سياسة واقتصاد

بين “الربيع العربي” و”خريف الإخوان”… كيف قرأ إريك تريغر أحداث مصر؟

في كتابه “الخريف العربي… كيف فاز الإخوان المسلمون بمصر وخسروها في 891 يوما؟”، يخلص إريك تريغر إلى أن “الإخوان المسلمين” كان لهم تواجد قوي منذ بداية التظاهرات في العام 2011، فقد كانوا في الحقيقة، الحركة الوحيدة المنظمة والمنضبطة التي تستطيع تحدي النظام القديم في صناديق الاقتراع في مصر.

ويرى تريغر أن تحرك الجيش ضد مرسي لم يكن نتيجة حتمية لتصميمه على حرمان “الإخوان” من مكانهم في هيكل السلطة في مصر، ولكن في الحقيقة، فإنّ فقدان الإخوان للرؤية والكفاءة، هي التي قادت إلى خروج المواطنين إلى الشارع مطالبين بالإصلاح.

يعتمد تريغر في كتابه على عشرات اللقاءات مع قياديين وأعضاء في جماعة “الإخوان المسلمين” قبل الثورة وبعدها.

الكتاب مليء بالتفاصيل التي تشرح كيف أن “الإخوان” فشلوا بشكل كارثي في حكم مصر، وكيف أن الولايات المتحدة فشلت أيضاً بشكل كامل في فهمهم.

تعتبر جماعة “الإخوان المسلمين” أقدم وأكبر حركة إسلامية، فقد تأسست في العام 1928، على يد حسن البنا، الذي كان مدرساً من محافظة الإسماعيلية. خلال هذا الوقت، كانت مصر  إسمياً تحت حكم الملَكيّة المحلية، لكنها تدار من خلال الاستعمار البريطاني، وكانت الإسماعيلية تجسد بالفعل هذه المعادلة، فالمدينة بنيت على قناة السويس بقرار من الخديوي اسماعيل باشا، وقد تدفق الكثير من الأجانب عليها للاستفادة من المجرى المائي الجديد. وفي الإسماعيلية، كان الساسة وخبراء الاقتصاد والعلوم يحظون بالأفضلية على العالم الإسلامي، وهو ما لا يمكن تجاهله حينها، ومن هذه الأرضية انطلقت دعوة البنا بـ “الإسلام هو الحل”.

اعتمد برنامج حسن البنا على الصعود من الأسفل إلى أعلى، ولكي تصبح “إخوانياً”، فأمامك عملية شاقة تتراوح ما بين خمس إلى ثماني سنوات، تتدرج فيها خلال الرتب الطبقية العليا، وحينما تصل إلى المنزلة المرجوة، يتم تلقيبك باسم “أخ” أو “أخ نشط”، بعدما تتعهد بأن تكون جندياً مخلصاً، وتقسم بعدم منازعة القادة، وأن تبذل الجهد والمال والدم في طريق الله.

مع انطلاق التظاهرات ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك، خرج مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية حينها جيمس كلابر، ليؤكد للجنة في الكونغرس بأن مصطلح “الإخوان المسلمين” يمثّل مظلة لتنوع الجماعات. وفيما يخص الوضع في مصر، فهي مجموعة غير متجانسة إلى حد كبير، وأن البيت الأبيض غير مدرك لنوع الحركة التي يريد أن يضعها مكان مبارك.

وفي الأول من شباط/فبراير، خرج الرئيس الأميركي باراك أوباما ليعلن أن تغيّراً في حكومة القاهرة ينبغي أن يبدأ الآن، وحينما أُقيل مبارك بعدها بعشرة أيام، تناول مستشارو أوباما الفودكا والبيرة معا للاحتفال.

وخلال الأشهر التالية للثورة، تعهد “الإخوان” بعدم السعي للرئاسة، أو حتى لغالبية برلمانية، لاسيما أن هذه الامور كانت تقلق المصريين من احتمال أسلمة للمجتمع، لكن التعهدين جرى التراجع عنهما سريعا، حتى تم اختيار محمد مرسي مرشحاً للانتخابات الرئاسية.

وإذا كانت الإدارة الأميركية، تعرف القليل من المعلومات عن “الإخوان المسلمين”، فهي كانت تعرف أقل عن محمد مرسي.

يوضح تريغر أنه التقى بمحمد مرسي في القاهرة قبل عامين من الانتخابات الرئاسية، وعرفه كمنفذ لمعارضة داخلية في “الإخوان”، كما أنه شديد الإيمان بسيد قطب، المنظّر “الإخواني”، الذي تم اعدامه أبان عبد الرئيس جمال عبد الناصر، وشكلت كتبه مصدر إلهام لأيمن الظواهري وأنور العولقي.

يوضح تريغر أن مرسي قال له إن “برنامجنا طويل الامد وليس قصير الأمد، فهدفنا ليس أن نصبح حاكمين، فبلدنا ينبغي أن يُحكم بالإسلام”.

وبحلول انتخابات صيف العام 2012، كان واضحاً جداً أن “الإخوان” قد أطاحت بباقي قوى المعارضة الأخرى، من غير الإسلاميين، والذين كانوا منظمين بالكاد ويحظون بقسط ضئيل من الدعم الشعبي.

وبانتخابه في حزيران/يونيو العام 2012، بدأ مرسي يحكم البلاد بسخافة أدهشت حتى تريغر نفسه، حتى أنه كتب: “الأخوان ليست لديهم نظرة سياسية حقيقية سوى ملء الحكومة المصرية بأعضاء من الاخوان أو مسؤولين يشاركونهم العقلية”. فعلى سبيل المثال، حينما حاول مرسي النهوض بالاقتصاد المتعثر، عرض “مشروع النهضة”، الذي وعد بخفض التضخم إلى النصف، وحماية كرامة الفقراء، ومضاعفة عدد الأسر التي تحصل على دعم اجتماعي، ولكن كيف ستتحقق هذه الوعود؟ لم يتم شرح ذلك أبداً!

وبإهمال الاقتصاد، بدأ مرسي في استهداف الصحافة، بتوجيه التهم أربعة مرات للعديد من الصحافيين بأنهم أهانو الرئيس، وذلك في أول سبعة شهور فقط من حكمه، وهو ما يعادل ما قام به مبارك خلال حكمه لثلاثين عاماً. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر العام 2012، قام مرسي بانتزاع سلطات، لم يجرأ مبارك على فعلها طيلة حكمه، وهو وضع مراسيمه فوق المراجعة القضائية، وأعقبها بأسبوع، إصدار دستور وضع مسودته “الإخوان” و”السلفيون”

ومع تصاعد المعارضة خلال الأشهر التالية، لجأ مرسي إلى نظريات المؤامرة، مصرّحاً بأن المعارضة مدعومة إما من أجندات أجنبية، أو من فلول نظام مبارك، أو من رجال أعمال مستفيدين.

ظل مرسي يعيش حالة إنكار، فحتى عندما تحولت المعارضة ضده إلى تظاهرات حاشدة، وصفها الرئيس “الإخواني” في أحاديث مع مسؤولين أميركيين بأنها غير مهمة. وحين زوّد الإخوان في يونيو 2013 مئات من كوادرهم بالخوذات والدروع والعصي “لحماية الثورة” أكدوا بغباء المخاوف من اشتباكات في الشوارع بين مؤيدي مرسي ومعارضيه، وبالتالي عززوا التفويض للجيش بالتدخل. وحين قدم مرسي تنازلات جزئية، عشية خلعه، في الثاني من تموز العام 2013، كان الوقت قد فات.

ومع تدخل الجيش، يبدو أن “الإخوان” اعتقدوا أن الاحتجاجات الطويلة ستجعل النظام يجثو على ركبتيه، بما يمهد الطريق لعودة مرسي. وفي هذا السياق، كتب تريغر: “لقد أخطأ الإخوان في الحسابات بدرجة سيئة مرة أخرى”.

سريعاً تضاءلت قوة “الإخوان المسلمين”، لكن ذلك لا يعني أن تلك الجماعة قد انتهت تماماً، فحركة عمرها 88 عاماً لا تختفي بين ليلة وضحاها، لكن اكتسابها مجدداً لأهمية سياسية قد يستغرق سنوات وربما عقود!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق