ثقافة

جان شمعون… اخترق “طيف المدينة” ورحل!

“كتابة السيناريو ما هي إلا تنظيم لأحداث عايشتها ورأيتها، جمعتها في شكل سيرة قصصية لتصوير فيلم”. تكاد هذه العبارة التي قالها جان شمعون، في أحد البرامج التلفزيونية التي تناولت سيرته السينمائية، تختزل أعمال مخرج، انطلق في مسيرته الفنية من “أنشودة الأحرار”، بإيقاعاتها المتأرجحة بين الانتصارات والانكسارات، ورحل بهدوء، قبل ساعات، في “طيف المدينة” التي ما زال لسان حال أهلها “بعدنا طيبين قول الله”.
ابن بلدة سرعين البقاعية، المولود في العام 1944، وأحد رواد الجيل المؤسس للسينما اللبنانية الجديدة، أمثال مارون بغدادي وبرهان علوية، شق مساراً متمايزاً في مسيرته السينمائية، التي كانت، في واقع الامر، انعكاساً لواقع عايشه منذ أيام الدراسة الباريسية، في مطلع السبعينيات، وهي المرحلة ذاتها التي شهدت المد الثوري لليسار اللبناني، والعمل الفدائي الفلسطيني، قبل أن تتأثر بمرحلة الانكسارات، في التسعينيات، بكل إرهاصات الحرب العبثية، التي جعلت “مدينة تحت الانقاض” أسيرة “أحلام معلقة”.
في أواخر الستينيات، بدا وكأن الشاب جان شمعون، الذي لم يعرف والده إلا من خلال الصورة، قد جعل حركة التحرر الوطني ايقاعاً لحياته. لم تستهوه الهندسة الزراعية، التي كان عازماً على دراستها في بادئ الأمر، فاتجه إلى العلوم الاجتماعية والسياسية، ولكنه سرعان ما وجد ضالته في معهد الفنون الجميلة في لبنان، التي صادف أن افتتحت في خضم رحلة البحث عن أداة للتعبير عن المخزون الثوري في داخله.
في مطلع السبعينيات، كانت المحطة الأكاديمية المهمة لجان شمعون في باريس، الذي لم تكن لتبهره، لولا أنها كانت قبل عامين أو أكثر بقليل، مسرحاً كبيراً لثورة طلابية، تركت أثرها في الكثيرين من فنانين ومفكرين، فتزاوجت أفكارها التقدمية الغربية، مع تلك الأفكار اليسارية العربية التي حملها معه، إلى عاصمة الأنوار، والمصدر الأول لأضواء الفن السابع.
قرار العودة إلى لبنان لم يكن سهلاً على ذلك الشاب، خلافاً لما كانت توجهات الكثيرين من أبناء جيله، فبيروت لم تعد تلك المدينة القادرة على احتضان أبنائها، فيما باريس فاتحة ذراعيها لكل الوافدين العرب إليها… أو هكذا كان بعضهم يظن!
حتى في أيام الحرب السوداء، فضل جان شمعون البقاء في تلك العاصمة التي باتت تحت الانقاض.
في أحد الحوارات، قال جان شمعون: “كان عليّ أن أقرّر: أبقى أو أغادر باريس؟ لكنني قلت لنفسي: بعد كل التقنيات التي درستها، والأفكار التي اكتسبتها، وفي ظل الظروف الصعبة التي يشهدها البلد، أيعقل أن أرحل؟ قررت البقاء وعشت الحرب كلها”.
في “حرب السنتين” (1975-1976)، تعرف الجمهور اللبناني، المستجير من نار القذائف العشوائية برمضاء الملاجئ والأدراج الآمنة، على جان شمعون. صوت المخرج، سبق صورته، فحتى اليوم، لا تزال الذاكرة تستحضر تلك اللهجة القروية الفريدة، في حوارات نقدية لاذعة، جان شمعون وزياد الرحباني، في حلقات إذاعية بعنوان “بعدنا طيبين قول الله”، عبر أثير الإذاعة اللبنانية، التي انقسمت، شأن لبنان كله، بين واحدة في “إذاعة الصنائع”، الواقعة تحت سيطرة “الحركة الوطنية” و”جيش لبنان العربي” في “المنطقة الغربية”، و”إذاعة عمشيت” الواقعة تحت سيطرة “الجبهة اللبنانية”، الحليفة حينها لرئيس الجمهورية سليمان فرنجية.

زياد الرحباني وجوزيف صقر
زياد الرحباني وجوزيف صقر

ولكن الانقسام، الذي طال الاذاعة الوطنية، لم يكن على هذا النحو، بالنسبة إلى التفاعل مع الثنائي زياد الرحباني وجان شمعون، فعبارة “بعدنا طيبين قول الله”، كانت بمثابة رسالة مشفّرة يتلقفها المقاتلون على خطوط التماس، من كلا الجانبين، لوقف الاقتتال، إلى حين انتهاء البرنامج.
كانت مرحلة الحرب الأهلية، وما رافقها من ترابط طبيعي مع القضية الفلسطينية، بمثابة خزان أفكار لأعمال جان شمعون السينمائية.
في العام 1976، قدّم فيلمه الوثائقي الأوّل “تل الزعتر”، عن المجزرة الفظيعة التي ارتكبها اليمين اللبناني، بحق اللاجئين الفلسطينيين، ثم أتبعه بوثائقي “أنشودة الأحرار”، الذي يتناول حركات التحرّر في القارات الثلاث.
منذ أواخر السبعينات، السينمائية مي المصري شريكة جان شمعون، في السينما، كما في الحياة. في العام 1983، قدم الزوجان “تحت الأنقاض”، الذي كان قراءة توثيقية – فنّية للاجتياح الإسرائيلي للبنان، وتداعياته على كافة أوجه الحياة. وبعد عامين، أنجبا عملهما السينمائي “زهرة القندول”، الذي يتناول حياة المرأة في الجنوب اللبناني، سواء في الثقافة الشعبية أو في المقاومة ضد إسرائيل.
وأما فيلم “جيل الحرب” (1989)، فاتخذ بعداً آخر، في خضم العبثية التي انتهى اليها الاقتتال الداخلي: “قامت الحرب علشان الفقراء .. صارت ضد الفقراء”… “عملوا الحرب ليعطونا حقوقنا .. النتيجة اخدوا حقوقنا”، “نتيجة الحرب واضحة: واحد بيعرج، واحد مات، واحد تشرد”… هكذا تحدّث أطفال “جيل الحرب” حينها.
بعدما حطت الحرب أوزارها، على تسوية التكاذب، كانت “أحلام معلّقة” (1992) مع مي المصري، حول مقاتلين سابقين من الحرب الأهلية (نبيل ورامبو)، الذين فرّقهما الاقتتال، وجمعتهما خيبات ما بعد الحرب، وقد تضمن أول معالجة سينمائية لقضية المفقودين؛ وبعده “رهينة الانتظار” (1994) الذي يتناول قصّة طبيبة تعود إلى جنوب لبنان وتعايش مرحلة الاحتلال الاسرائيلي والقلق على المستقبل.

جان شمعون وفليم
جان شمعون وفليم “طيف المدينة”

في عام 2000، قدّم جان شمعون فيلمه الروائي الأوّل “طيف المدينة”، الذي تناول مقدّمات الحرب الأهلية، والفساد الذي سبقها، ورافقها، وصولاً إلى الاحلام المتكسرة لمن عاشها، وجرحها المفتوح، حتى الآن، والمتثمثل في قضية المفقودين.
بعدها، استعاد شمعون نمطه الوثائقي، فكان “أرض النساء” (2004)، الذي يروي حكاية ثلاث مناضلات فلسطينيات، هنّ الأسيرة المحررة كفاح عفيفي، وفدوى طوقان أولى شاعرات فلسطين، وسميحة الخليل، إحدى رائدات المقاومة الاجتماعية والثقافية والشعبية ضد إسرائيل.
وأخيراً، كان “يوميات بيروت” (2006)، الذي تشارك فيه مع مي المصري، وتناول الواقع اللبناني بعد اغتيال رفيق الحريري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق