مجلة الكترونية عربية مستقلة

ثقافة الـ Mall

في ظلّ التغيّرات التي يشهدها العالم في غور العولمة، ينخرط جزءٌ من العالم العربي في ذلك على صعيد ركوب الموجة، وما يعنينا هنا في موضوعنا هو على مستوى تبدّلات “اللبوس” التي تتأرجح وتُزاوج، في آنٍ واحد، بين السوق والمقهى والثقافة (ثقافة الاستهلاك، ثقافة الترفيه، ثقافة الأكل، ثقافة الانفتاح…) والفن والإبداع.

قد يتساءل القارىء عما يجمع بين هذه الأفضية المختلفة التي كانت، ولمّا تزل جزئياً، إلى حدٍّ ما، منفصلة نظرياً. إنّ ما يجمعها بتناغمٍ هو المجمّع التجاري ومركز التسوّق Mall، حيث يتجاور فنجان القهوة الذي يناديكَ أوّلاً، والنراجيل الملوِّثة (في بعض “المولات”)، والملابس الأنيقة الـ signé والشعبية نوعاً ما، والحوائج، ووجبات الفطور والغداء والعشاء والرائحة الشهية المتطايرة، وأنشطة الأطفال والراشدين التي قد تكون مصحوبة بموسيقى رائجة معولمة (Musique du monde, Techno, Rap…)، والسينما الهوليودية والعالمية والعربية والمحلّية، إلخ.

هذا المشهد الموصوف المتنوّع الذي يوائم بين كل ذلك، مما اعترى هذه الميادين من التقاءات وتنافرات، هو في لبنان. الـMall  “أكلَ” الأخضر واليابس، أكلَ السوق كلّه، يقول أحدهم. الـMall  هو السوق حالياً حيث كل شيء يُشترى ويُباع، وكل شيء يخضع لمنطق العرض والطلب والدارج والصرعة حتى لو كانت صرعة كلاسيكية. السلع في كل مكان وإنْ لم تشترِها أصبحتَ متخلّفاً، متأخّراً، بليداً، بعيداً عن عبقرية الموضة وروح العصر! إنّه المنطق المُعْوَجّ الذي يتحكّم بهذا الزمن والبشر فيه.

الشركات العالمية الكبيرة والكبرى تستثمر وتعرض بضائعها في الـ Mall، والواجهات المرتّبة المزيّنة تغوي السائرين العابرين وتُناجيهم. كلّما اشتريتَ أكثر أصبحتَ أكثر وسامةً ونبوغاً. هكذا يوحي إعلانٌ مصوّرٌ إلى كلّ مَن يشاهده. يا لقيَم هذه المرحلة ومفارقاتها وشعوذتها!

الـ Mall مُسلٍّ في الواقع، يكيّف أفراد المجتمع، زاخرٌ بالوعود البرّاقة، مليءٌ بالحسناوات اللواتي يتباهين بجمالهن الاصطناعي وصوَر الـ selfie في هذه الزاوية أو تلك، والرجال الذين أنجزوا تسريحةً جديدة لا تقاوَم ويفوح منهم الشذا… إلى ذلك، ثمة أماكن تجذب المراهقين بجينزاتهم الممزّقة وأجوائهم.

الجميل بالفعل يكمن في الاختلاط والألفة (تجاذب الميول النفسية) والفرح والصداقة والالتقاء. في الـ Mall ترى تظاهرات وحشوداً لا يجمعها سوى الهوس بالتبضّع، وحب الخروج وارتياد المقاهي وصالات السينما حيث ينتصر الفشار إلى جانب الكولا بأسعارٍ مرتفعة. النفقات في الـMall  باهظة. هذه اللوحة في بيروت.

أما في تركيا، على سبيل المثال، فأسعار الـMall  تُعَدُّ مقبولةً نسبياً، والافتتان بالاستعراض الشكلي والشغف بالمظاهر ليسا ملحوظين. هذا النموذج من الـMall  موجودٌ بطبيعة الحال في أوروبا، علماً بأن الأوروبيين، رغم انجرافهم مع تيار العولمة، يحافظون على بساطتهم في الهندام والسلوك، وعلى خصوصيّاتهم الثقافية والحضارية في أماكن أخرى تختلف عن الـMall (فنّ العمارة، الموسيقى التراثية بمعناها الواسع، المتاحف، الأسواق الشعبية، والحِرَف والأشغال اليدوية…)، ما لمستُه في كلٍّ من فيينا وسالزبورغ (النمسا)، وبودابست (عاصمة المجر)، وسلوفاكيا.

أمّا عندنا، فتكاد تنطمس الخصائص الثقافية والحضارية والغالبية تهوى -إنْ في الـ Mall أو خارجه- وتتفاخر بتحدّثها يوميّاً باللغة الإنكليزية غالباً (والفرنسية أحياناً) عوضاً عن العربية، لا سيما الجيل الجديد في معظمه، الذي لا يعي قيمة هويّته التي تسبّب له الخجل، وتلك ظاهرة خطيرة بالنسبة إلى شعبٍ يستهلك الوافد الكاسح ويتبنّاه بالتماعاته وكبواته وبنهضته التنويرية وانحطاطه، من دون أن يعي أهمّية الإنتاج وصَون الموروث واجتراح غده.

يبقى الـMall  مرحلياً عندنا، على اعتباره “ثقافةً” مدينية شائعة، منتفخاً بسحره، متبجّحاً بضخامته ومغرياته، فاتحاً بابه على مصراعيه لكل الذين يحبون الحياة (أو البهرجة والإبهار العابر)، ولأولئك الذين يسعون، بولعٍ واندماج، إلى اعتناق معايير وقيَم بدايات الألفية الثالثة!

هالة نهرا

Leave A Reply

Your email address will not be published.