم.
كما عبر الرئيس السوري عن امتنان الشعب السوري لروسيا، التي لعبت دورا هاما في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها.
وتوجه الرئيس السوري إلى القادة العسكريين الروس قائلا : “تحدثت للتو مع السيد الرئيس فلاديمير بوتين. لقد نقلت إليه تحيات الشعب السوري إلى الشعب الروسي كله، وشكره للجهود التي بذلتها روسيا لإنقاذ بلدنا”.
وأضاف “أود أن أشير بوجه خاص إلى الدور الذي قامت به القوات المسلحة للاتحاد الروسي والتضحيات التي قدمتها لتحقيق هذا الهدف. أنا سعيد جدا بالتعرف على كل واحد منكم هنا اليوم معنا، وعلى أولئك الذين شاركوا مباشرة وأمروا وأداروا عمليات القوات المسلحة الروسية في سوريا”.
وتابع الأسد “قبل عامين، عندما التقيت بالرئيس بوتين في موسكو، كان القتال قد بدأ للتو. خلال هذين العامين، كانت النجاحات التي تحققت بفضل مساعدة القوات الجوية والفضائية التابعة للاتحاد الروسي والجيش السوري واضحة. والآن لا يمكن لأحد أن ينكر هذه النجاحات في مكافحة الإرهاب. وبفضل أفعالكم وتضحياتكم، فضلا عن أعمال الجيش السوري وحلفائنا، تمكن العديد من السوريين من العودة إلى ديارهم”.
وختم الأسد حديثه لكبار الجنرالات الروس قائلا: “الآن، بالنيابة عن الشعب السوري بأسره، أعرب لكم اليوم عن امتناني لما فعلتموه. لن ننسى هذا. وأود أيضا أن أشكر شخصيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الدفاع السيد شويغو، ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية السيد غيراسيموف على المشاركة المباشرة في هذه العملية”.

اتصالات دولية

إلى ذلك، بحث الرئيس الروسي هاتفياً التطورات الأخيرة للأزمة السورية مع كل من نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وجاء الاتصالان بعدما تحدث بوتين، في وقت سابق،مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والملك السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وذلك في إطار تحرك، أعقب لقاء بوتين والأسد في مدينة سوتشي.
يوقال الكرملين، في بيان أصدره بعد المحادثة بين بوتين والسيسي، إن الرئيس الروسي “أطلع الرئيس المصري على تفاصيل تقييمات روسيا للتطورات الأخيرة في سوريا على خلفية العملية العسكرية المنتهية الخاصة بالقضاء على الإرهابيين فيها”. وأضاف البيان أن الاتصال شمل بحثا “لنتائج مباحثات (بوتين) مع الرئيس السوري بشار الأسد، فضلاً عن المسائل المتعلقة بعقد قمة سوتشي” اليوم. وأضاف البيان أنه تم خلال المكالمة “تأكيد أهمية مؤتمر الحوار الوطني، الذي سيجري عقده بمبادرة روسية وسيجمع ممثلين عن الشرائح الواسعة للشعب السوري”.
وأشار السيسي، بحسب بيان الكرملين، إلى “تقييمه العالي لدور القوات الجوية الفضائية الروسية في دحر تشكيلات الإرهابيين الدوليين على أراضي سوريا”، معرباً عن “دعمه للجهود الروسية السياسية الدبلوماسية والإنسانية الرامية إلى تطبيق الاتفاقات، التي تم التوصل إليها في إطار عملية أستانا”.
وفي اتصال هاتفي أجراه لاحقاً مع نتنياهو، أطلع الرئيس الروسي رئيس الوزراء الإسرائيلي على نتائج مباحثاته الأسد، وأهداف الاجتماع الثلاثي للدول الضامنة لعملية أستانا حول التسوية السورية.
وأكد بوتين أهمية العمل على تنظيم مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي من شأنه إعطاء زخم إضافي للحوار الداخلي السوري، إلى جانب عملية أستانا، في إطار مفاوضات السلام السورية في جنيف.
كما بحث الطرفان المسائل العملية المرتبطة بالوضع في المنطقة الجنوبية لتخفيف التوتر في سوريا.
وأبدى بوتين ونتنياهو، خلال الاتصال، الذي جرى بطلب من الجانب الإسرائيلي، اهتماماً بمواصلة تعزيز التعاون المتبادل المنفعة على مختلف الأصعدة، بما في ذلك، الاتصالات عبر قنوات الاستخبارات.
كذلك، بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الملك السعودي، عبر الهاتف، آفاق تسوية الأزمة السورية في ظل الانتصارات المحققة على الإرهاب في سوريا.
وأفاد المكتب الإعلامي للرئيس الروسي، في بيان، بأنه “تمت مواصلة تبادل الآراء حول الوضع في منطقة الشرق الأوسط، وتم النظر في المسائل المتعلقة بالتسوية الطويلة الأمد للصراع في ظل الإنجازات المحققة في مجال محاربة التنظيمات الإرهابية في سوريا”.
وأعرب الرئيس بوتين عن قناعته بأن مؤتمر الحوار الوطني الذي سيُنظم في القريب العاجل بمدينة سوتشي، سيعطي زخما للاتصالات السورية السورية وعملية تسوية السورية عموماً، إضافة إلى أنه سيشجع عملية التفاوض التي تجري في جنيف تحت رعاية أممية.
كما تم الإعراب عن الأمل بأن يسهم اجتماع المعارضة السورية في الرياض المزمع انعقاده اليوم، في تسوية الأزمة في سوريا.
وأضاف البيان أن الرئيس بوتين أطلع الملك السعودي على اجتماعه مع الرئيس بشار الأسد، والمسائل الرئيسة التي ستعرض للطرح ضمن جدول أعمال اجتماع الدول الضامنة لعملية أستانا (روسيا وتركيا وإيران) اليوم.
ومن الجانب السعودي، ذكرت وكالة “واس” الرسمية أنه جرى، خلال الاتصال، “استعراض العلاقات المتميزة بين البلدين وفرص تطويرها، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة تجاهها، إلى جانب التعاون المشترك لمكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب لتحقيق الأمن والاستقرار” في الشرق الأوسط.
وبعد الاتصال برامب، أشار بيان صادر عن الكرملين إلى أن المحادثات، التي جرت “وفقا لاتفاق مسبق”، شملت بحثاً مفصلاً للقضايا السورية الملحة، أخذاً في الحسبان العملية العسكرية الخاصة بالقضاء على الإرهابيين في سوريا”.
وشدد بوتين، بحسب البيان، “على الاستعداد للإسهام بنشاط في تسوية سياسية طويلة الأمد في سوريا، بناء على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة برقم 2254، بالتوافق مع الاتفاقات، التي تم التوصل إليها في إطار العمل عبر منصة أستانا، وكذلك مبادئ البيان المشترك، الذي صادق عليه رئيسا روسيا والولايات المتحدة يوم 11 تشرين الثاني/نوفمبر،خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في فيتنام”. وأشار الجانبان إلى أن “هذا البيان أثار ردود أفعال إيجابية في منطقة الشرق الأوسط”. وركز بوتين وترامب، حسب الكرملين، على “فكرة ضرورة الحفاظ على سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها، والتوصل إلى تسوية سياسية على أساس المبادئ، التي يجب وضعها في إطار عملية تفاوضية سورية داخلية جارية بأوسع صورة ممكنة”. وشدد الكرملين على أن “هذا الأمر هو الذي تهدف إليه المبادرة الروسية الخاصة بعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في مدينة سوتشي قريبا”.
وأضاف البيان أن “بوتين أطلع ترامب على النتائج الأساسية للقائه ببشار الأسد، والذي أكد خلاله الرئيس السوري تمسكه بالعملية السياسية، وإجراء إصلاح دستوري وانتخابات رئاسية وبرلمانية”.
كما تناولت المكالمة الهاتفية بين بوتين وترامب “المحادثات الثلاثية المقرر عقدها في سوتشي بمشاركة كل من رؤساء روسيا وإيران وتركيا، والتي من المخطط أن يتم خلالها تنسيق الخطوات الرامية إلى التطبيع اللاحق للوضع في سوريا والجوانب المختلفة للتسوية السياسية في البلاد”.
وعلى صعيد أوسع، “أكد الرئيس الروسي دعمه ترتيب عمل مشترك مع الولايات المتحدة في مجال محاربة الإرهاب، مشيرا إلى وجود فرصة عملية لتنسيق الجهود بين استخبارات البلدين، وذلك في موقع أيده الرئيس الأميركي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق