آراء وترجمات

انها بيروت … هويتنا الانسانية المفقودة!

الرابعة فجراً، هو الموعد الأكثر وحشة للرحيل عن بيروت بعد الإختناق منها حتى الرغبة الجامحة في هجرها الى الأبد…

الرابعة فجراً، لا تزال حقائب السفر تصارع ضيق استيعابها لما يستحق أن يعبر الحدود، بعد التردد… الأولوية لاسطوانات فيروز وبعضاً من مؤلفات ميخائيل نعيمة ومي زيادة.

الرابعة فجراً، وسماء بيروت منتفضة كما عادتها، والمطر يغرق أحياءها والبرق والرعد يلوحان بثورة جديدة.

لا شيء سوى الصمت في ذاك الصباح، حتى أشعة الشمس التي ظهرت للحظة من بين غيوم بيروت السوداء، لمحتها بسرعة ودخلت أروقة المطار مبتعدة عن كل ذكريات هذه المدينة.

عرفت بيروت في سنوات وعي الأولى، من عيون أمي الضائعة، الباحثة عن الطريق المؤدية الى بيت جدي بين الأبنية المدمرة والشوارع المهجورة.

عرفت بيروت وأنا في سن الرابعة عشر من عمري، أزورها لأودع كتاباتي عن بعلبك لدى احدى الصحف، فأتوه لساعات بين أزقة الأشرفية الضيقة، هذه الأزقة التي أصبحت في ما بعد مركز عملي.

عرفت بيروت وأنا طالبة في كلية الحقوق حيث شارع جستنيان والمبنى العتيق المقابل لحديقة الصنائع، أبحث في جامعتها اللبنانية عن حقوق الطلاب في مكتبة قانونية حديثة ومؤتمرات علمية لإعداد جيل ما بعد الحرب لبناء “الدولة”.

عرفت بيروت حلماً، فجئتها لأبني معها ما نسجته من أحلام على ضوء القمر وسهريات الأغنيات الثورية تحت سماء سهل البقاع.

عرفت بيروت أغنية تنشدها فيروز وشعراً يكتبه كلّ من وقع في عشق المدينة المحتم.

عرفت بيروت زهرة أتنفس عطرها الربيعي رغماً عن أبنيتها الشاهقة، وباتت أبنيتها التراثية العتيقة وبعض أغصان الياسمين المتدلية على جدرانها قريتي الجديدة.

عرفت بيروت أسطورة، فرحت أبحث فيها عن نفسي وبنيت فيها هوية تجمع تاريخ مدينة عتيقة على ساحل المتوسط. هوية تفتح شراعيها لشغف الحضارات التي مرّت على أحيائها، فأشهرت ايماني بها مدينة للانسانية، ورحت أبشر عن ايماني الجديد، وأشرح عن اسسه المحفورة آياته على جدران بيروت، كل بيروت.

عشقت بيروت، حتى أدركت أن شغفي بها أخذني الى حالة من التصوّف الذي رحلت روحانيته عن هذا العالم.

عشقت بيروت، حتى أدركت أن هويتي التي صنعتها من تاريخها لم تعد تشبهها، وصلبتني رغبتها في وضعي بإطار طائفي ضيق.

عشقت بيروت، حتى تعبت منها، ومن الفساد الذي بات يلون كل زواياها الجميلة.

عشقت بيروت، حتى هجرتها وابتعدت عنها، فباتت تزورني كل صباح وكل مساء، وصرت أتحدث عنها بشغف كما لو أنّ الأساطير صنعت لأجلها.

وصرت أبحث عنها في تاريخ المدن الأخرى.

وأسمع صوتها من القوارب العابرة للمتوسط نحو العالم.

وفي إحدى الصباحات على الشواطئ الجنوبية لفرنسا، سمعت إحدى النساء تردد باللغة الفرنسية: ” انها بيروت ”C’est Beyrouth”. تركت فنجان القهوة جانباً، وهرعت لأبحث عن اسطورتي الجميلة، فأدركت أن الإمرأة مستاءة من حفرة وسط الطريق، أطلقت عليها اسم بيروت…

إنها بيروت: هو التعبير الذي يطلقه الفرنسيين لوصف حالة الفوضى وقلة النظام.

إنها بيروت: هويتنا الانسانية المفقودة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق