آراء وترجمات

ثقافة وفن وأدب Up-to-date

عيناك سأحترفهما وحين أهمس اسمك يتغير شكل العالم.

أولئك الذين لا يحبون الموسيقى، يخشونها، الذين لا يحبون الفرح، يهابونه، أولئك الذين لا يضحكون، الذين لا يعرفون الحب، هم بؤساء، ولو حملوا مليون قضية وقدسوها، لا يدخلون المعنى العميق لإنسانيتهم.

كل القضايا لا معنى لها بلا الإنسان، وما معنى الأرض بلا الإنسان (؟)، الإنسان هو معنى الأرض، الأرض تفقد معناها بلا الإنسان، والإنسان هو المعنى لأي وطن أو بقعة جغرافية، والحب هو معنى المعنى، ممهوراً بالبهجة والتجلّي… هذا حق إنساني ينبغي أن تكون له الأولوية والصدارة في الطرح اليوم، فإن لم تكن القضايا لتحرير الإنسان وصونه وإسعاده على هذه الأرض، فما هو معناها إذاً؟! إذا تحررت الأرض وصار الإنسان أسير الجهل أو الاتجاه الرجعي المبرمج الذي لديه مشكلة عويصة مع مباهج الحياة وبالتالي مع الحضارة الإنسانية والضوء والهواء، وإذا تحررت الأرض وصار الإنسان يغرق أكثر فأكثر في برد الحزن الراسخ وظلماته بعيداً عن الحب، فماذا تكون قد حققت كل تلك القضايا؟ لا بد من المواءمة بين الأرض والإنسان والحب والحق وإلا ضاع المعنى.

اكتساح جنوني:

أغنية “ديسباسيتو” Despacito (للويس فونسي) وجّهت الأنظار نحو بورتوريكو حديثاً وانتشرت أينما كان في العالم بطريقةٍ رهيبة غريبة لافتة! حقّقت الأغنية رقماً قياسياً عالمياً (2017).

الأغنية ليست سيئة بل إنها حلوة نسبياً، خفيفة، لا تخلو من السلاسة، يمكن حفظها بسهولة لكنها ليست عملاً إبداعياً فريداً. أتوقّع أن ينساها معظمهم قريباً بعدما تم استهلاكها على النحو هذا. اكتست الأغنية ثوباً تجارياً جليّاً واحتلّت “الأسواق” في عصر العولمة. إنّ ما يُعرف بالـmatraquage كفيلٌ بتحقيق العجائب على المستوى هذا. عددٌ كبيرٌ من الأغاني صار مثل شفرات الحلاقة التي تُستخدم وتفي بالغرض (برهة قصيرة) ثمّ تُرمى في سلّة المهملات. هكذا يحوّلون الفنّ إلى موضة، والموضة – كما يعرف الجميع- تبطل سريعاً وتتغيّر باستمرار.

في المقابل، هناك العديد من الأغاني الخالدة (ليست بهذا الانتشار وهي غالباً متموضعة في بيئتها) التي ترتكز على معايير مغايرة تماماً.

أشعر بأنّ الرواية العربية صارت موضة! غالبية الكُتّاب (شعراء، أدباء، نقّاد…)، قلتُ الغالبية – لا الكل- تريد كتابة روايات في الآونة الأخيرة. الغالبية تأمل في نيل الجائزة. الغالبية تذوب في بحر الدارج لأنّه دارجٌ. الإبداعُ نادرٌ.

آن الأوان، أن يبدأ المثقفون – بين حين وآخر، على الأقل- بالكلام والكتابة بلغة يفهمها الناس. اللغة العادية اليومية البسيطة لا تنتقص من قيمتك بل تضفي عليها قيمة مضافة. أن تكون مثقفاً لا يعني أن تعقّد لغتك على الدوام لعرض عضلاتك المعرفية واللسانية ومعلوماتك. أن تكون مثقفاً لا يعني أن لا تكف عن الانتقاد والامتعاض ليلاً نهاراً. صحيح أنّ دور المثقف أن يكون نقدياً بالمعنى العميق البنّاء، تلك هي وظيفته، لكن إضافةً إلى ذلك هناك الجانب التنويري المعرفي الهام بشرط أن لا يكون على شكل عظة فوقية، والأخذ بالاعتبار أن المعرفة تراكمية. التحدي اليوم هو أن يكون المثقف قادراً على إيصال فكرته لمراهقٍ ولشابٍ جامعي ولبائع خضرة، ليكون مؤثراً. ثمة فجوة بين النخب وبين الناس في مجتمعاتنا. وفي تجارب تغييرية عدة، سبق الناس بعض النخب، خصوصاً تلك التي لا تفارق أبراجها العاجية. المطلوب حالياً التبسيط قدر الإمكان ولو جزئياً، والتخفف من حب الاستعراض.

 

عندما أكتب الشعر وحدك أنت أحب أن أسمع عينيك.

 

وحين تكون عيناك القصيدة يصبح العالم استعارة…

 

هالة نهرا        

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق