سياسة واقتصاد

“داعش” بعد البغدادي… ما السيناريوهات المحتملة؟

تتزايد المؤشرات على مقتل زعيم “داعش” الإرهابي أبو بكر البغدادي بضربة جوية روسية على مقر للتنظيم التكفيري قرب مدينة الرقة، في أواخر أيار/ مايو الماضي، بحسب ما أفادت وزارة الإعلام الروسية.
حتى الآن، لا اعلان رسمياً من قبل “داعش” على مقتل البغدادي، في ما عدا معلومات نشرها، يوم أمس، موقع “السومرية” العراقي، عن منشور يجري تداوله في تلعفر، يشير بشكل مقتضب إلى أن التنظيم التكفيري يستعد للإعلان عن “خليفة” جديد.
وبدوره، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن لديه معلومات شبه مؤكدة عن مقتل البغدادي.
الجانب الروسي يبدو واثقاً – ولكن بحذر – بأنه تمكن من اصطياد البغدادي، إذ تقول وزارة الدفاع الروسية أن مقتله “احتمالية عالية جداً”، متجنبة في الوقت ذاته الخروج بإعلان حاسمة، ذلك أن تأكيد مقتل “الخليفة” المزعوم، لا بد من أن يمر بمراحل متدرجة، من خلال قنوات عدّة، وذلك لاعتبارات مختلفة.
أهم تلك الاعتبارات أن “داعش”، وبوصفه أخطر تنظيم إرهابي في العالم اليوم، لم يعد مجرّد جماعة متشددة تمارس نشاطاً عسكرياً تقليدياً، فالتنظيم التكفيري معروف ببراعه في اعتماد الأساليب الأمنية المعقدة التي تجعل الاستهداف المباشر لقادته، يتطلب نشاطاً استخباراتياً مضاداً أكثر تعقيداً. وكان من الجائز أن تكون معلومة وجود البغدادي في الاجتماع المستهدف، مجرّد تسريب خادع، لاستدراج الروس إلى تأكيد تصفيته، ليخرج بعد أيام بتسجيل صوتي، أو حتى مرئي، لدحض “الأكذوبة”، كما حصل في مرّات سابقة، وبالتالي تحقيق انتصار إعلامي، يعيد رفع معنويات “الجهاديين”، بعد الخسائر المتتالية في العراق (الموصل) وسوريا (الرقة وتدمر).
ومن بين الاعتبارات الأخرى، أن الإعلان النهائي عن قتل البغدادي، كان يتطلب دراسة معمّقة للتداعيات المحتملة، سواء على المستوى الميداني في جبهات القتال في سوريا والعراق، أو على المستوى الأمني، لجهة التعامل مع أية تهديدات جهادية انتقامية محتملة لمقتل “الخليفة”، بما في ذلك داخل روسيا نفسها.
السؤال الأساسي الذي كان، ولا يزال، ينبغي الإجابة عليه: ماذا بعد القضاء على رأس “داعش”.
من المؤكد أن الإجابة على هذا السؤال ليست بالسهلة، فالأمر بمجموعة فرضيات لا بد من دراسة كل منها، وبالتالي، فإن ثمة حاجة إلى التعامل مع كل منها، بحذر شديد، بما يتطلبه ذلك من وضع خطط استباقية للتداعيات المترتبة عليها.
وما يضفي مزيداً من التعقيد على هذه المقاربات، أن توقعات الخبراء الاستخباراتيين والمختصين في الشؤون الجهادية تبدو متفاوتة، لا بل متناقضة في بعض الأحيان، وإن كان ثمة إجماع على أن قطع رأس الأفعى لا يعني بالضرورة سحقها بالكامل… ولا القضاء على البيض الذي وضعته في الجحور.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدا أكثر واقعية في ظل “الحماسة” التي رافقت البيانات والتصريحات الروسية المتلاحقة بشأن “معلومات تقترب من اليقين” بشأن مقتل البغدادي: “العمليات الهادفة إلى سحق المجوعات الإرهابية استقبلت في السابق بالكثير من الحماسة”، قال الوزير الروسي، “ولكن التاريخ يظهر أن القدرات القتالية لتلك البنى (الإرهابية)، غالباً ما تُستعاد”.
ما قاله لافروف يلتقي، بدرجة أو بأخرى، مع آراء الكثير من المحلين، مثل ماكس أبرامز، الخبير في مجال الأمن والعلاقات الدولية، الذي قال لمجلة “نيوزيوك”، إنّ “تصفية زعيم (الدولة الإسلامية) سيعدّ ضربة كبرى في مجال مكافحة الإرهاب”، مشيراً إلى أنه “سيعدّ انتصاراً كبيراً لروسيا على مستوى العلاقات العامة” في مجال الحرب على الجماعات الإرهابية.
هذا الانجاز العسكري احتفى به عدد من البرلمانيين الروس مسبقاً، فعضو مجلس الاتحاد الروسي ألكسي بوشكوف، على سبيل المثال، رأى أن “مقتل البغدادي سيسرّع هزيمة الإرهابيين، وسيشكل ضربة جديدة لداعش”، فيما اعتبر رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي فيكتور اوزيرف إن مقتل البغدادي قد يسهل تحرير الرقة (اوزيروف)، وسيعني انهيار البنية القيادية لـ”الدولة الاسلامية”.
ولكن نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي انرديه كليموف بدا أكثر حذراً، حين قال إن “مقتل البغدادي سيضعف داعش، ولكن ذلك لا يعني أن الوقت قد حان لانهاء الحرب على الإرهاب”.

مقتل البغدادي سيضعف “داعش” ولكنه لن ينهيه تماماً

وفي الواقع، فإن ثمة أسباباً كثيرة للحذر بشأن مستقبل “داعش” بعد تصفية زعيمه.
وبحسب ماكس أبرامز فإنّ “إزاحة زعيم التنظيم المتشدد لا يعني أن تغييراً سيحدث في القيادة والتحكم”.
ويتفق الخبير الروسي فيكتور موراكوفسكي مع هذا الرأي، إذ انطلق، في حديث إلى وكالة “سبوتنيك”، من طبيعة البنية التنظيمة لتنظيم “الدولة الاسلامية”، للقول إن أبو بكر البغدادي ليس “رئيساً للأركان يصدر أوامره للجنرالات”، موضحاً أن البيعة لتنظيم “داعش”، غالباً ما تكون تضمن بعض الاستقلالية للجماعات المتشددة، ومذكراً بأن البغدادي “زعيم ايديولوجي وليس قائداً ميدانياً”.
بعض التحليلات يذهب نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً.
وعلى سبيل المثال، فإن جينا جوردان، استاذة العلاقات الدولية في معهد جورجيا للتقنية، سبق أن رأت، في دراسة نشرت في العام 2014، أن ” استهداف القيادات في الحرب على الإرهاب عادة ما يأتي بنتائج عكسية، وخاصة إذا استخدمت تلك العمليات ضد الحركات الدينية والانفصالية الكبيرة”.
وبحسب ما خلصت إليه جوردان، في دراستها، فإن هذه النتيجة تبدو أكثر ما يكون وضوحاً في حالة “القاعدة” والتنظيمات المنبثقة عنها مثل “الدولة الإسلامية”، فمن المعروف أن تنظيم الدولة الإسلامية ولد من رحم “القاعدة” في العراق، بعد مقتل زعيمها أبو مصعب الزرقاوي في العام 2008، فانبعثت بعد خمس سنوات على شكل تنظيم أكثر تشدداً وخطورة ودموية هو تنظيم الدولة الإسلامية.
ومن خلال تحليل 298 حدثاً خلال الفترة الممتدة بين العامين 1945 و2004، وجدت جوردان أن تصفية زعيم أي جماعة أصولية لا يقود بالضرورة إلى دمارها، لأن الحالات التي اختفت بها الجماعات بعد مقتل زعيمها لا تتعدى 30 في المئة، علماً بأن هذه النسبة إلى أربعة في المئة بالنسبة إلى الجماعات الدينية.
وانطلاقاً من ذلك، يرى بيتر نيومان، على سبيل المثال، أن تصفية الكوادر الوسطية فعال أكثر ، لأنهم صلة الوصل بين القيادة والقاعدة.
ويضيف بعض المحللين مخاطر أخرى على تصفية البغدادي، لجهة جنوح القادة الوسطيين أو الميدانيين نحو القيام بعمليات ضخمة وعشوائية، ربما كان يمكن كبحها، من قبل القيادة “الداعشية”، لاعتبارات تكتيكية، وهو ما يراه كولن كلارك، الذي كتب في مجلة “فورين أفيرز” أن تصفية قادة الجماعات الإرهابية قد يزيد من عدائية أفرادها، مشيراً إلى أنه في حالة “داعش”، وفي ظل الانهيار الحاصل في الموصل، فإنّ الرد الانتقامي قد يتمثل في تكثيف الهجمات الإرهابية في الغرب.
وبحسب ماكس ابرامز، فإنه “في كثير من الحالات، غالباً ما تقوم قيادة الجماعات المتطرفة بمنع الكوادر في الصفوف الأدنى من تنفيذ أعمال إرهاب كبرى وعشوائية، ولذلك فإن ضرب رأس (داعش)، ربما يؤدي إلى انطلاق دفعة من العمليات غير المنسقة”.
ومع ذلك، يقر ابرامز بأن “داعش” يمثل حالة استثنائية، فالبغدادي، ومعه المتحدث الاعلامي أبو الحسن المهاجر، لطالما شجعا أتباع التنظيم التكفيري على القيام بأعمال عنف عشوائية ضد أهداف عسكرية ومدنية.
ووفقاً لأبحاث ابرامز بإن البغدادي هو المخطط الأول “التكتيكي” لكل القيادات “الداعشية” حول العالم، وبالتالي فإن سحق رأس “داعش” قد يكون خسارة رمزية لا يمكن تعويضها، وسيترك قناعة لدى الدواعش بأ، مشروع الخلافة قد فشل.
والمعروف أن إعلان “الدولة الاسلامية” في العام 2014، قد جعل أرض “الخلافة” في سوريا والعراق قبلة آلاف الجهاديين حول العالم، وفتح المجال أمام جماعات “جهادية” من اليمن ومصر، وصولاً إلى ليبيا ونيجيريا، تعلن البيعة للبغدادي واحدة تلو الأخرى.
أمّا وأن مشروع “الخلافة” قد بات بحكم المنهار، بفعل تهاوي جبهات “داعش” من الموصل إلى الرقة، فإن مقتل “الخليفة” سيمثل في هذه الحالة ضربة موجعة، ليس لقدرات التنظيم الإرهابي ومعنويات مقاتليه فحسب، وإنما لكيان “الخلافة” نفسه، ما سيخلق أزمة هوية لآلاف الإرهابيين، المنضوين تحت الراية السوداء لذلك التنظيم التكفيري.
ومن غير الواضح ما إذا كان خليفة البغدادي سيكون قادراً على ضبط أمور التنظيم المتشدد.
وحتى الآن، يعد إياد العبيدي وعياد الجميلي من أقوى المرشحين لخلافة البغدادي، ولكن من المرجح ألا يحظى أي منهما بلقب “الخليفة”، لافتقارهما إلى المكانة الدينية ولأن التنظيم خسر الكثير من “أرض الخلافة”.
ويتولى العبيدي وهو في الخمسينات من عمره “وزارة الحرب” في “داعش”، بينما يرأس الجميلي وهو في الأربعينات الوكالة المسؤولة عن الأمن في التنظيم الإرهابي.
وكان الإثنان قد انضما إلى التنظيمات المتطرفة في العراق في العام 2003 عقب الاحتلال الأميركي للعراق، وأصبحا أهم مساعدي أبو بكر البغدادي منذ مقتل نائبيه أبو علي الأنباري وأبو عمر الشيشاني، وأبو محمد الجولاني مسؤول الدعاية في ضربات جوية العام الماضي.

اياد العبيدي وعياد الجميلي من أقوى المرشحين لخلافة البغدادي

والعبيدي، المُكنى بـ”أبو صالح حيفا”، هو ضابط سابق في “الحرس الجمهوري” العراقي، وسبق أن شارك في تشكيل “كتائب ثورة العشرين” التي ساهمت في مقاومة الأميركيين بعد احتلال العراق في العام 2003. ويبدو أن العبيدي تحوّل في تلك الفترة إلى السلفية الجهادية، كما سُجن في “بوكا” في العام 2006.
وأما الجميلي فكان أحد عناصر الاستخبارات العراقية المشهود لهم بالكفاءة في عهد الرئيس صدام حسين. وهو من مواليد الفلوجة، وكنيته عبد الرحمن الأنصاري، وهو يعد صاحب خطة اعلان “الخلافة” في الموصل، وتحديداً من المسجد النوري.
ويملك الجميلي عناصر قوية ومدربة للغاية للقبض على “الجواسيس”، ويتمتع بسطوة كبيرة في صفوف التكفيريين.
ويحتاج اختيار الزعيم الجديد لـ”داعش” إلى موافقة مجلس شورى الجماعة المؤلف من ثمانية أعضاء. ومن المستبعد أن يجتمع الأعضاء الثمانية لدواع أمنية وسينقلون آراءهم عبر رسل.
ويضم مجلس الشورى ستة عراقيين وأردنياً وسعودياً، وقتل عضو تاسع، وهو بحريني، في ضربة جوية أواخر أيار/مايو.
وبانتظار معرفة إلى من ستؤول “الخلافة” بعد البغدادي، فإن السيناريوهات المحتملة لمستقبل آلاف المقاتلين المتشددين تبدو متعددة.
ومن جهة، ثمة احتمال أن ينشطر التنظيم التكفيري إلى جماعات أقل حجماً، ولكن أكثر خطورة. وفي تاريخ الجماعات الإسلامية الكثير من الأمثلة، لعلّ أقربها مثالاً إلى الحالة الراهنة، هو تنظيم “داعش” نفسه، الذي ولد من رحم تنظيم “القاعدة”، وقبله تنظيم سيد قطب، الذي ولد من رحم جماعة “الإخوان المسلمين”، بعد اغتيال مؤسسها حسن البنا، وضرب بنيتها التنظيمية في عند مرشدها الثاني حسن الهضيبي.
ومن جهة ثانية، فإن ثمة احتمال آخر في أن تفتح تصفية البغدادي الباب أمام تقارب جديد بين “القاعدة” و”داعش”، خصوصاً أن رحيل “الخليفة” قد ينزع واحداً من أهم أسباب “الفتنة الجهادية” مع مبايعي أيمن الظواهري، الذي ربما يصبح القائد الأوحد على الساحة الجهادية، وتسقط بذلك كل موانع الاندماج بين التنظيمين، بانتفاء الضلع الثاني من القاعدة الشرعية القائلة بأن “البيعة لا تجوز لخليفتين”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق