آراء وترجمات

حماقة المستبد العربي حين يراهن على ترامب !

أزمة المستبد العربي،  في أغلب الأحيان، أنه لا يملك مؤهلات مسبقة لحكم بلاده. هو على رأس السلطة، إما بالصدفة، أو بمؤامرة، أو بوراثة ، أو لترتيبات قدرية، أو تاريخية أخرى، جعلته أمام شعوب يتفشى لديها الفقر، والجهل، والطائفية،  فتراه بمثابة المخلص،  أو المنقذ، أو الخيار الوحيد.

وبالمثل، فهذا المستبد العربي، لا يملك ما يؤهله لتحليل، أو توقع، أو استشراف المستقبل، بناء على نظرة، أو نظرية سياسية أبعد، فلا هو صاحب خبرة، أو تجربة سياسية طويلة،  ولا هو ابن مدرسة حزبية، ولا لمستشاريه،  أو لرجاله من مضموني الولاء ضمن بدائرته الضيقة، من حيثية،  سوى ترتيبات قدرية شبيهة، أو مرتبطة بتلك التي ساقت به الى الحكم.

وهكذا، حينما “يراهن” هذا المستبد، داخلياً أو خارجياً – من دون خبرة أو قرأة للتاريخ – فهو يراهن  بكل ما يملك، بما في ذلك مصلحة شعبه،  وهو أسير لنوازع استبدادية مجرّدة، بعيدة عن أي حسبة سياسية عاقلة، حيث الحافز  والمحرك هو غريزة البقاء السياسي فقط، في مواجهة شرعية داخلية مهدده بالتآكل والنقصان في الداخل – يوما بعد يوم- بفعل الاستبداد واللاقانون ومعيار الولاء  والصوت الواحد وقمع الخصوم.

لذا فإن معظم محللي السياسة الخارجية  يكونون  أمام صعوبة  في محاولة تفسير  خيارات أو توجهات  السياسية الخارجية في بعض  بلدان الاستبداد العربي، التي لا تعرف سوى قرار الحاكم الفرد،  كونها تبدو كتفصيلات لا تستطيع أن تميز معها أية مساحة فاصلة ما بين أمن الشعب وأمن الحاكم الخاص، الذي يظل  يعاني من هوس بشرعيته، ونقص سياسي يلازمه كـ”تروما”  منذ تنصيبه وحتي رحيله (سجناً او نفياً او موتاً)، ولا تقلل من حدّتها أية اقتراعات أو قاعدة حلفاء داخلية مهما ضاقت أو اتسعت.

وهكذا يبدو مفهوماً، حين  كان دونالد ترامب مرشحا للرئاسة الأميركية،   لماذا “راهن” عليه كثر من هؤلاء المستبدين  إلى أقصى درجة و”عمياني”، وقد تنافسوا في خطب ود الحليف الجديد، متوقعين من هذا الرجل، الذي يحبذ إستخدام تقنية  “التهديد بالغرق” (تقنية تعذيب) لانتزاع الاعترافات ،  ألا يُمانع إن أغرقوا هم معارضيهم أمام الكاميرات.

هنا، اختفت لدى كل هؤلاء، وعلى الفور، النظريات القومية الرثة، التي يتسدعيها أي حاكم عربي مستبد لإرهاب شعبه، حول ” المؤامرة الأميركية”، والشرق الاوسط الجديد”، و”تقسيم المنطقة الى دويلات”، و “سايكس- بيكو”، وقد حلت محلها  على النقيض مصطلحات ليبرالية متعولمة عن”الصداقة”، “التعاون”، و”العلاقات التاريخية”، والتحالفات الاستراتيجية”، و”الجهود الدولية” ، و”العمل المشترك”.

وبحماقة شديدة ، فإن تلك العينة من المستبدين، لم تفكر في أنها أمام شخصية سايكوباتية، تحركها نوازع يمينية شديدة التطرف،  ستكون في الغالب حادة وحدية الطباع والخيارت، وعنيفة التقلب، وقليلة المناورة، وصادمة في ردود الفعل، تزدريهم بمنطق  تفوق الرجل الأبيض  قبل أن تزدري خصومهم الداخليين، وسوف تتعامل معهم بمنطق السكرتارية، التي قد يلحق بها العقاب الشديد إن لم  يكونوا على قدر وسرعة الاستجابة المتوقعة ، أو الالتزام بخطوط محددة سلفاً.

وتحت تأثير متلازمة الاستبداد  تلك، لم يفكر هؤلاء  حتى في إمكانية الحفاظ على استبدادهم بمنطق رشيد،  أو أن مرشحة مثل هيلاري كلينتون،  قد تكون أفيد لاستبدادهم وأضمن بكثير من ترامب. تلك المرأة المترددة، تعطي دوراً أكبر للمؤسسات، وتفضل المناورة،  بما يعطي هؤلاء المستبدين، في المقابل، مساحة مناورة أكبر معها، حتي لو كانت الكلفة أن تطلق في وجهمم كلمتين عن الديمقراطية والاصلاح ، من منطق ذر الرماد في العيون، وينتهي الامر هنا.

ولكن المستبد العربي المملتئ غروراً، و الذي يبحث عن إشادة دائمة، لا يطيق أن ينتقص منه أحد، أو يوبخه ولو شكلياً، أو يذكره بحقيقته خاصة على الملأ.

 وهكذا، لم يفكر اي منهم مثلا في أن كلينتون،  التي وقفت داخل مجلس الامن القومي الأميركي  تعارض القبول الأميركي بالاطاحة بحسني مبارك، وتحذر من صعود الإسلاميين في المنطقة،  ستكون أقرب إليهم وأضمن من رئيس مثل ترامب.

وهكذا كانت سمات الإعجاب المتبادل،  بين ترامب (مرشحاً أو رئيساً) ، وبين معظم  مستبدي المنطقة  العربية في أوجها منذ اللحظة الاولى،  فقد تصورا أن وقوفهم خلف ترامب  سياسياً –  أو حتى في مكتبه –  تعني أن  حكمهم أصبح آمناً ، حتى من النقد الشكلي. ويشمل ذلك الرئيس السوري بشار الاسد، الذي شنت أميركا قبل يومين، ضربة بـ 59 صاروخا موجهاً، من طراز “توماهوك”، ضد أحد مطاراته، على خلفية مزاعم باستخدامه “أسلحة كيميائية” ضد شعبه، هو نفسه الذي سبق أن وصف ترامب بصاحب “الكلام الرائع”.

هنا تبدوا أزمة بشار الأسد – وكنموذج لغيره- ، أنه لم يدرك أن ما لم يفعله أوباما “الديمقراطي” من قبل، سوف يقدم عليه ترامب “الجمهوري” (الذي لا يكترث بحقوق الانسان) في ساعات، وهو الذي أبدى مرونه نحو الأسد منذ اللحظات الأولى، دفعت بالأخير إلى قمة الغرور، فتصوّر أن  صراعه مع أميركا انتهى، وأنه أصبح من حقه تحطيم قواعد اللعبة، في عالم ما زالت أميركا تحكمه حتى الآن، ولن تتخلى عن قيادته، مهما قيل عن سياسات الانعزال.

وهكذا ، يبدو أن هؤلاء الذين زرعوا الارهاب والطائفية في بلدانهم، وفي المنقطة العربية ككل، للابقاء علي عروشهم، وتواطأوا على إسقاط حلفائهم من المستبدين، ما زالو  بعيدين  كل البعد عن  ادراك درس “صدام حسين”، والاجتياح الأميركي للعراق، في عهد جورج بوش الابن، الذي يبدو طرازاً أكثر تسامحاً وإتزاناً من الرئيس الاميركي الحالي، والذي لولا أن  بشار الأسد قد أبدى مرونة أمامه، لربما امتد الاجتياح الأميركي الي دمشق وقتها.

انها ذروة التحول والتجسيد لكيفية تحول اليمين من التعاون، أو التغاضي الأميركي، مع السلطوية، الى محاولة سحقها في ساعات وجيزة.

والحقيقة أن هؤلاء لا يدركون انهم مهما قدموا،  فهذا لن يشفع، أو يحمي، أو  يضمن، فيحنما يكون على رأس العالم رجل يميني  فاقد للاتزان، فأنت كحاكم مستبد، لن تستطيع ابتزازه بمحاربة الإرهاب طوال الوقت، و في  الغالب ستكون مُكَلَفاً، ومُسَيَرا لا مخيراً، ليست لك حيثية  أو خيار،  خاصة إن كنت محدود القبول في الداخل، سوى أن تتنازل وتطيع، ثم تتنازل مجدداً، وتتنازل ثالثة… وهكذا دواليك.

أنت لا تراهن علي شيء، سوى غطاء دولي، سيكون لصالحك يوماً، وضدك، ومرتبطاً بسلسلة من التنازلات المتتالية، ككرة الثلج في أغلب الوقت. وفي النهاية ستظل تخسر الداخل،  بينما لن تربح الرضى الخارجي عنك كاملا ودائما.

وفي المقابل ستظل الشعوب، وفي الحالتين،  هي التي تدفع ثمن دعم الاستبداد، أو الانقلاب عليه من قبل الخارج. وتبقي سوريا  اليوم هي أوضح نموذج لما سبق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق