مجلة الكترونية عربية مستقلة

تظاهرات إيران: انتفاضة فقراء.. صراع أجنحة.. أم مؤامرة خارجية؟

ثمة عناصر ثلاثة يمكن الركون إليها، في السعي لفك تشفير الاحتجاجات المتصاعدة في إيران ، وفهم حقيقة ما يجري في ذلك الحراك الشعبي والسياسي المتعدّد الأطراف والأهداف.

تلك العناصر الثلاثة هي: الاقتصاد، الدور الخارجي، وصراع الأجنحة.

ليس صعباً تتبع المسارات التي ينطلق منها العنصر الأول، فالسياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس حسن روحاني تبدو عاجزة، حتى الآن، عن تحقيق الوعود الانتخابية التي اطلقها الشيخ الاصلاحي في حملته الرئاسية الاخيرة، ولا سيما في  الشق الاقتصادي-الاجتماعي، والمرتبط بمعالجة المشاكل المعيشية المتفاقمة لملايين الإيرانيين.

ولكن هذا الإخفاق، لا يمكن، بطبيعة الحال، حصر أسبابه بالسياسات الداخلية، إذ ثمة عامل خارجي، يمكن أن يضاف إليها، ويتمثل في انخفاض سقف التوقعات من الانتعاش الاقتصادي الذي كانت الحكومة الإيرانية تراهن عليه، بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، والذي كان يفترض بموجبه أن يُرفع الحظر بشكل تدريجي عن الاقتصاد الإيراني.

هذا الأمر تعثّر بسبب سياسة التصعيد التي انتهجتها الولايات المتحدة، سواء في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، أو الرئيس الحالي دونالد ترامب، اللذين أصرّا على تصعيد الضغوط الاقتصادية على الجمهورية الاسلامية، من خلال فرض مزيد من العقوبات والحظر على تأشيرات السفر.

تلك الضغوط، ربما تعدّ الشكل الظاهر من العنصر الثاني، الذي يمكن من خلاله تفسير التطوّرات الحالية في إيران، وهو الدور الخارجي، لكن ما يخفى فيه، هو احتمالات، لا يمكن استبعادها، بوجود مؤامرة خارجية من قبل أعداء إيران، لإثارة حالة من الفوضى في وجه نظام الثورة الإسلامية، وبالتالي تقويضه من الداخل، بعد فشل كل محاولات اسقاطه من الخارج.

هذا العنصر الخفي يمكن رصده من خلال مجموعة مؤشرات، تبدأ من بعض الهتافات التي أطلقها المتظاهرون في الأيام الماضية – والتي استهدفت النظام الاسلامي بحد ذاته، أو السياسة الخارجية في سوريا ولبنان وفلسطين – وتمر بالتهديدات التي أطلقتها جهات خارجية تناصب العداء للنظام الإيراني – وأشهرها على الإطلاق تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أشهر بشأن نقل المعركة إلى الداخل الإيراني – لتصل إلى سلسلة التغريدات الداعمة للتظاهرات التي أطلقها دونالد ترامب خلال اليومين الماضيين.

أبعد من الاقتصاد

جاء خروج الإيرانيين الغاضبين إلى الشوارع على خلفية مطالب اقتصادية، ولكنها سرعان ما اتخذت بعداً آخر مرتبطاً بالسياسات العامة، ولا سيما الخارجية منها، والتي يرى فيها المتظاهرون سبباً من أسباب التدهور الاقتصادي.

المثير للانتباه في هذا الإطار، أن البؤرة الأولى للاحتجاجات الشعبية كانت مدينة مشهد، حيث مرقد الإمام الرضا – الإمام الثامن في الشيعة الاثني عشرية – قبل أن تمتد إلى مدن أخرى في البلاد.

ولعلّ رمزية هذا المكان تكمن في جوانب ثلاثة، حيث الدين والاقتصاد والأمن.

والواقع أن أهمية مشهد لا تقتصر على وجود المرقد الديني، الذي يزوره مئات آلاف الشيعة سنوياً، ولا في المعاهد الدينية (الحوزات) المتواجدة بكثرة في المدينة. فمن جانب آخر، تعد مشهد مجمعاً اقتصادياً، يتراوح النشاط الاقتصادي فيه بين المنشآت الصناعية، والمصارف والمستشفيات، وغيرها من القطاعات، التي تدار مباشرة من أجهزة مرتبطة بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وهو ما يجعلها المدينة الثالثة من حيث الأهمية في إيران. ومن الطبيعي، في تلك الحالة، أن تحاط باهتمام كبير على مستوى السلطة السياسية والأمنية، ولا سيما على مستوى الحرس الثوري.

على هذا الأساس، يمكن اعتبار خروج الجموع الغاضبة في مشهد بالذات، دليلاً واضحاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية في إيران، فإذا كان الغضب سيّد الموقف في ثالث المدن الإيرانية أهمية، على المستوى الاقتصادي العام في البلاد، فيمكن تصوّر الأوضاع المزرية في مناطق أخرى، سواء في المدن الكبرى، أو مناطق الأطراف.

والواقع أن فئات واسعة من الشعب الإيراني تشعر بالإحباط جراء فشل الرئيس حسن روحاني في انتشال البلاد من الأزمة الاقتصادية، خصوصاً أن سقف التوقعات قد ارتفع، في ظل ولايتيه الرئاسيتين، السابقة والحالية، مع العلم بأن الرئيس الإصلاحي استند في صعوده السياسي إلى وعود باستثمار الخطوة التاريخية، المتمثلة في توقيع الاتفاق النووي، لتحسين الظروف الاقتصادية.

لكن يبدو واضحاً أن استمرار سياسة التصعيد الأميركية تجاه إيران، بددت كل تلك الآمال، فالعقوبات الاقتصادية جعلت معظم مصارف العالم حذرة في تعاملاتها المالية مع إيران، علاوة على أن الجمهورية الاسلامية ما زالت تواجه صعوبات في بيع نفطها بحرّية في السوق العالمية، وبالتالي تبقى عاجزة عن إطلاق العنان للنمو الاقتصادي الذي كان يأمل الرئيس الإيراني حسن روحاني ومؤيديه في تحقيقه.

ووفقاً للمؤشرات الاقتصادية، فإنّ الأزمة تتبدّى في ارتفاع مستوى البطالة إلى نحو 12.4 في المئة (23.8 في المئة في أوساط الشباب)، وكذلك نسبة التضخم العالية، التي تطال القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، حتى حين يتعلق الامر ببعض المواد الغذائية الأساسية، مثل الدواجن والبيض، التي ازدادت اسعارها بمقدار النصف تقريبا خلال السنوات القليلة الماضية.

وعلاوة على ما سبق، فإنّ المحتجين يصبون غضبهم ليس على حكومة الإصلاحيين فحسب، بل على التيار المحافظ، المرتبط مباشرة بالمرشد الأعلى، والذراع العسكري الأكثر ولاءً للنظام الاسلامي، وهو الحرس الثوري، وذلك على خلفية السياسات الخارجية، التي تقوم إيران، في إطارها، بانفاق مبالغ طائلة على الحركات المقاومة للمشروع الأميركي في المنطقة، كما هي الحال بالنسبة إلى “حزب الله” في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل المقاومة في غزة، ناهيك عن الحرب السورية، التي تشارك فيها الجمهورية الاسلامية بالعديد والعتاد والمال.

انطلاقاً مما سبق، يمكن تفسير الكثير من الشعارات التي رفعها المحتجون خلال الأيام الماضية، ومن بينها “اخرج من سوريا واعتنِ بنا” و”لا غزة لا لبنان روحي فداك إيران”.

لكنّ توجيه اللوم إلى السياسات الخارجية يمتد، بالنسبة إلى الكثير من المتظاهرين باتجاه تصويب سهام شعاراتهم الغاضبة باتجاه النخبة الحاكمة، على نحو يعكس الضيق من التفاوت الطبقي داخل الجمهورية الاسلامية، ومن هنا يمكن فهم هتافات من قبيل “الشباب لا يملك عملاً … والملّا يقود سيارة” أو “الشعب يئن تحت الفقر … والسيّد (خامنئي) يعيش كما الإله”.

كل ذلك، يدفع نحو اجندات أكثر تشدداً في معارضتها للنظام السياسي، وتتبدّى في استهداف مباشر لأسس الجمهورية الاسلامية، على النحو الذي دفع البعض إلى إطلاق هتاف صادم وهو “أرقد بسلام رضا شاه”، وهو الشاه “التحديثي”، ومؤسس الشاهنشاهية البهلوية التي اسقطتها الثورة الاسلامية في العام 1979.

نظرية المؤامرة

في ظل تعدد الاجندات داخل الحراك الشعبي الحالي، وبصرف النظر عن تفاوت المطالب، فإنّ بعض التوجهات التي يجري التعبير عنها في الشارع الإيراني الغاضب، تجعل من الممكن تصديق الرواية الرسمية – التي صار يتبادل الحديث عنها الإصلاحيون والمحافظون على حد سواء – والمرتبطة بوجود مؤامرة خارجية، وهو ما تعكسه أيضاً بعض الظواهر التي بدأت تتخذها الاضطرابات في إيران، والتي تذكر بتجارب مريرة، متفاوتة المستويات في حدّتها، واجهتها دول عدّة في العالم، من الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات، وصولاً إلى الأزمة السورية في بداياتها قبل سبعة أعوام.

وفي الواقع، فإنّ ثمة مؤشرات عدّة تدعم نظرية المؤامرة، أبرزها على الاطلاق حديث الأمير محمد بن سلمان، قبل بضعة أشهر، إلى قناة “العربية”، إذ قال حرفياً  “لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل نعمل على أن تكون المعركة لديهم في إيران وليس في السعودية”.

وتأتي ردود الأفعال الأميركية والإسرائيلية لتصب زيتاً على نار نظرية المؤامرة تلك، ومن بينها سلسلة التغريدات التي اطلقها دونالد ترامب، منذ اليوم الاول للاحتجاجات، وآخرها “الشعب الإيراني العظيم مقموع منذ سنوات وهو متعطش إلى الغذاء والحرية، ثروات إيران تنهب، وكذلك حقوق الإنسان. حان زمن التغيير”.

وفي موقف يحاكي تغريدات ترامب، أشاد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتظاهرات، قائلاً إن “الإيرانيين شجعان يتدفقون إلى الشوارع، وهم يريدون الحرية، والعدالة، ويريدون الحريات الأساسية التي حرموا منها على مدار عقود”، لا بل ذهب أبعد من ذلك قائلاً إنه “عندما سيسقط هذا النظام أخيرا، وهو سيسقط يوماً ما، سيكون الإيرانيون والإسرائيليون أفضل أصدقاء مرة أخرى. أتمنى للشعب الإيراني أن ينجح في سعيه النبيل إلى نيل الحرية”.

من الطبيعي، والحال هكذا، أن يخرج مسؤول إيراني كبير، على مستوى الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني بتصريح يعتبر أن “ما يحصل على الانترنت حول إيران هو حرب بالوكالة ضد شعبنا”، وتأكيده على أن “27 في المئة من المشاركين في الحملة على إيران عبر الانترنت يتبعون لحكومة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان”، وأن “العناصر التنفيذية للحرب على إيران عبر الانترنت إسرائيلية وغربية”.

هذا الخطاب “المؤامراتي”، الذي لطالما كان حكراً، بشكل عام، على المعسكر المحافظ في النظام الإيراني، بات صداه يتردد في صفوف الاصلاحيين، وهو ما عبّرت نائبة رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة معصومة ابتكار حين قالت ان “الاحتجاج حق، لكن يبنغي على المحتجين يجب أن يعرفوا من يوجههم ويقودهم”، متحدثة، في هذا السياق، عن أشخاص مرتبطين بالسعودية واسرائيل داعمين للاحتجاجات الحالية.

صراع الأجنحة

مما لا شك فيه أن التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المدن الايرانية، منذ أيام، مرتبطة بتقاهم الصراعات السياسية بين جناحي الحكم في الجمهورية الاسلامية – المحافظون والاصلاحيون، والتي بلغت ذروتها فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبلغت مستوى أشد حدّة، خلال الأسابيع الماضية، لا سيما على خط الرئيس حسن روحاني ورئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، والرئيس السابق محمود احمدي نجاد.

ولكن يبدو واضحاً أن التحرّكات الشعبية الآخيرة أنتجت ارباكاً على مستوى المحافظين والإصلاحيين على حد سواء، خصوصاً أن أجندة المحتجين باتت تتجاوز، أقلّه في الظاهر، المعسكرين معاً، اللذين لم يحدث أن تطوّرت صراعاتهما إلى مستوى يمس بالركائز المتوافق عليها، من خلال تعرّضها مباشرة لثوابت الثورة الاسلامية.

ولا يخفى أن المحافظين والإصلاحيين يواجهون معاً معضلة حقيقية في التعامل مع الحركات الاحتجاجية، لا بل أنّ ثمة انقساماً في مقاربتها، حتى داخل الجناح الواحد.

وعلى مستوى الإصلاحيين، فقد دعا العديد من قياداتهم، في بادئ الأمر، إلى احترام الحق الدستوري في الاحتجاج، لكنهم سرعان ما انتقلوا إلى اتخاذ موقف التشكيك في الدوافع وراء التظاهرات، أو حتى التنديد بها، واعتبارها مؤامرة خارجية.

ويمكن رصد المواقف المتناقضة الاصلاحيين من خلال عناوين الصحف المحسوبة عليهم، والتي تعكس تفاوتاً حاداً في الموقف من التظاهرات الحالية.

وعلى سبيل المثال، فقد أشارت صحيفة “قانون” الإصلاحية إلى المتظاهرين باعتبارهم “أناساً ينفذون المادة 27″، في إشارة إلى المادة الدستورية التي تسمح بالاحتجاجات بقدر ما يكون المتظاهرون سلميين و”لا يناقضون أسس الإسلام”، لا بل أقرّت بأن “عدم كفاءة السلطات الحكومية فى حل المشاكل الاقتصادية للناس هي ما أدت إلى بروز احتجاجات من جانب قسم من المجتمع”.



 

وعلى النقيض، فإنّ صحيفة “إيران”، التي غالباً ما تعكس وجهة النظر الحكومية، تبنّت موقف نائب رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية اسحق جهانغيري، مقتبسة منه تصريحاً يعتبر أن المحتجين “سيضرّون أنفسهم”.

ويعد جاهانغيري الشخصية الأبرز في النظام، التي يصب عليها الكل غضبه، من المحتجين في الشارع، مروراً بقيادات المعسكر المحافظ، وحتى وصولاً إلى المعسكر الإصلاحي، الذي ينتمي إليه.

لعلّ ذلك يعود بشكل أساسي إلى تعامل نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية مع الأزمة القائمة بمنطق الإنكار، إذ كان الأكثر صراحة في رفض الاحتجاجات لمجرّد رفعها الصوت ضد السياسات الحكومية، وحتى في نفي أن يكون الاقتصاد الإيراني في حالة سيئة!

على هذا الأساس، فقد برزت في معسكر الإصلاحيين شخصيات متفهّمة للاحتجاجات، كاشفة عن مواقف معارضة ناعمة للسياسات الحكومية الحالية.

من بين تلك الشخصيات، آذار منصوري، القيادية الإصلاحية البازرة في حزب ” اتحاد ملي ايران”، التي شددت على أن “الاحتجاج السلمي حق قانوني للشعب … ومن واجب النظام الاستماع إلى مطالب الشعب ومشاكله”، لكنها دعت في الوقت ذاته إلى “الهدوء وتعزيز المصالحة الوطنية”.

وكذلك الحال، بالنسبة إلى حسام الدين آشنا ، المستشار المقرّب من روحاني، الذي أقرّ بأن “البلاد تواجه مشاكل خطيرة في البطالة وارتفاع الأسعار والفساد والبيئة ونقص المياه والتفاوت الطبقي وعدم المساواة”، وبأن “الناس لديهم الحق لكي يسمع صوتهم “، لكن حذر في الوقت ذاته من أصابع خفية، تتمثل في “عصابات المؤامرة والخداع التي اثبتت مرتين على الأقل أنها يمكن أن تخدع الجماهير “.

في المعسكر المقابل، عكست صحف المحافظين وجهة نظر تميل إلى المزاوجة بين انتقاد سياسات روحاني الاقتصادية والتحذير من “تسلل” خارجي لتقويض نظام الجمهورية الاسلامية، ولا سيما بعد تغريدات ترامب، الداعمة للاحتجاجات.

من بين الصحف المتشددة، حمل عنوان صحيفة “وطن أمروز” نصيحة تحذيرية للمواطن الإيراني: “كن مسؤولا”، منتقدة في الوقت ذاته جهانغيري لرفضه من احتجاجات الشارع.

وأما صحيفة “جوان”، التي عادة ما تعكس وجهة نظر “الحرس الثوري” فاعتبرت أن “التجمعات الاقتصادية الشعبية وإساءة استغلالها من قبل الثورة المضادة”.

كذلك، فقد أبدى معظم إئمة صلاة الجمعة، المرتبطين بالمرشد الاعلى،  اية الله خامنئي، تفهمهم للمطالب الشعبية، لكنهم أدانوا انحراف الاحتجاجات عن أهدافها، وتسلل عناصر “انتهازية” تنتمي إلى “الثورة المضادة” إليها.

وحتى الآن، لم يتضح موقف محمود احمدي نجاد، الذي يقول البعض إنه كان السبب في إشعال الهبة الشعبية الأخيرة، قبل أن تتخذ هذا المنحى الخطير، الذي وصلت إليه اليوم، سوى تصريح، نسب إليه من مينة بوشهر، دعا فيه إلى الحذر وتجنّب أي توتر او اشتباك.

وفي وقت تتردد معلومات غير مؤكدة عن أن روحاني يسعى لدى المرشد الاعلى لنزع الحصانة السياسية عنه، ما يفتح المجال امام توقيفه أو محاكمته، فإنّ إجراءاً كهذا يبقى محفوفاً بالمخاطر، بالنظر إلى الوزن السياسي الذي لا يزال الرئيس السابق يتمتع به، ولكون خطوة كهذه ستكون كاشفة للتناقضات داخل منظومة السلطة الحاكمة، على نحو لا يمكن تقدير تداعياته السلبية.

أقل من ثورة… أخطر من ثورة!

تعد الاحتجاجات الحالية في إيران الأكبر على الإطلاق منذ ما سُمّي بـ”الثورة الخضراء” على اثر انتخابات العام 2009.

ومع ذلك، فإنّ ثمة تحفظاً لدى المراقبين على وصف هذا الحراك الشعبي بـ”الثورة”، لأسباب عدّة، أوّلها الافتقار إلى القيادة، على عكس ما جرى في السابق، حين كان الاحتجاجات الشعبية الشاملة، مرتبطة بشخصيات بارزة على مستوى مير حسين موسوي؛ وثانياً بسبب تعدّد الاجندات التي تتفاوت بين الاقتصاد والسياسة الخارجية وتلك المرتبطة بالحريات العامة وثوابت الجمهورية الاسلامية.

وانطلاقاً من ذلك، فمن غير المرجّح، وفقاً لحسابات المنطق، أن تؤدي تلك الاحتجاجات إلى تغيير في النظام السياسي، ولكنها مع ذلك ستتسبب بعواقب سياسية داخلية جدية، لجهة زيادة الشرخ بين السلطة الحاكمة والشعب، من جهة، وداخل المنظومة الحاكمة بجناحيها الإصلاحي والمحافظ من جهة ثانية.

ومع ذلك، فإن هامش المخاطرة يبقى قائماً، فبانتقال اجندة الاحتجاجات من الشق الاقتصادي، إلى التصويب على شرعية النظام، من بوابة التفاوت بين النخبة والقاعدة الشعبية، أو حتى محاولات ضرب ثوابته، أولاً؛ وفي ظل ارتفاع منسوب الوتر بين الجناحين الاصلاحي والمحاف ثانياً؛ ومع جنوح التظاهرات نحو أعمال عنف خطيرة ثالثاً؛ وبوجود غرف عمليات مفترضة يديرها أعداء إيران الخارجيين رابعاً؛ يمكن افتراض مزيداً من التدهور في الأوضاع المضطربة حالياً على نحو لا يمكن احتواؤه إلا بإجراءات سريعة تهدئ الغضب الشعبي من جهة، وتعيد ترتيب أوضاع البيت الداخلي على مستوى المنظومة الحاكمة من جهة ثانية، وتفكيك أية مخططات خارجية مفترضة لإحداث الفوضى في البلاد من جهة ثالثة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.