دنيا

حكاية الأول من أيار … “يوم العمال” وليس “عيد العمل”

تحيي شعوب العالم “يوم العمال” الذي يشكل محطة متجددة للتعبير عن القضايا المحقة لعمال العالم، وللتذكير بحقوقهم، التي انتزعوا بعضها من خلال مسيرة نضالية، امتدت لأكثر من قرن، فيما لا يزال بعضها الآخر رهن بصراع يزداد ضراوة بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية.

وأما اختيار الأول من أيار/مايو يوماً عالمياً للعمال فله قصته، المرتبطة بواحدة من أكثر الأحداث دموية في الصراع المرير الذي خاضه عمال العالم، ضد مستغلّيهم، والمستمر بأشكال مختلفة بين بلد وآخر.

وقبل الحديث عن حكاية الأول من أيار، ثمة ملاحظة لا بد من التطرق إليها، وتتعلق بالتسمية، حيث يصرّ البعض على استخدام عبارة “عيد العمل” بدلاً من “عيد العمال” أو “يوم العمال”. وليس الأمر  هنا مجرّد تسمية شكلية، لا سيما أن عبارة “عيد العمل” غالباً ما تستخدمها الأحزاب اليمينية، بشكل عام، لإفراغ المناسبة من رمزيتها، المتمثلة في كون الأول من أيار/مايو محطة سنوية للتذكير بالتضحيات التي قدّمها عمّال العالم.

ولعلّ حكاية الأول امن أيار نفسها خير تعبير عن ذلك.

في الواقع، كانت بداية عيد العمال يوم 21 نيسان/ابريل 1856 في أستراليا، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وفي تورونتو الكندية حضر زعيم العمال الأميركي بيتر ماكغواير احتفالا بعيد العمال، فنقل الفكرة، وتم أحياء أول عيد للعمال في الولايات المتحدة، في الخامس من ايلول/سبتمبر 1882 في مدينة نيويورك.

ولكن ثمة حادثة تاريخية، مرتبطة بالنضال العمالي، وقعت في مدينة شيكاغو الأميركية، حملت رمزية كبيرة، وجعلت الأول من أيار/مايو يوماً عالمياً للعمال، وهي تعرف باسم “مجزرة هايماركت”.

فمع تطور الحركة النقابية الأميركية، نجحت مجموعة من القيادات النقابية في تكوين هيئة قومية للعمال، عرفت باسم “الاتحاد الأميركي للعمل”، الذي تبنى دعوة لاعتبار الأول من أيار/مايو العام 1886، يوماً للإضراب العام من أجل مطلب يوم العمل ذي الثماني ساعات فى جميع الصناعات.

وجاء أول مايو/مايو 1886 ليشهد أكبر عدد من الاضرابات العمالية فى يوم واحد فى تاريخ الولايات المتحدة، حيث وصل عدد الاضرابات التي أعلنت في هذا اليوم، إلى نحو خمسة آلاف إضراب، واشترك في التظاهرات حوالي 350 ألف عامل، وكان الشعار المطلبي المشترك لأحداث هذا اليوم هو “من اليوم ليس على أي عامل أن يعمل أكثر من ثماني ساعات”.

وفي مدينة شيكاغو احتفل العمال وتظاهروا في أول أيار/مايو لتخفيض ساعات العمل وكان شعارهم (ثماني ساعات للعمل- ثماني ساعات راحة- ثماني ساعات نوم).

وفي يوم الثالث من أيار/مايو تجمع عمال شركة “ما كورميك” للآلآت الزراعية، وكانوا مضربين عن العمل منذ شهور بسبب تخفيض الأجور، أمام المصنع، وألقى أحد القيادات العمالية البارزة، ويدعى أوغست سبانيز خطاباً. وأثناء إلقائه الخطاب، اندس عدد من عملاء صاحب المصنع، واشتبكوا بعنف مع العمال، وسرعان ما تدخلت قوات الشرطة، فلقي عامل من العمال المضربين مصرعه.

وفي اليوم التالي، عقد العمال مؤتمراً في ميدان هايماكرت في شيكاغو للاحتجاج على وحشية الشرطة.

وبدأ المؤتمر العمالي بحضور نحو 1300 عامل. وكان عمدة شيكاغو قد حضر جزءاً من المؤتمر العمالي، ثم انصرف، بعدما تأكد من سلمية التحرّك، ولكن تطوراً حدث في نهاية الاجتماع، إذ وقعت بعض المشادات، فاقتحمت قوات الشرطة المؤتمر العمالي، وبدأت تأمر بفضه، وسرعان ما تحول الوضع إلى مواجهات دامية  قُتل فيها أربعة من العمال، وأصيب مئة آخرون، في حين قتل سبعة من رجال الأمن حينما ألقى مجهول قنبلة في وسط الجلبة.

وتعرض خلال الليلة التالية عمال شيكاغو لحملة إرهابية وقمعية غير مسبوقة من قبل الشرطة، وأصحاب الأعمال، تضمنت مداهمة البيوت والتفتيش وحملات اعتقال واسعة النطاق.

وأسفرت الحملة عن إلقاء القبض على ثمانية من القادة العماليين، بتهمة “التآمر”، وجرت محاكمتهم بصورة عاجلة في جو من الإرهاب. وأصدر القاضي الذى كان في الوقت ذاته، رئيس إدارة شركة الصلب الأميركية، التي كان عمالها من المشاركين في إضرابات أول أيار/مايو، حكما بالإعدام بحق سبعة من القيادات العمالية، فيما حكم على الثامن بالسجن لمدة خمسة عشرة عاماً.

واستبدل حاكم ايلينوي عقوبة الاعدام بحق اثنين من المحكومين، بعقوبة السجن المؤبد، فيما انتحر آخر خلال فترة حبسه.

وفي الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر العام 1887 نفذ حكم الإعدام في أربعة منهم، وهم أوغست سبياز، وأدولف فيشر، والبرت بارسونز، وجورج انجيل.

وخلال تنفيذ حكم الاعدام، كانت زوجة اغست سبايز تقرأ خطاباً كتبه زوجها لابنه الصغير جيم، وجاء فيه: “ولدي الصغير عندما تكبر وتصبح شابا وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت . ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء. وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت وعندما تكبر ستفخر بأبيك وتحكى قصته لأصدقائك.

وقد ظهرت حقيقة الجهة التي رمت القنبلة عندما اعترف أحد عناصر الأمن بأن من رمى القنبلة كان أحد عناصر الشرطة أنفسهم.

وبعد مقتل عمال على أيدي الجيش الأميركي، في ما عرف بإضراب بولمان في العام 1894، سعى الرئيس الأميركي غروفر كليفلاند لمصالحة مع حزب العمل، كان يفترض أن تتضمن تشريعاً لعيد العمال، وإعلانه إجازة رسمية. ولكن الرئيس الأميركي تردد في ذلك، بسبب قلقه من تقارب اليوم الدولي للعمال مع ذكرى هايماركت في الرابع مايو/أيار 1886.

خارج حدود أميركا

تجاوزت مجزرة هايماركت حدود الولايات المتحدة، وبلغ صداها عمال العالم، وأحيا المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية ذكراها في العاصمة الفرنسية باريس في العام 1889، وتمت الدعوة غلى تظاهرات عالمية لإحياء ذكرى هايماركت عام 1890.

وفي العام التالي، اعترفت الأممية الاشتراكية في مؤتمرها الثاني بعيد العمال حدثاً سنوياً.

وفي العام 1904 دعا اجتماع مؤتمر الاشتراكية الدولية في أمستردام جميع المنظمات والنقابات العمالية وخاصة الاشتراكية منها في جميع أنحاء العالم إلى عدم العمل في الأول من مايو/أيار من كل عام، وتم السعي لجعله يوم إجازة رسمية في عشرات الدول.

الجدير بالذكر أن الأحزاب الاشتراكية، في ذلك الوقت، لم تكن تراهن على نجاح فكرة تحديد يوم للعمال، لا سيما في ظل الخلافات داخل الحركة الاشتراكية حول طبيعة التظاهرات، فكان هناك اتجاه يساري يرى ضرورة أن تتم المظاهرات في يوم الأول من مايو نفسه ، وبما أن ذلك اليوم كان يوافق يوم عمل في العام 1890 فإن التظاهرات كانت بالتالي تمثل إضراباً شاملاً عن العمل في ذلك اليوم. أما التيار الإصلاحي، فكان يرى أن التظاهرات يجب أن تتم في أول يوم عطلة يلي الأول من أيار/مايو، حتى لا تشكل المناسبة إضراباً عن العمل.

وخرج الاتجاه اليسارى منتصراً حيث خرجت التظاهرات في الأول من أيار/مايو وشكلت بالتالي إضرابا عن العمل واسع النطاق.

ولعل ما حدث تظاهرات في أول أيار/مايو العام 1890 فاق كل التوقعات، إذ خرج مئات الآلاف في تظاهرات حاشدة لإحياء يوم العمال العالمي، ولا سيما في لندن وفيينا، وقد كان أحد أسباب ذلك هو التوقيت من الناحية السياسية، إذ تزامنت تلك اللحظة السياسية مع انتصارات مهمة للحركة العمالية وتقدم كبير فى وعي وثقة الطبقة العاملة الأوروبية، ففي بريطانيا، تكونت موجة جديدة من النقابات إثر الاضراب الضخم لعمال الموانىء في العام 1889.  وفي ألمانيا حقق الاشتراكيون انتصاراً مهماً حين رفض البرلمان الإبقاء على قوانين بيز مارك المناهضة للاشتراكية.

ومن هنا تنبهت البرجوازيات الحاكمة لخطورة هذا الاحتفال العمالي، ولم يكن من الممكن مواجهة الأول من أيار/مايو بالقمع أو المنع، فبدأت في اللجوء لسياسات استيعاب حيث راحت الحكومات، واحدة تلو الأخرى، تعتبر الأول من أيار/مايو عطلة رسمية، وبدأت فى الاحتفال به بشكل رسمي، سواء تحت مسمى يوم العمال العالمي أو عيد العمل، مع الإشارة إلى أن أول حكومة تحتفل رسميا بالأول من أيار/مايو بعد الاتحاد السوفياتي كانت المانيا النازية.

وفي عام 1955 باركت الكنيسة الكاثوليكية الأول من أيار/مايو عيداً للعمال، واعتبرت القديس يوسف شفيعاً للعمال والحرفيين.

وأما الولايات المتحدة فأبقت بداية على تقليدها القديم، واعتبرت أول يوم اثنين من شهر أيلول/سبتمبر من كل عام عيدا للعمل، وكذلك الأمر في كندا. ومع ذلك، تمسك الاشتراكيون والشيوعيون الأميركيون بإحياء يوم الأول من أيار/مايو وتنظيم تظاهرات ومسيرات في شيكاغو ونيويورك وسياتل وغيرها.

وفي عام 1958 اعتبر الكونغرس الأميركي الأول من أيار/مايو يوم وفاء لذكرى هايماركت، خاصة بعدما حظي هذا اليوم بالتقدير من دول عديدة، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي. وأعلن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور الأول من أيار/مايو يوم إجازة رسمية، وكانت مناسبة للتعبير في تظاهرات و مسيرات عن مواقف تتعلق بقضايا سياسية واجتماعية، من قبيل مسيرة دعم حقوق العمال الذين لا يحملون وثائق في الولايات المتحدة، ورفض استمرار الحرب في العراق، والاحتجاج على حالة الاقتصاد الأميركي وعدم المساواة الاقتصادية، كما حصل في الأول من أيار/مايو العام 2012 عندما تم احتلال ساحة وول ستريت.

عيد العمال في العالم العربي

وفي العالم العربي، يشير المؤرخون، ومن بينهم يوسف ابراهيم يزبك، أن اول احتفال بيوم العمال العالمي جرى في لبنان، ففي العام 1907، إلتأم شمل عدد من العمال في بلدة انطلياس (شمال بيروت)، وبعض عمال شركة مياه بيروت في بلدة الضبيه المجاورة، في تظاهرة انطلقت من بساتين الليمون باتجاه مركز شركة مياه بيروت. وكان المشاركون في التظاهرة يرددون الاناشيد، كما ألقى بعضهم كلمات تدعو الى التضامن العمالي، ويقال أنهم زرعوا في بلدة الضبيه لوحة تحمل شعار  “شجرة الحرية”.

وتزامناً مع ذلك، احتفل عدد من المثقفين المتأثرين بالافكار الاشتراكية، بالأول من أيار، عند صخرة الروشة في بيروت، وهم خير الله خير الله ومصطفى الغلاييني وداود مجاعص وفيلكس فارس وجرجي نقولا باز، بعيداً عن عيون المخبرين، ووزعوا الشارات الحمراء، وعلقوها على صدورهم.

وفي العام 1921، جرت محاولة لاحياء يوم العمال العالمي في بيروت، لكن سلطات الاستعمار الفرنسي قمعتها بشكل دموي.

وفي العام 1923، قررت جمعية عمال الدخان في بكفيا (شمال بيروت) الاحتفال بعيد العمال العالمي، وذلك في أحد “الاحراش على ضفاف نهر الكلب.

وفي العام 1925، تم احياء عيد العمال العالمي في سينما كريستال في بيروت، وذلك بدعوة من “حزب الشعب اللبناني”، الواجهة العلنية للحزب الشيوعي في لبنان. وقد اشارت إلى هذا الاحتفال جريدة الكومنترن “المراسلات الاممية” حيث كتبت: “في الاول من ايار 1925 جرت تظاهرات العمال في الشوارع وعقدت الاجتماعات في البيوت ورفعت الاعلام الحمراء رمز نضال الطبقة العاملة، وفي العام ذاته امتدت احتفالات اول ايار الى بعض المدن اللبنانية مثل زحلة وضهور الشوير وغيرهما”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق