العرب والعالم

اعتقالات محمد بن سلمان أكبر من مجرّد صراع على السلطة

في خضم التطورات التي تشهدها السعودية منذ أيام، والتي بدأت ترخي بظلالها على المشهد الاقليمي، تناول الباحث جين كينينمونت من معهد “تشاتهام هاوس” للدراسات، القرارات الدراماتيكية التي اتخذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من زاوية تتعلق بمشروعه الاقتصادي – السياسي الذي يسعى من خلاله إلى تغيير طبيعة الحكم في المملكة النفطية، واضعاً إياها في مكانة تتجاوز مجرّد الصراع على السلطة.

تعكس اعتقالات مسؤولين رفيعي المستوى صورة ولي العهد السعودي الناشئة كرمز الشعبوية الاستبدادية لعصر ما بعد النفط. كما يعكس التطهير الجديد تحت ستار مكافحة الفساد في المملكة خاصية العمل المفاجيء المذهلة لـ«محمد بن سلمان» والتي تهدف إلى إحداث تغيير جذري.

وجاءت الاعتقالات السريعة للوزراء السابقين وأغنى رجل أعمال في البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية؛ ففي اليوم ذاته، استقال رئيس الوزراء اللبناني أثناء زيارته للرياض، وتمكن الحوثيون في اليمن من إطلاق صاروخ باليستي على الأراضي السعودية.

ويواجه محمد بن سلمان، مخاطر سياسية من اتجاهات متعددة، ولكن من المحتمل أن تقلل الاعتقالات من خطر أي شخص في الأسرة يمكن أن يشكل تحدياً له في المستقبل المنظور.

وتشكل عمليات الاعتقال جزءاً من إعادة تصميم محمد بن سلمان للطريقة التي تحكم بها المملكة العربية السعودية. وتصور وسائل الإعلام السعودية هذه المعركة على أنها معركة ضرورية ضد الفساد، في حين أن معظم وسائل الإعلام الغربية تعتبرها تطهيراً سياسياً.

وبشكل عام، هناك إحباط عام واسع النطاق حول الفساد والمحسوبية في المملكة العربية السعودية. ومن خلال إظهار أن الأثرياء يمكن القضاء عليهم عبر مكافحة الفساد، فإن ولي العهد يعالج قضية مهمة للرأي العام، والتي من المحتمل أن تمنحه شيئا من الشعبية.

وفي الوقت ذاته، عززت الاعتقالات سيطرة محمد بن سلمان على الجيش السعودي، وأثارت تساؤلات حول مستقبل المنظمات الإعلامية القوية.

وبشكل عام، غالباً ما تكون جهود مكافحة الفساد انتقائية سياسياً في البلدان التي تكون فيها المؤسسات وسيادة القانون ضعيفة وخاضعة لأفراد أقوياء.

ومنذ أن اعتلى والده العرش في مطلع العام 2015، أطلق محمد بن سلمان» العديد من المشاريع المتزامنة، مثل إصلاح الاقتصاد، وتحرير الحياة الاجتماعية، واعتماد سياسة خارجية جديدة للمواجهة، وأحدث تغييراً في الرؤية الإسلامية للبلاد، في الوقت الذي أعاد فيه هيكلة الحكام التقليديين ودور رجال الدين من أجل تكريس مركزية السلطة في يده.

ولم يبدي محمد بن سلمان خوفاً من أنصار التقليدية حيث كان يراهن على دائرة الشباب الجديدة التي تريد أن ترى التغيير.

ويبدو أن الاعتقالات الدرامية التي نفذت في نهاية الأسبوع تخدم مشاريعه الثلاثة.

وفي ما يتعلق بالاقتصاد، تقوم وزارة التجارة والصناعة بتخفيض الإنفاق الحكومي ودعوة الاستثمار الأجنبي.

ويمكن النظر إلى التصدي للفساد باعتباره وسيلة لخفض التكاليف، فضلاً عن توجيه إشارات إلى المستثمرين الأجانب بأن هذا الأمر لن يشكل خطراً على أولئك الذين يمارسون أعمالهم في المملكة.

ولعلّ القاء القبض على أغنى رجل في المملكة، وهو الأمير الوليد بن طلال، فضلا عن الأمراء والوزراء الآخرين، يتم طرحه كدليل على لا أحد فوق القانون، وأن محاربة الفساد تصبح أكثر مصداقية إذا ما بدأت من القمة.

ولكن مكافحة الفساد تتطلب أيضاً تطوير المؤسسات وسيادة القانون بشكل منهجي.

وقبل الإعلان عن الاعتقالات مباشرة، تم تعيين ولي العهد رئيساً للجنة جديدة لمكافحة الفساد، بينما يتم ذلك في كثير من البلدان عبر هيئات قضائية، وليس بقرار القائد السياسي.

وهذا يؤدي إلى الموضوع الثاني: تركيز السلطة في يد محمد بن سلمان.

ولعل إزاحة متعب بن عبد الله، رئيس الحرس الوطني السعودي، وإقالة رئيس البحرية يزيد سيطرة محمد بن سلمان على جميع الأجهزة الأمنية، علماً بأنه سبق  ان بسط سيطرته على وزارة الداخلية عندما أطاح بمحمد بن نايف، وهو ولي العهد ووزير الداخلية، في وقت سابق من هذا العام.

وكان ينظر إلى متعب، ابن الملك السابق عبد الله، باعتباره ملكاً مستقبلياً محتملاً. أمّا الآن فقد بات سجيناً، إلى جانب شقيقه تركي، ورئيس الديوان السابق للملك عبد الله.

ومن بين رجال الأعمال الذين اعتقلوا عدد من المقربين من أبناء الأمير سلطان، ولي العهد السابق، بالإضافة الى رؤساء ثلاث مؤسسات إعلامية كبرى، ومن بينهم صالح كامل، رئيس مجلس إدارة دار نشر “عكاظ”، ورئيس شبكة قنوات “إم بي سي” وليد الإبراهيم، علاوة على الأمير الوليد بن طلال، الذي تشمل أعماله “روتانا ميديا”.

أما في ما يتعلق بمشروعه الثالث، فإن محمد بن سلمان يحتاج إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي لعصر ما بعد النفط، وإيجاد طرق جديدة لإضفاء الشرعية على قيادته من خلال النجاح التنموي والقومية، فضلا عن نهج سلطوي متزايد.

ويشكل موقفه الواضح من مكافحة الفساد جزءاً من محاولة لمغازلة جيل الشباب السعوديين بدلاً من التركيز على المؤيدين التقليديين ضمن رجال العائلة ورجال الدين ورجال الأعمال.

يبدو محمد بن سلمان واعياً لمسألة أنه في الوقت الذي يشعر السعوديون بالضغوط المالية، فإنهم يريدون أن يروا تراجعاً مماثلاً في إنفاقق العائلة المالكة، بالرغم من أن ولي العهد لم يطبق ذلك على نفسه حين قام بإنفاق 500 مليون دولار لشراء أحد اليخوت في العام الماضي.

ويبدو أن محمد بن سلمان يراهن على أن دائرة كبيرة من الشباب السعودي تريد أن ترى تغييراً جذرياً في الطريقة التي تحكم البلاد.

ويبدو أنه يريد تسخير هذه المشاعر دعماً للتغيير الذي ينطلق من أعلى إلى أسفل، وليس من أسفل إلى أعلى، سواء من خلال الاحتجاجات أو النشطاء أو المزيد من المتحدين الراديكاليين.

وجاءت اعتقالات كبار الشخصيات، بمن فيهم أبناء الملك السابق، بعد أسبوع من انتقاده تفسير الإسلام على مدى السنوات الثلاثين الماضية.

ومن المرجح الآن أن يعقب الاعتقالات عرض العديد من التفاصيل حول الفساد بين أمراء آل سعود.

كل هذا يعد قطيعة كبيرة مع الماضي، وهو محاولة للانتقال إلى نموذج جديد للحكم، مع الحفاظ على استمرارية مُلك آل سعود. وهو يمثل نهجاً شعبوياً استبدادياً له نكهة مناهضة للمؤسسية.

وعموماً، يُرجح أن يعزز التحرك ضد كبار الأمراء كل من قاعدة الدعم الشعبي لبن سلمان واتجاهاته الاستبدادية.

وستبقى الأسئلة حول المعارضة داخل الأسرة، ولكن من المحتمل أن يكون الأمراء حذرين جداً بشأن مواقفهم الخاصة للتعبئة ضد القيادة الحالية.

ولم تظهر الولايات المتحدة أي اهتمام أو أي مخاوف؛ وقد أشاد الرئيس دونالد ترامب بالملك السعودي سلمان، يوم  السبت الماضي، وأشاد بموقفه من التطرف، طالباً أن يتم إدراج شركة “أرامكو” فى بورصة نيويورك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق