العرب والعالم

جزيرة الوراق… بين حقوق “الغلابة” وأطماع المستثمرين

“هناك جزيرة موجودة في وسط النيل، مساحتها أكثر من 1250 ألف فدان، ولن اذكر، بدأت العشوائيات تنمو فيها، والناس تبني عليها بوضع اليد… هذه الجزر التي أتحدث عنها يجب أن تحتل الأولوية في التعامل معها”. ما قاله السيسي، خلال مؤتمر إزالة العدّيات على الأراضي العمومية، منذ قرابة الشهر، كان بمثابة الضوء الأخضر للحكومة المصرية، للتعامل مع جزيرة الوراق.

بالأمس، وقعت المواجهة المتوقعة، بين قوات الأمن  المصرية، وأهالي الجزيرة النيلية، ما ادى الى مقتل شخص ووقوع اصابات من الجانبين، بحسب وزارتي الداخلية والصحة المصريتين.

وقالت وزارة الداخلية إنّ قوة أمنية توجهت الى جزيرة الوراق، في شمال القاهرة الكبرى، لكنها “فوجئت بقيام البعض من المعتدين بالتجمهر والاعتراض على تنفيذ قرارات الإزالة”.

ووفقاً للرواية الرسمية، فإن عدداً من أهالي الجزيرة “قاموا بالتعدي على القوات بإطلاق أعيرة الخرطوش ورشقها بالحجارة، ما دفع بالقوات إلى إطلاق الغازات المسيلة للدموع لتفريق المتجمعين، والسيطرة على الموقف، ونتج عن ذلك إصابة 31 من رجال الشرطة”.

وبحسب وزارة الصحة المصرية، فإن المواجهات أدّت إلى وفاة مواطن، وإصابة  19 آخرين.

رد الفعل الشعبي الغاضب على حملة إزالة التعدّيات، التي نفذتها وزارة الداخلية، على طريقتها المثيرة للانتقادات، قد أدّى، على ما يبدو، إلى تأجيل خطة الإزالة إلى أجل غير مسمّى، ولكن التوقعات تشير إلى أن المواجهة لن تنتهي، إلا في حال اتخذت الحكومة المصرية ما يلزم من إجراءات، تراعي الجانب الإنساني لآلاف السكان ممن لا يملكون مكاناً آخر يأويهم.

بذلك، تبدو جزيرة الوراق أمام فصل جديد من أزمة بدأت منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وتتجدد اليوم، في ظل سعي الحكومة المصرية لتنفيذ خطة اخلاءات واسعة، تشمل الكثير من المناطق على امتداد المحافظات المصرية، بما في ذلك منطقة وسط القاهرة.

وتقع جزيرة الوراق، بين محافظة القليوبية في الشمال والقاهرة من الشرق والجيزة من الجنوب، وهي تتبع محافظة الجيزة إدارياً. وهي الوراق، من أكبر الجزر النيلية، إذ تقع على مساحة 1700 فدان، ويسكنها حوالى 90 ألف مواطن، يعتمدون بمعظمهم على الزراعة والصيد كمصدر دخل رئيسي لهم.

وفي السابق كانت جزيرة الوراق تتميز بزراعتها المزدهرة، حتى بدأت تظهر التجمعات السكانية بشكل عشوائي، نتيجة تحوّلات ديموغرافية، شهدتها مصر طوال عقود خلت.

وفي موازاة ذلك، باتت الجزيرة محطّ أنظار رجال الأعمال، الذين رأوا فيها مكاناً مناسباً لإقامة مشاريع مربحة، تتراوح ما بين انشاء فنادق سياحية، وابراج سكنية.

ومن شأن ذلك أن يحوّل الورّاق، بشكل نهائي، من رقعة زراعية إلى رقعة بنائية، خصوصاً أن موقعها المتميز يجعلها نقطة جذب لاستشمارات داخلي وخارجي، وذلك اما باخلاء ساكنيها، أو شراء مساحات شاسعة في مناطق متفرقة واستغلالها.

الجزيرة النيلية كانت ميداناً لمعارك مستمرة ومتجددة، بين الدولة المصرية وسكانها، إذ يحاول كل طرف منهما، إثبات أحقيته وملكيته لها، ما بين سندات ملكية، وأوراق حكومية، وأحكام قضائية.

وبدأت تلك المعارك في العام 2002، حين أصدرت الحكومة المصرية – برئاسة عاطف عبيد – قراراً قضى بدخول جزيرة الوراق، التي تعرف أيضاً باسم “بين البحرين”، في ملكية الدولة، ولكن القرار ألغي، في العام ذاته، بعد صدور حكم من القضاء الاداري، يقول محامو الأهالي إنه “يثبت حقهم في البقاء” على الجزيرة.

في تلك الفترة، أشارت وسائل إعلام مستقلة إلى أن إصرار الحكومة المصرية على الاستحواذ على جزيرة الوراق، خلفيته صفقة يرغب علاء مبارك، الابن الأكبر الرئيس المخلوع حسني مبارك، في إبرامها مع الأمير السعودي الوليد بن طلال.

قبل ذلك، بسبعة أعوام، أصدرت حكومة كمال الجنزوري قراراً حوّلت بموجبه جزيرة الورّاق إلى “محمية طبيعية”.

وبالرغم من أن الهدف من القرار الحكومي، كما أعلن حينها، كان المحافظة على الطابع الزراعي للجزيرة، إلا أنه أتى بنتائج عكسية، إذ فاقم المشاكل الحياتية، بحيث بات من الصعب – لا بل من المستحيل – الاستحصال على ما يلزم من تراخيص لتأمين المستلزمات الأساسية للسكان، بما في ذلك شبكات الصرف الصحي، ما فاقم الوضع العشوائي لهذه البقعة المأهولة.

ويحظر تماماً دخول مواد البناء إلى الجزيرة، بناء على تعليمات من محافظة الجيزة، لأنه لا توجد تراخيص بناء فيها، ولكونها ليست ضمن المخطط التفصيلي للمحافظة، حسبما ما قال محمد نور، رئيس حى الوراق، في تصريحات صحافية.

وحتى الآن فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى الوراق هي المعدّيات النيلية، لعدم وجود جسر بربطها بمناطق أخرى مجاورة، فيما شبكة المواصلات داخل  الجزيرة منعدمة، ما يكاد يجعل الـ”توك توك”  وسيلة النقل الوحيدة المتاحة.

محاولات السيطرة على جزيرة الوراق تجددت في العام 2010، في ظل حكومة أحمد نظيف، إلى أن جاءت “ثورة 25 يناير”، التي أطاحت بحكم حسني مبارك، وعطّلت كافة المشاريع المخططات المشابهة.

وقبل أشهر، عادت الوراق إلى دائرة القلق، حين بدأ الأهالي يتحدثون عن زيارات لنواب، تهدف إلى اقناعهم بالرحيل، في مقابل تعويضات مالية، إلى أن جاءت التوجيهات الجديدة من قبل رئيس الحكومة المصرية، بتسريع العمل على خطة الاخلاءات، وذلك بعد حديث السيسي عن الوضع غير القانوني للجزر النيلية.

ويدور الحديث في هذا الإطار عن خطة شاملة لاستعادة أراضي الدولة.

وتقول الحكومة المصرية إن إجمالي مساحة أراضي الدولة المتعدى عليها في جميع محافظات مصر، تقارب 1,9 مليون فدان في النطاق الزراعي، بالإضافة الى 168 مليون متر مربع في نطاق المباني.

ووفقاً لهيئة الرقابة الادارية فقد تم استرداد 919.4 ألف فدان من الاراضي الزراعية، ويجري العمل على تسوية اوضاع 771 الف فدان اخرى، لكونها  مزروعة، في حين تمت استعادة 53 مليون متر مربع من اراضي البناء، ويجري العمل على تسوية اوضاع 65 مليون متر مربع اقيمت عليها مباني مأهولة.

وبحسب إحصاءات الحكومة المصرية، فإن إجمالي مساحة أراضي الدولة المتعدى عليها في جميع محافظات مصر، تقارب 1,9 مليون فدان في النطاق الزراعي، بالإضافة الى 168 مليون متر مربع في نطاق المباني.

ووفقاً لهيئة الرقابة الادارية فقد تم استرداد 919.4 ألف فدان من الاراضي الزراعية، ويجري العمل على تسوية اوضاع 771 الف فدان اخرى، لكونها  مزروعة، في حين تمت استعادة 53 مليون متر مربع من اراضي البناء، ويجري العمل على تسوية اوضاع 65 مليون متر مربع اقيمت عليها مباني مأهولة.

و بعد حديث الرئيس السيسي عن الجزيرة، وجد من كانوا يريدون الجزيرة قبل “ثورة 25 يناير” ضالتهم، وتوجه بعض النواب للأهالي، زاعمين أنهم يرغبون  في حل مشاكلهم، ولكن الحقيقة أنهم بدأوا مشوار إقناعهم بترك الجزيرة، وإخلائها، أملاً في إحياء مشروع استثماري اجهضته الثورة، حسبما يقول بعض السكان.

ووفقاً لروايات أهالي الجزيرة فإنه منذ سنة تقريبًا، بدأ بناء جسر دائري على أرض الجزيرة، وقد نظروا إلى الأمر باعتباره مؤشراً إلى عملية انتزاع الجزيرة من القاطنين فيها. وبالفعل، فقد تم هدم بعض البيوت، واخلاء بعض الأراضي من دون دفع تعويضات، وقد قوبل ذلك وقتها بتظاهرات من أهل الجزيرة، ولكنها ظلت محدودة، إذ تم إقناع المحتجين بالتراجع وهو ما حدث بالفعل. ويوم أمس، فوجئ الأهالي بقوة كبيرة جداً من وزارة الداخلية تقتحم الجزيرة للقيام بعمليات هدم، ما استدعى تحرّكاً مضاداً أكثر شراسة.

وإذا كانت أحداث الأمس، قد عكست صعوبة في التعامل مع السكان الغاضبين، إلا أن ثمة جوانب قانونية أكثر تعقيداً، في ما يتعلق بوضع جزيرة الوراق بالذات.

وبحسب تصريحات صحافية منسوبة إلى أحد الأهالي، ويدعى يحيى المغربي (72 عاماً)، وقد شغل منصب رئيس المجلس المحلي لجزيرة الوراق بين العامين 1995 و2011، فإن الدولة المصرية لا تلك شوى 60 فداناً، من إجمالي مساحة الجزيرة (1700 فدان)، وأنّ ما تبقى هو “ملكية خاصة مسجلة ومُشهرة للناس ولا يجوز الاعتداء على حرمتها بموجب الدستور والقانون”.

بدوره، قال يحيى الشحات، وهو رئيس مجلس محلي سابق وأحد سكان الجزيرة، في تصريحات صحافية، إنّ “الدولة تتعامل مع الجزيرة على أنها بالكامل أملاك دولة، في حين أن لدى الأهالي مستندات تؤكد ملكيتهم للجزيرة، وأن الدولة لا تمتلك سوى 60 فداناً فقط، بينها 30 فداناً تابعين لوزارة الأوقاف، وقامت بتأجيرها إلى الفلاحين، و30 أخرى، استأجرها الأهالى بحق الانتفاع”.

ويوم الاحد الماضي، قالت وسائل إعلام مصرية إن عضوا مجلس النواب عن دائرة أوسيم والوراق محمود الصعيدي، وأحمد يوسف، اجتمعا مع عدد من أهالى جزيرة الوراق بالجيزة، حيث جرى الاتفاق على تقديم بيان عاجل إلى البرلمان بشأن القضية، بالإضافة إلى مذكرة بتفاصيل الأزمة إلى رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزير التنمية المحلية، ومحافظ الجيزة، وذلك لتوضيح حقيقة ملكية الأهالى للأرض، وتكذيب سرقتهم لأراضي الدولة ووضع اليد.

قال النائب محمود الصعيدي إن  وضع الجزيرة غريب للغاية حيث أنه على الورق تعتبر محمية طبيعة، ولكن على أرض الواقع فهي قرية بجميع المقومات المعروفة وفيها مدارس ووحدة صحية ووحدة شؤون اجتماعية.

وأضاف أنه كان الحديث يدور عن منطقة استثمارات على النيل فلا مانع، إذ من شأن هذه المشاريع ستحل مشاكل أهالي الجزيرة.

وبالرغم من أن كلام الصعيدي يبدو منطقياً، إلا أن ثمة من يشكك في النوايا، خصوصاً أن زيارة عضوي البرلمان إلى جزيرة الورّاق جاءت أصلاً بهدف إقناع الأهالي بالرحيل، حسبما يقول بعضهم.

وفي الواقع، فإنّ الوضع القانون لجزيرة الوراق، كان موضع جدل متجدد، خلال الأيام الماضية، إذ سعد بدير، أمين سر لجنة الإدارة المحلية في مجلس النواب، طلب إحاطة لوزير البيئة الدكتور خالد فهمي، أوضح فيه أن الأهالى يقطنون الجزيرة منذ أكثر مـــن 160 عاماً، ولديهم مـــن الأوراق ما يثبت ملكيتهم هذه المباني، فضلاً عن تمتع الجزيرة بكافة المرافق وسبل الإعاشة.

ولكن محمد نور، رئيس حي الوراق، يقول إن جميع المباني التي تم إنشاؤها على أرض الجزيرة غير مرخصة، وأن وجود مواد البناء على أرضها مخالف للقانون وفقاً لتعليمات المحافظة، مشيراً إلي أن جميع المباني التي تقع على ضفاف النيل باتت مصدراً لتلوث المياه، ولا توجد فيها مرافق صرف صحي ولا كهرباء ومياه.

بدوره، قال حامد الجمل، رئيس مجلس الدولة الأسبق، في تصريحات إلى موقع “الوفد”، أنه بموجب قرار الحكومة بشن حملات إزالة لجميع المباني على ضفاف النيل، كونها من ملكية الدولة، فإن جميع عقود الملكية التي في حوزة الأهالي تصبح مخالفة للقانون.

ولكن وليد أحمد، وهو محام مقيم في الجزيرة، قال للموقع ذاته، إن القانون لن يسمح بتهجير الأهالي، طبقاً للمادة 15 مـــن قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 30 مـــن الدستور التي تنص على أنه لا يجوز تهجير أي أحد أو إخلائه مـــن سكنه، وأوضح أن هناك ملكيات مسجلة فـــى جزيرة الوراق منذ عام 1905 وإلى اليوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق