سياسة واقتصاد

#تيران_وصنافير_مصرية: المعركة مستمرة !

“السيسي قاعد مع الملك سلمان… استرها يا رب”. عبارة علّق بها ناشط سياسي مصري، عبر تغريدة على موقع “تويتر”، على اللقاء الذي جمع الرئيس المصري والملك السعودي على هامش القمة العربية في الأردن الأسبوع الماضي.

هواجس شادي الغزالي حرب بدت في محلّها. لم يكد أسبوع على “لقاء الابتسامات العريضة” بين السيسي وسلمان، حتى تجدد الجدل حول جزيرتي تيران وصنافير، بعدما أصدر قاضي الأمور المستعجلة في عابدين (القاهرة)، حكماً باستمرار تنفيذ حكم الأمور المستعجلة بسريان اتفاقية تيران وصنافير  وقبول دعوى التنفيذ الموضوعي التي تطالب بإسقاط أسباب حكم المحكمة الإدارية العليا القاضى ببطلان اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

على هذا الأساس، فإن قاضي الأمور المستعجلة قد أدخل القضية في متاهة قضائية جديدة، بعد الحكم التاريخي، الذي أصدرته المحكمة الإدارية العليا في كانون الثاني الماضي، والذي حسم، بما لا يدع مجالاً للشك، مصرية الجزيرتين، بعدما رفضت الطعن المقدّم من الحكومة المصرية على حكم قضائي سابق بوقف تنفيذ اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي تم التوقيع عليها خلال زيارة الملك سلمان للقاهرة في نيسان العام 2016.

 المثير في الموضوع أن قاضي الأمور المستعجلة قد ناقض، في حكمه، أعلى محكمة إدارية في مصر، مع العلم بأن قضاة هذه المحكمة، كانوا حاسمين، في نص حكمهم، بشأن إقفال باب التقاضي أمام محاولات الحكومة المصرية تمرير الاتفاقية الحدودية مع السعودية، بدليل أنهم لم يكتفوا برفض الطعن المقدّم، بل استفاضوا في شرح الحيثيات، المثبتة لمصرية تيران وصنافير، في نص صيغ بعناية فائقة، بما لا يقبل تشكيكاً أو التباساً بشأن هوية الجزيرتين.

الملفت للانتباه، أيضاً، أن مسار الدعوى القضائية التي أقامها المحامون المدافعون عن مصرية الجزيرتين، كشف عن إفلاس محاميّ الحكومة المصرية، الذين لم يقدّموا أي دليل يدعّم وجهة نظر النظام الحاكم، لتمرير اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، لا بل أن المحامي المعارض خالد علي كشف عن محاولات مارستها جهات رسمية لطمس الأدلة، التي تؤكد أن تيران وصنافير مصريتان، وهو ما تمّ التصدّي له، من خلال حملة شعبية، غير مسبوقة، ساهم فيها مئات المصريين في تقديم ما ملكت ايديهم من وثائق وخرائط، دعّمت موقف فريق الدفاع عن مصرية الجزيرتين.

انطلاقاً من ذلك، قابل معظم القانونيين حكم قاضي الأمور المستعجلة بالقول إنه “والعدم سواء”. ولكن ثمة من يعتقد أن الأمر يفتح الباب أمام متاهة قضائية، تخفي ما هو مبيّت لدى الحكومة المصرية، لفتح ثغرة ما، يمكن من خلالها تطبيق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، بما تتضمنه من تنازل عن تيران وصنافير.

ولعلّ المؤشرات كثيرة من في هذا السياق، فبالرغم من أن قرار المحكمة الإدارية العليا في كانون الثاني الماضي، أقفل باب التقاضي، برفضه الطعن المقدّم من الحكومة، إلا ان ثمة ثغرة يمكن الولوج منها، لإعادة تحريك الملف، ويتمثل في مسألة تنازع القرارات القضائية، الذي يمكن أن ينقل القضية برمّتها إلى المحكمة الدستورية.

ومع أن معظم الحقوقيين يتوقعون ألا تخالف المحكمة الدستورية قرار المحكمة الإدارية العليا، باعتبارها أم المحاكم المدنية في مصر، فإنّ تحريك القضية على هذا النحو، ربما يعطي فرصة للنظام الحاكم، بتمرير الاتفاقية عبر البرلمان، وهو ما لا يمكن القيام به، من دون غطاء معيّن، حتى لا يحدث تنازع بين السلطات في البلاد، بما يترتب عليه ذلك من مخاطر على شرعية النظام السياسي برمّته.

وكانت الحكومة المصرية استقبت، في كانون الأول الماضي، قرار المحكمة الإدارية العليا، عبر إحالتها اتفاقية الحدود البحرية إلى البرلمان، في ما وُصف بأنه محاولة للالتفاف على حكم القضاء.

وفي اواسط آذار الماضي، قال رئيس البرلمان المصري علي عبد العال إن إنه “يتبقى بعض الإجراءات، وبعض الأوراق يجرى استكمالها خلال الأيام القليلة المقبلة، وفور اكتمالها ستُحال الاتفاقية إلى اللجنة المختصة لدراستها.”

المحامي خالد علي تطرّق إلى هذه المسألة الحساسة في تدوينة نشرها عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، إذ أشار إلى أن الحكم كان متوقعاً، ويشكل “استمراراً لذات النهج بتعدي محكمة القاهرة للأمور المستقلة، وتعرّضها لنظر دعوى ليست من اختصاصها بحكم الدستور”، مذكراً بأن “أحكام الإدارة العليا نهائية وباتة، ولا يجوز إيقاف تنفيذها أو إبطالها إلا بحكم آخر من الإدارة العليا” نفسها.

ورأى خالد علي أن النظام الحاكم يسعى من خلال حكم الأمور المستعجلة إلى “منح مجلس النواب غطاءاً قضائياً يستتر به لتبرير بدء مناقشته للإتفاقية بزعم أن هناك حكم قضائي من محكمة الأمور المستعجلة قضى بعدم الإعتداد بحكم الإدارية العليا، ليدّعي بعد ذلك أن الإتفاقية سارية وصحيحة، ومن ثم من حق البرلمان مناقشتها”.

وأضاف خالد علي أن “كل من اشتغل بالقانون يعلم أن هذا السلوك غير قانوني وغير دستوري، وأنها محاولة بائسة لخلق شرعية زائفة لإتفاق يتضمن تنازلاً عن أرض مصرية”.

واعتبر خالد علي أن الحكم يستهدف ثانياً “تمهيد الأرض لتقوم الحكومة بتقديم دعوى تنازع اختصاص أمام الدستورية العليا، بزعم أن الاتفاقية تعرضت لها جهتان قضائتان مختلفتان، وكل منها تمسك بنظر النزاع، وأصدر أحكاما مختلفة عن الأخرى ، ومن ثم أصبح هناك تنازع اختصاص بين المحاكم ما يوجب على المحكمة الدستورية العليا الفصل فى هذا التنازع لتحدد من هي المحكمة المختصة، ومن ثم تحديد الحكم واجب النفاذ”.

بدوره، اعتبر عدلي، أحد أعضاء فريق الدفاع عن “مصرية تيران وصنافير”، في تدوينة نشرها عبر صفحته على “فيسبوك”، أنه “لا يجوز لمحكمة جزئية مشكلة من قاض فرد أن تتعرض لحكم نهائي لواحدة من أعلى ثلاث محاكم في البلاد بصيغة الإسقاط”.

 وأضاف أن “مجلس الدولة نفسه (محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا) رد على موضوع الطعن على أحكامه أو طلب وقف تنفيذها أمام محكمة خارج محاكم القضاء الإداري ردا وافيا”.

وأوضح عدلي أن “المادة 191 من الدستور المصري تنص على أن محاكم مجلس الدولة تختص دون غيرها بنظر منازعات التنفيذ على أحكامها”، لافتاً إلى أن “تعبير (دون غيرها) يعبر عن نظرية اسمها نظرية الاختصاص القاصر، أي أنه اختصاص قاصر على محاكم مجلس الدولة دون غيرها”.

وأضاف عدلي أن “موضوع الأمور المستعجلة وإشكالات التنفيذ لا يرد إلا على أحكام غير نهائية، وأما الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا فهو حكم نهائي بات منهي للخصومة، لا يجوز الطعن عليه ولا الإشكال ولا وقف التنفيذ إلا عن طريق الإدارية العليا وفقط بحسب القانون”.

ورأى عدلي أن “موضوع تيران وصنافير منته بحكم بمصريتهما وبطلان توقيع ممثل الحكومة على الاتفاقية الخاصة بالتنازل عنهما”.

وحذر عدلي من أن “الفكرة المرعبة بالنسبة لي هي أنه لو لم يتم التصدي لما يحدث فإن ذلك سيهدد محاكم مجلس الدولة كلها وحجية واحترام أحكامها”، خصوصاً أ، “هذه المحاكم هي المختصة بنظر قضايا الحقوق والحريات وعقود الحكومة وقضايا خصخصة الشركات وأراضي الدولة والقضايا المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية، وطبعا هي المحاكم المختصة بالرقابة على أعمال الحكومة جميعها باستثناء أعمال السيادة، وهي أيضا التي تحدد ما يعتبر أعمال سيادة من عدمه”.

ولعل تحذير مالك عدلي يبدو في محلّه، وهو ما يمكن الاستدلال به، من خلال نص الدعوى التي أقيمت أمام قاضي الأمور المستعجلة، من قبل المحامي أشرف فرحات، والذي جاء فيه حكم المحكمة الإدارية العليا خرج على سياق الأحكام، فظل يسلب كل الجهات القضائية وسلطات الدولة وما خصها الدستور والقوانين به، واعتبر أن القضاء الإداري في الدولة هو الذي يجمع كل سلطات الدولة سواء التنفيذية أو القضائية أو التشريعية، بل إنه هو الرقيب على الدستور.

وأشار نص الدعوى إلى أن كل ما ورد بالحكم لا يرتفع عن كونه يفسد كل ما انتهى إليه، خاصة أنه صدر عن دائرة فحص، وليس عن هيئة المحكمة الإدارية العليا بكامل تشكيلها، وحال أن مجلس الدولة ممنوع ولائيًا بموجب قانونه بنظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإن ما صدر عنه يعد غصبًا لباقي سلطات الدولة وخارجًا على ولايتها.

هكذا تبدو الحكومة المصرية مصرّة على التصعيد، بعد الانتصار القضائي الذي تحقق لصالح المدافعين عن مصرية تيران وصنافير. ومن المؤكد ان هذا الإصرار يتجاوز الإطار الداخلي المصري، ليس لأن القضية تتعلق باتفاقية بين دولتين فحسب، وإنما بالنظر إلى انها تشكل واحدة من أهم القضايا المحددة للسياسات الخارجية للدولة المصرية.

على هذا الأساس، فإن توقيت الحكم القضائي الجديد يطرح الكثير من التساؤلات، لا سيما انه أعقب مباشرة عودة الدفء إلى العلاقات المصرية-السعودية، والتي تبدّت من خلال قرار شركة “أرامكو” استئناف تصدير المشتقات النفطية لمصر، بعد خمسة أشهر على توقفها، وتُوجت قبل أيام باللقاء الذي جرى بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك سلمان بن عبد العزيز. علاوة على ذلك، فإن هذه التطورات تأتي عشية لقاء مرتقبت بين السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول زيارة للرئيس المصري إلى واشنطن.

وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن قضية تيران وصنافير  تمثل واعدة من عقد التواصل، في إطار التحالفات الإقليمية الجديدة، التي يجري تداولها، في الكواليس الدبلوماسية، وهو ما يتطلب حلّها وفق الرؤية الحكومية المصرية، التي تستغل كل ما أوتيت من أدوات للهجوم المضاد على ما حققه الناشطون المدافعون عن الأرض في معركة قضائية تبدو متكافئة بين طرفين، أحدهما يمتلك امتيازات السلطة الحاكمة، والثاني إرادة صلبة وتضامن شعبي مثير للإعجاب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق