ثقافة

“جريمة في قطار الشرق السريع”

تضفي المعالجة الجديدة، التي يقدمها المخرج والممثل كينيث براناه، لرواية “جريمة في قطار الشرق السريع” للكاتبة الشهيرة أغاثا كريستي، طابعاً حيوياً على القصة، لكن هل ساهم ذلك في وصول العمل إلى مقصده بنجاح؟

في الفصل الأول من رواية “جريمة في قطار الشرق السريع”، تصف الكاتبة أغاثا كريستي محققها الشهير هيركيول بوارو بأنه “رجلٌ ضئيل الحجم عظيم الشاربين”، لذا يصعب على المرء أن يُنحي باللائمة على المخرج والممثل كينيث براناه، في أن يُظهر هذا المخبر بلجيكي الجنسية، بشاربٍ كثٍ إلى حدٍ مخيف.

وما أبعد الشقة بين هذا الشارب، ونظيريه ذوي المظهر الطبيعي بشكل أكبر، اللذين اتخذا شكل خطٍ رفيعٍ ملتوٍ لأعلى، وظهرا على وجه الممثليْن دافيد سوشيه وألبرت فيني عندما جسدا شخصية بوارو في معالجاتٍ سابقة للقصة نفسها.

بدلاً من ذلك، الأمر هنا يبدو كما لو كان براناه قد فشل في أن يحسم أمره في انتقاء الشارب الملائم للشخصية من بين 6 شوارب مستعارة ذات تصميمات مختلفة، عرضها عليه الفريق المسؤول عن المكياج، ليقرر في نهاية المطاف إلصاقها واحداً تلو الآخر بالتوالي، بل وأن يلصق شارباً سابعاً تحت فمه أيضاً، لكي يضمن أنه اتخذ قراراً لا تكتنفه أي مخاطر في هذا الشأن.

ويبدو ما ينتج عن ذلك من شارب – أو ربما شوارب كثة – تظهر على وجه البطل، نموذجاً لما يتصف به الفيلم من مجازفة بلا حدود من حيث إطنابه المفرط وزخارفه وكذلك نطاقه.

في “جريمة في قطار الشرق السريع”، يحاول براناه – وهو مخرج العمل وبطله في الوقت ذاته – أن يحوّل هذه الأحُجية المعقدة التي أبدعتها قريحة كريستي إلى فيلمٍ ناجحٍ وباذخٍ ومفعمٍ بالحيوية.

ولا شك في أن هذه النزعة التي تتسم بالسخاء وتحظى بحب غالبية الجماهير، هي ما يجعل النسخة الجديدة من “جريمة في قطار الشرق السريع” ممتعةً على نحوٍ دافقٍ ومتجدد. ولكن ذلك يشكل أيضاً أحد الأسباب التي تجعل هذه المتعة تتلاشى حتى تنفد تماماً، وتؤدي إلى أن يفقد الفيلم قوته الدافعة قبل وصوله إلى مقصده.

بجانب ذلك، أضاف براناه وكاتب السيناريو مايكل غرين إلى أحداث الفيلم، بعض أعمال التحري والبوليس السري التي لم تتضمنها الرواية. فالمشاهد الافتتاحية للعمل، تُظهر بوارو وهو يتباهى ويتفاخر ببراعته في الشوارع الصاخبة لمدينة القدس في عام 1934.

وتبدو هذه المشاهد هزليةً نابضةً بالحيوية، وتُذّكِر بما تضمنته أفلام “شارلوك هولمز” التي قام غاي ريتشي ببطولتها. كما أنها تضفي مزيداً من العمق والسمت الانفعالي والعاطفي على شخصية بوارو، كما لم تفعل أيٌ من الأفلام المستوحاة من روايات أغاثا كريستي من قبل.

وبجانب كون المحقق الشهير – كما جسده براناه في العمل – كيَسّاً وعطوفاً ولطيفاً؛ فإنه كذلك مُغرماً بالإتقان والكمال إلى حد مُهلِك ومُعذِب، من حيث كونه مهووساً بالتناظر والتناسق، إلى حد أنه يشعر عندما يضع قدمه عرَضاً في كومة من الروث أو السماد، بأنه من اللازم عليه وضع القدم الثانية فيها أيضاً، وذلك نُشداناً للتماثل والتوازن.

بمجرد أن ينظف حذاءه، يتلقى استدعاءً للسفر على وجه السرعة إلى لندن، وهو ما يضطره إلى أن يحجز في اللحظات الأخيرة قبل انطلاق “قطار الشرق السريع” – أشهر القطارات الفاخرة على مر التاريخ – سريراً في إحدى مقصوراته، ليخوض رحلةً مع مجموعة من الركاب المثيرين للاهتمام.

من بين هؤلاء، راكبٌ ذو ندبة على وجهه يحمل مسدسه دائماً، ويلجأ إلى الغش والخداع لتحقيق أهدافه (جوني ديب). ويرافق هذا الرجل سكرتيره الذي يلقى منه دوماً معاملة سيئة (جوش غاد)، وكذلك خادمه الخاص أو لنقل وصيفه المتكتم (ديريك جاكوبي).

وتضم قائمة الركاب شقراء تعمل دوماً على إظهار مدى الحزم في شخصيتها عبر الصراخ والوقاحة والعجرفة، بل وتُطلق على نفسها اسم “صائدة الأزواج” (ميشيل فايفَر).

كما نرى بين الركاب أميرة روسية متغطرسة (جودي دَنِش) وخادمتها الألمانية (أوليفيا كولمان) بالإضافة إلى أستاذ جامعي نمساوي عنصري (ويليم دفاو).

وتشمل القائمة كذلك مُبشرة إسبانية (بينلوبي كروث) ومربية بريطانية مُفعمة بالحيوية (دايزي ريدلي)، وآخرين أيضاً.

وفي ظل وجود هذا العدد الكبير من الشخصيات المثيرة للاهتمام والإعجاب، والممثلين المشاهير المشاركين في العمل، يبدو من المؤسف أن أدوارهم جاءت محدودةً بالقدر الذي ظهرت عليه على الشاشة.

فرغم أن كاتب السيناريو غرين وضع على لسان كلٍ منهم عباراتٍ يكشفون من خلالها عن خلفياتهم وتوجهاتهم وميولهم السياسية، فإنه لم يتسن لأيٍ منهم أن يتفوه بأكثر من بضع جُمَلٍ حوارية، إلى حد أن الحوار الذي ورد على لسان ممثلة مثل “دَنِش”، استغرق بالقطع وقتاً أقل من ذاك الذي كرسته لارتداء الثياب الفخمة التي صورت بها المشاهد.

رغم ذلك، ثمة عناصر كثيرة في المشاهد الأولى للعمل تجعل المرء يقع في غرامها، على غرار الحركة المستمرة التي نراها سواء للكاميرا أو للقطار في تلك المرحلة، وهو ما يضخ في شرايين العمل حيويةً ونشاطاً يصيبانك بالدوار، على نحوٍ لم يكن متوافراً في نسخة الفيلم التي قدمها المخرج والمنتج وكاتب السيناريو الأمريكي سيدني لوميت عام 1974.

بجانب ذلك، لم يقدم أي فيلم سينمائي من قبل تجربة السفر في مقصورات الدرجة الأولى لقطارٍ يعود إلى عصر البخار، بالبهاء والروعة اللذين ظهرا في فيلمنا هذا، إلى حد أن الأمر يستحق بالفعل أن يشتري المرء بطاقة دخول لمشاهدة الفيلم، فقط للاستمتاع بتذوق مشاهد المناظر الطبيعية للجبال الشاهقة المحيطة بمسار القطار.

أضف إلى ذلك مشاهدة تلك الزخارف وقطع الأثاث المتألقة اللامعة المُنتمية لموجة “آرت ديكو” للتصميم الفني، وكذلك للاستماع إلى موسيقى الجاز التي توّلد إيقاعات جذابة ومؤثرة، وأيضاً لكي ينعم الإنسان بمرأى مشاهد تقديم الطعام التي تُسيل اللعاب. الاستثناء الوحيد هنا يتمثل في توظيف منتجٍ لم يبد ملائماً لشركة شوكولاتة، يُخلّف تناوله مذاقاً كريهاً في الفم.

وهنا تقع جريمة القتل؛ بعبارة أخرى عملية الطعن التي تحدث قبيل اضطرار القطار إلى التوقف بفعل تكدس الثلج جراء الرياح العاتية. وبينما تُصوّر الرواية الأمر على أنه مجرد تراكمٍ للثلوج بسبب العواصف، يصوّره الفيلم على نحو أكثر دراماتيكية بطبيعة الحال، إذ يضرب لسانٌ من البرق الجليد ليُحْدِثَ انهياراً ثلجياً مدوياً، ما يُخْرِجَ “قطار الشرق السريع” عن مساره. ولا أغالي هنا إن قلت إن الفيلم كله يخرج في تلك اللحظات عن سكته بدوره، ولكن ربما دون أن يتسنى له أن يعود للانطلاق بسرعته السابقة بعد ذلك أبداً.

وقد يكون تراجع الزخم هذا مَثّلَ أمراً حتمياً. ففي الرواية والفيلم، لا يعدو كل ما يحدث بعد وقوع الجريمة سوى قبول بوارو التحقيق فيها، ومن ثم الحديث إلى الركاب الباقين واحداً تلو الآخر، وهو أمرٌ غير جذاب للغاية من الوجهة السينمائية.

ومما يزيد الطين بلة أن محاولات براناه لإقناعنا بعكس ذلك، لا تؤدي سوى إلى زيادة الأمر سوءاً. فالرجل يجعل الاستجوابات تجري في أجزاءٍ مختلفة من القطار، كما يجول بالكاميرا في خارجه، ويضيف مشهد مطاردة لا مبرر له، بجانب بعض المشاهد المثيرة للضحك التي يظهر فيها سلاحٍ ناري وأحد الخناجر.

وبينما يمكن للمرء تفهم الأسباب التي جعلت “براناه” يرغب في إسباغ المزيد من الطابع الخطر والعنيف على المشاهد، فبمقدوره كذلك أن يرى التغييرات التي أدخلها في هذا السياق على حقيقتها، وهي أنها مجرد وسائل لخدمة أغراض الرجل في إكساب العمل مزيداً من الإثارة، دون أن يكون لها أي صلة بالقصة.

وربما كان سيصبح من الأفضل لـ”براناه” التركيز على عمل ما يُعرف بـ”الخلايا الرمادية الصغيرة” الشهيرة التي يمتلكها بوارو، في إشارة إلى خلايا دماغه بطبيعة الحال، وكذلك جعل تلك “الخلايا” نفسها لدى المشاهدين تعمل بدورها.

لعل متعة قراءة الرواية تنبع من رصد القارئ للقرائن الخاصة بالجريمة والتعرف عليها، ثم الشعور بالعجب والاندهاش حيال الاستدلالات التي يخلص إليها البطل بمرور الأحداث.

لكن المشكلة تتمثل في أن القائمين على العمل السينمائي يتعاملون بعجلة مع العديد من هذه القرائن أو يغفلونها تماماً. ويبلغ الأمر حد عجز بوارو عن التوصل إلى حلٍ للقضية بناءً على الأدلة التي عُرِضتْ علينا خلال أحداث الفيلم، وهو ما يجعله يلجأ إلى مزيجٍ ما بين التخمين الجامح والصراخ الغاضب بشدة.

وبالطبع، يكرس براناه كل جهوده لهذا الصراخ والصياح. فـ “بوارو” – كما يجسد شخصيته في الفيلم – يظهر أكثر انزعاجاً واضطراباً بسبب الجريمة، من نظيره الذي نطالع قصته بين دفتي الرواية. وبشكلٍ عام، تتسم شخصية بوارو في الفيلم بطابعٍ ثري ومسليٍ وساحر، بقدرٍ يجعل المرء يأمل في أن تظهر مرة أخرى في جزءٍ ثانٍ للفيلم كما بدا في تلميح له في المشهد الأخير لـ”جريمة في قطار الشرق السريع”.

لكن لا يحول ذلك دون التأكيد على أنه كان من الخطأ أن يتعامل العمل السينمائي بتسرعٍ مع تفاصيل القضية. فقصص كريستي التي يدور السؤال الأهم فيها حول “من فعلها؟” – أي الجريمة – تحظى بالإعجاب والحب من الجماهير، نظراً لما تنطوي عليه من حبكات مُحكمة ومبتكرة وبارعة، وليس لأنها تحكي عن رجالٍ بشوارب كثيفة، يعدون غاضبين فوق الثلوج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق